ثقافة وفنون

عن فن النميم فى أسوان .. قراءة في ديوان نغمات القلوب للشاعر عبدالدايم أحمد فرح .. بقلم / حسني الإتلاتي

النَّمِيمُ لغة هو "الصَّوْتُ الخفى من حركة شيء أَو وطء قَدَم"

شرفت بدعوتي لقصر ثقافة حسن فخر الدين لتقديم قراءة نقدية ومناقشة لديوان الشاعر عبدالدايم أحمد فرح حسين بحضور الشاعر عباس حمزة أحمد رئيس نادب أدب أسوان و النادي المركزي لمحافظة أسوان دورته الحالية و القاص ياسر سليمان رئيس نادي ادب نصر النوبة والنادي المركزي سابقا والشاعر عبد المنعم فتح الرحمن العقيلي رئيس نادي أدب نصر النوبة حاليا والأستاذ محمد سيف الناشط الثقافي في نصر النوبة وجمهور نادي الأدب بقصر ثقافة حسن فخر الدين

والشاعر عبدالدايم أحمد فرح ، موجه بالأزهر الشريف وشاعر وعضو نادي أدب نصر النوبة 

وهو شاعر متعدد المواهب ..غزير الإنتاج كتب شعر الفصحى والنميم والقصة القصيرة ويأتي ديوانه نغمات القلوب طبعه حديثا في طبعة خاصة على نفقته 2017 في طبعة راقية خالية مما يشوب بعض الإصدارات من سوء في خامة الورق أو الإخراج الداخلي يشمل ديوانه عدة أقسام كل قسم موجَّه لغرض معين القسم الأول في ذكر الله وحمده والثناء عليه والقسم الثاني في مدح الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وفي الثالث مدح الوطن مصر وبلده أسوان ثم الرابع حكم وأمثال ثم في الخامس حيث الغزل ووصف المحبوبة ثم السادس في الحنين إلى الماضي الجميل وأخلاق القرية ثم الأخير مواعظ ونصائح للشباب بالعودة الى القيم والمبادئ السامية والالتزام بتعاليم الإسلام

وأشهر من تناول النميم  باحث المأثورات الشعبية جمال وهبي في كتاب ” فن النميم ” فى طبعة محدودة بمديرية الثقافة في محافظة أسوان، ويعد الكتاب الأول الذي يوثق لهذا الفن وبعض الدراسات الأخرى  مثل دراسة للباحث أيمن حسن  بموقع صدى البلد الذي اعتمدت عليها كثيرا كذلك دراسة القاص والناقد الأسواني أحمد الليثي الشروني

الذي أفادتني أيضا

ما هو النميم ؟: يذكر الباحث أيمن حسن علي  في مقالة منشورة بموقع صدى البلد

النَّمِيمُ لغة هو “الصَّوْتُ الخفى من حركة شيء أَو وطء قَدَم”. ( 2 )

والنميم اصطلاحا هو ارتجال لنوع من المربعات الشعرية، يقوم على المراكمة الفنية المضطردة، لعناصر جمالية أو عدديه، يؤديه الشاعر الشعبي إنشادا مع الترنم، فى مواجهة شاعر شعبي آخر أو اكثر يقوم بنفس المراكمة في موضوع واحد محدد، وذلك في حضور جمهور يمثل الحكم في اختيار أبرع الشاعرين فى أداء هذا النوع من الشعر الشعبي و أن الجماعة الشعبية تطلق على مربع النميم ” غنوة” وعلى النميم غناء

و يتم جر النميم فى ليالى الأفراح كـ (ليلة الحناء) غالبا، وأحيانا فى مناسبات أخرى، ويبدأ نص ليلة النميم بذكر الله، وذكر الرسول صلى الله عليه وسلم والثناء عليه راجين شفاعته، ثم يعرج الشعراء على ذكر أهل البلدة، أو القرية صاحبة الليلة، فيتم مدح نسبها، وذكر مناقبها خاصة حفاوة استقبال أهلها للشعراء، وينتهى المطاف بذكر أصحاب الليلة، والمناسبة، راجين من الله أن يعيد عليهم المناسبات السعيدة.

وما أن ينتهي المفتتح، حتى تبدأ الهمهمات بين الجمهور، تنشط ذاكرة الجماعة الشعبية محاولة حث الشعراء على مجال معين ( موضوع محدد لليلة )، فيميل الكثير للخدار (ذكر البنات)،

وهنا يتجه الشعراء الى أكبرهم سنا ومقاما طالبين منه فتح المجال، أى اختيار موضوع الليلة، وعقب الاختيار يلتزم بقية الشعراء بهذا المجال، يتحاورون فيرفع (ينشد) الشاعر غنوته أي يقول المربع واضعا عناصر التحدي فيه، إما صورة جمالية، أو صورة عددية، ثم يتلوه الشاعر الآخر بالرد ملتزما بالمجال، ومحاولا التفوق بصورة أقوى، ويأتي الدور على الشاعر الثالث أو الرابع إن وجد، ثم يعود الدور على الشاعر الأول وهكذا فى حوار يستمر حتى قبيل طلوع الفجر، فيذكر الشعراء بعضهم البعض بأنه قد حان وقت الصلاة، وأن الجمهور أرهق، فيختم الشعراء كل حسب دوره شاكرا أهل البلدة، وأصحاب الليلة متمنين لقاءات أخرى .

ويكرر شاعر النميم غنوته أو المربع مرتين وأحيانا كثيرة يضيف ويحذف كلمات وعبارات وهى سمة أسلوبية أخرى جديرة بالدراسة.

وينتشر في محافظات الجنوب بمصر وبخاصة في محافظتي أسوان والبحر الأحمر، حيث ملائمة الظروف لنشوء هذا الإبداع الذي يقوم على تشكيله فنيا مبدعون ينتمون إلى بعض القبائل العربية كالعبابدة والجعافرة والعليقات.

تأتي قوة فن النميم من تلقائيته، حيث يلقي ولا يكتب ويأتي وليد الصدفة دون ترتيب أو إعداد مسبق من الشاعر ولكنه يأتي معبرا عن روح الجماعة الشعبية، وإن كان إبداعا فرديا حيث يبدع الشاعر بمفرداته متأثرا بما حفظته ووعته الذاكرة من أسلافه شعراء النميم والذي شكل حصيلة إبداعه الفكري، شريطة اتحاد القافية والوزن.

والقارئ لديوان نغمات القلوب يستطيع في سهولة ويسر معرفة ملامح الشاعر الشخصية من كرم ومروءة وتدين وسماحة وعفو وتمسك بالأخلاق السمحة ومنتمي لوطنه معتز ببلده أسوان محب للرسول حبا صادقا يظهر في شعره انه مرشد ومربي ومعلم حيث تشمل المواعظ والنصائح جزءا كبيرا من الديوان وتظهر ثقافته الدينية العميقة من خلال تناصه مع الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث الشريف وذكره لكثير من مناقب الرسول وصحابته كذلك في الثناء على الله بما هو مذكور في كتابه الكريم وفي غزله يندرج غزله غالبا للغزل العفيف غير المعرّض بجمال جسد المحبوبة إلا بما اتفقت عليه النظرة الشعبية من نور الوجه وامتشاق القوام ولكن الشاعر يذكر مواجده وانشغاله بها ولم يتناص الشاعر مع القران الكريم والأحاديث الشريفة بل مع التراث العربي مثل قيس وليلى وغيرها كذلك مع الأمثال الشعبية

والشاعر من حيث الشكل لم يعمد إلى الجناس التام أو الناقص إلا قليلا جدا في حين يكمن جمال النميم في قدرة ومهارة الشاعر في الإتيان بكلمة واحدة مكررة أربع مرات والمعنى مختلف أو الجناس الناقص أي تشابه الكلمات الأربع في معظم الحروف وربما يعمد الشاعر لذلك رغبة منه أن تكون مربعاته سهلة طيعة مفهومة بعيدة عن بعض التكلف وفي بعض الأحيان يحدث تكرار لكلمة في القافية وهذا يضعف المربع وبعضها لا يعتمد على الإدهاش والصدمة في البيت الرابع حتى ينتزع الشاعر صرخة الإعجاب من المتلقي كذلك الإطناب وعدم تنامي الفكرة بحيث أن يضيف كل بيت خبرة جديدة لسابقة فالإطناب مقبول في النثر أكثر من الشعر

يقول الشاعر عبدالدايم احمد فرح حسين في ديوانه نغمات القلوب موضوع الدراسة

من القسم الأول يبدأ بذكر الله وحمده وتعظيمه وذكر نعمه يقول من بين هذه المربعات

سبحان الكريم الكون جميع مالكنّه

دبيب النملة في الليل البهيم سامعنّه

كذالك الدود رحيم داخل الحجار رازقنّه

ولا بيغفل ينوم ال ف الرحم عالمنّه

*********

يا مفرج هموم الخلق يا الله

في بطن الحوت يونس اجبت دعاه

نجيت موسى من فرعون وقفت معاه

وسيد المرسلين أنقذته من أعداه

*********

وفي القسم الثاني في مدح الرسول نذكر بعض المربعات

أنا كل عضو فيّ ولهان بحب الهادي

طه نوره أشرق في الحضر والبادي

قالوا على صبح مجنون يا ناس حسّادي

ما يقولوا اللي يقولوه حب طه عبادي

********

ويح الغرب لو عرفوك ما كان مالوا

يا نور الوجود ربَّاكا جلّ جلاله

لكين جهلوا قدرك عليكَا اتعالوا

في ظلمَ الخلايق ياما صالوا وجالوا

********

رجال حول الرسول كانوا سُلاما النيّة

طايعين الرسول بقلوب نبيلة صفيّة

للدنيا أم عبوس ما عندهم هميّة

كل أمالهم يا سيدي للابديّة

********

أسوان ياللي حاضنة السد والخزان

ياطيبة اهل يا مكرمي الضيفان

بدعوة المولى ربي ال مالك الأكوان

يبعد عنك الشر وتبقى لينا أمان

*******

وفي باب الحكم والأمثال يقول عبدالدايم فرح

صاحبك كاتم أسرارك معاك في الكربة

ومين علشانك يتلقى ف ثبات الحربة

ما ذاك اللئيم اللي على الصغير يتعبا

ياجيك في الفرح ساعة الحزن يتخبى

*******

قال الفقري فيرانا الخشب أكَلَنُّه

كذاب قالوا ليه الكل قام لَعَننُّه

قام ال عنده قال شفت الحديد طاحننُّه

قالوا صدقت دايما للصدق ناطقنُّه

******

 ومن الاقوال الشعبية حالته تصعب ع الكافر يقول الشاعر في تناص مع هذا المثل

شوف حالتنا تصعب حتى عالكفار

وبين بعضينا أصبح عادي ضرب النار

حسبونا الخلق في زمرة الأشرار

ويوم الاخرة كيف هانقابل الستار

وفي صورة رمزية عن تبدل احوال الناس لتبدل احوال الانسان من فقد صحة أو جاه أومنصب

لما كانت شجيرتي غصونها زاهية ندية

تلقى الخلق تحتها بيفوقوا المية

لما ذبلت خلات صبحت في حالة ردية

عافوها الخلق بيقوا لا ما هية

********

 وفي تناص مع الأمثال الشعبية

حددنا الدروب السالكة والملغومة

وقولنا لأهلنا هاكم يا للا شدوا القومة

ما سمعوا الكلام كانت الدروب مشئومة

كما العبوا ماء ماء في قرب مخرومة

********

وتناص مع الموروث الشعبي

هاويتك يا دنيء ماكنت في دا مصيب

وحاكيت الراجل داك اللي ربى الديب

فحأة غدرت بي ما لقيت جنبي حبيب

كأني في صحرا انا ولا هناكا مجيب

********

وفي وصف المحبوبة

طلع من بيته مرّ كانّه نسمة ليل

جميل الوجه رايق الدم ماله مثيل

يادوب كلم رفيقه ورد تاني عديل

غرقان في الخجل جوا الخطاوي تقيل

********

تمر يازول تفاح وتين ف اشجارن

مرويّات تمام نبتن على انهارن

حارسهم فطن ينظر يمين وشمالن

يضرب ضرب نار لو حد يمشي جوارن

********

حسن البدر وليونة الخزران

وشعره سواد دجى والقد شجر البان

كلامه كما العسل الرايق الصفيان

مشيه كما الملوك لا باطي لا عجلان

………………………………………………………………………………………..

حسني الإتلاتي .. شاعر ومحاضر مركزي بالهيئة العامة لقصور الثقافة

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى