ثقافة وفنون

أعرف…..شعر علي حوريه

أعرف
أنني سأموت مصلوبا
في إحدى الساحات العامة

أعرف أن رقبتي ستُحز بأكبر سيف
أن أظافري ستخلع بأحدّ مدية
وأن عظامي ستسحق بأصلد هراوة

سأموت مُدّعيا الألوهية
النبوءة قليلة عليَّ

أنا المرسل دائما
لن ألعب دور الرسالة أو الساعي أبدا

الكون كله صار يتنبأ لي هذه الخاتمة

أمي أيضا كانت تحدس أن حدثا جللا سيمد رأسه عما قريب
حاولتْ مرارا وتكرارا أن تنزلني
كانت تشعر أنها تحمل لغما
جرما سماويا
مسخا موحشا
شيطانا صغيرا
ظلتْ تضرب بطنها
وتقفز كالكنغر ليل نهار
لكنني لم أنزل
لم أشأ أن أنزل
ظللتُ متشبثا برحمها
كما تتشبث الحسكة بالحبة
والدي
لم يحتمل النظر لي حتى
اكتفى بالموت مبكرا
بالهروب بعيدا
والاختباء كطفل من العاصفة

أعرف أنني سأموت مصلوبا
في أكبر ساحة عامة

أكاد أسمع الجماهير تهتف
أرى الأكمام إلى المرافق والأكتاف
أرى عيونا محدقة كالفناجين
أرى أفواها فاغرة
وأخرى تقذف بصاقا كالزبد
وكلمات بذيئة كالقذائف
أرى رجالا بلحى كثة
وسواعد كجذوع النخل
يحملون حتفي إليّ
أرى حجارة بحجم اليقطين
تنهال على رأسي
أرى مدافع ودبابات ومجانيق
تحدو موكب إعدامي
أرى وعاظا وقضاة
يتأبطون كتبا كبيرة وخضراء
يَنشدون استتابتي
أرى لحمي الأحمر
يصرخ في فضاء أصم
ساحرا وشهيا
كرمانة متفجرة على الثلج

أعرف أنني
سأتلوى كديكٍ مذبوح
وأتخبط كالْمسوس

من قال أن السكاكين لاتتألم
أن السياط لاتتأوه
أن الأقفاض ليست مسجونة
أن الملابس ليست عارية

أعرف أنني سأتعذب كثيرا
أنني سأدخل أفرانا
وأنزل قدورا تغلي
وأصعد خوازيق

لكنني لن أتوقف عن ادعائي
لن أتراجع
سأرفع رأسي عاليا
سأهتف بلا بيدين
وأصرخ بلا حنجرة
جلدي سيكسّر المسامير
ويفجّ الحجارة

لن أتوقف عن جرّ الشعر من خصيتيه

أنا الإصبع الذي ستجلس عليه الأرض رغم أنفها

رأسي نيزك سيضرب كل شيء
وروحي قنبلة ذرية

أعرف أن نصوصي ستكون كتابا مقدسا بعد حين
أعرف أنني سأكون بطلا لإحدى الأساطير
وأن الآلاف سيدّعون أنهم على علاقة وطيدة بي
أعرف أن كثيرين سيصبحون مشاهير
فقط لأنهم صافحوني

سحقا لكم
أيها الفانون
إنني أسمع دقات قلوبكم

مزقوا هذا الجسد الحقير
هذا القالب المتهاذي
مزقوا ماشئتم
إنكم لن تصلوا لي
إلا كما تصل الحجارة للسماء
إنكم لن تعنوني
إلا كما يعني
ضوء الفتيلة للشمس

لن تبلغوني
لن تدفنوني بعيدا
ثمة أعداد هائلة قادمة مني
ثمة أطنان مكدسة مني
تنتظر
في البواخر والموانئ
ثمة سلالات من صلبي
تترقب
في الغابات والأدغال

أعدكم
لن تصلوا لي
لن تتمكنوا مني
لأنني سأكون بعيدا
في سمائي الخاصة
محصنا بالأسوار والحراس
فيما جسدي المصلوب
هذا القالب السخيف
سيكون كفزاعة في حقل
يُرهب الطيور والبشر
على حد سواء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى