الخميس , يناير 28 2021

مكرم قنديل يكتب ……فوضى الدماغ

 

هناك … في داخلِ ذواتنا … في النفس البشرية … مساحة شاسعة ليست بالبسيطة , مسكونة بأفواه تنادي دائماً وبإلحاح من أجل تحقيق اللذة المباشرة , متجاهلة بذلك كل شيء , بغض النظر عن مصدره ومصداقيته , ضاربةً عرض الحائط بجميع القيود أو الحدود … المهم تلبية الرغبة واشباع الغريزة وإرضاء النفس . 

ورغم ما يتمتع به الإنسان من وعي ونضج ومبادئ وإدراك , وسلسلة تكاد لا تنتهي من المسميات التي تدل على الحكمة والوقار , يتحصل عليها من عدة مصادر , إبتداءً من حضن امه وعتبة بيته ومدرسته , وانتهاءً بدروس الأنبياء وحكم الفلاسفة وخبرة الحياة . 
هذا يُنتج ويُنمي بُعداً ثالثاً من شخصيته , وهو ما اصْطُلِح على تسميته بالضمير . 
يكون شاهداً على كل أفعاله وأفكاره . وكثيراً ما يكون هذا الوازع أو هذا الضمير : ممزقاً ما بين إشباع الرغبات وإرضاء المبادئ , مما يجعله مشدوداً بين نقيضين متضادين متعاديين , وحالة لا تندرج تحت قوانين نيوتن الفيزيائية , كل منهما يجذبه إلى ناحيته , مما يجعله يبدو هزيلاً منحني الظهر حيناً , وشديداً مفتول العضلات أحياناً أُخرى , على مسرح أو لنقل على حلبة الحياة ….. وكثيراً ما يقع صاحبنا الضمير أو يُتهم بالنفاق … جراء محاولاته إرضاء أو التوفيق بين الطرفين , وهذا غير متاح وأشبه ما يكون بمعجزة , ورغم ذلك لا ينفك الضمير الطيب عن المحاولة , ويتمنى أن لو يستطيع فعلها يوماً من الأيام …. 
هذا المخلوق , أفنى أو استثمر زهرة شبابه في طلب المعرفة . تعلم وقرأ وناقش وجادل وتثقف , ولم يوفر وجبةً معرفية أتيحت له يوماً إلا والتهمها بنهم , فلا حدود لاتساع إدراكه . تكونت لبنات عقله على يد أعظم المفسرين والأدباء , مكونة هرماً فكرياُ شاهقاً ومنيعاً , ساهم في تدشينه أشهر الفلاسفة والأصوليين , ولك أن تتصور ما يمكن أن يحتوي هذا العقل , أو هذا الهرم من كنوز ومعارف , وفي مكان غير بعيد من هذه الأشياء داخل عقله … نلتقي وجهاً لوجه مع بعض أفكاره الغريبة , التي أشبه ما تكون بخرافات وخزعبلات وأوهام خالية من أي معاني ومبررات , وأشياء كثيرة تثير الضحك والرِّثاء , غير أنه تعود على كبتها وحشرها في أسفل عقله الواعي . 
لذلك … فهو يذعن رغم أنفه , أو رغم كل آليات عقله في الإجتهاد , لإيجاد معنى لكل شيء , قل أو كثر , عظم أو حقر , مما خلع عليه صِبغة الحيران التائه أحياناً . 
هذا المزيج المحير , أو ربما بسببه , كان يسمع بؤذني عقله أو ضميره زئيراً يرهق أعصابه , كأنه جبل يتهدم , يندد به ويتهمه بالجهل والعصيان كلما فكر أو راقت له فكرة يريد من خلالها إرواء نهمه , أو تحقيق لذة لنقل أنها … غير مشروعة , ويسمع مفردات من قبيل … يا جاهل يا فاجر . 
وذات ليلة من ليالي الصيف الجافة , جلس صاحبنا على غير عادته عند ناصية الطريق , يتفرس في وجوه المارة .. الرجال والنساء والشباب والشيوخ والأطفال والأمهات والآباء وأضواء السيارات وكل الموجودات , استشعر قدراته كفيلسوف , وكان يرفع رأسه إلى السماء بين الحين والآخر ليرقب القمر , ثم يطأطئ رأسه , ويعاود النظر إلى المارة … وهنا لا أريد أن أطيل عليكم , لأنكم تعرفون تماما ًما ينقدح في ذهن الإنسان حين يفقد الصلة بنفسه , ويحاول أن يتواصل معها , ويتعرف عليها من خلال الآخرين وسلوكياتهم , أو يدخل في دوامة الاسقاطات والمقارنة . 
مضى صاحبنا إلى أن قادته قدماه إلى أحد أبواب المساجد , فقبض على ( زرفيل ) الباب وهزه ليفتحه حتى كاد يكسره , فوجده موصداً , فوقف في فنائه , وصلى ركعتين …. شعر عندها بالرضى على نفسه , وسمع صوتاً في داخله يمتدحه , وتذكر أمه حين كانت تحتضنه تحييه وتمسح رأسه وهو صغير . 
تابع المسير … فإذا هو بباب مطعم مشهور , مكتظ بالناس , فتقدم وطلب وجبة خفيفة , شعر أنه بحاجة المزيد , ولكنه آثر أن ينام خفيفاً خوفاً وهرباً من الكوابيس والأحلام الكئيبة …. تقدم بمسيره وفي يده كأساً من العصير الذي طلبه مع وجبته , وشيئاً فشيئاً وجد نفسه في شارع فرعي , يشتهر بالمواخير وبيوت الدعارة والملاهي الليلية . رقص قلبه … لم يستنكر , أو لم يعرف السبب بالضبط , ولكن روحه تجاوبت مع نغمات الموسيقى التي استقبلته بترحاب وهو يتخذ مجلساً على طاولة وحيداً … ظلمة المكان ورهبته زعزعت حواسه وأيقظت شهوته للحب واللهو , وبالتحديد ممارسة الجنس مع النساء , بعد الإستقبال الذي حظي به , وابتسامة إحدى الراقصات التي أضاءت كل زوايا عقله , وبعد أن اقتربت منه , أصابت رائحة عطرها كل عضلات جسده بالتصلب , وبعد كأسين من الشراب .. أصبح لكل شيء صبغة روحانية , وبعداً أعمق , فسكر وطرب وانتشى وشعر بلذة الحياة , كم هي جميلة , وغرق في عالم سريالي , كل شيء فيه جميل وسائغ ومباح , تذوق الفن , ولمس جلد امرأة حسناء , فأسرته… وهم بها , عرض عليها عرضاً فوافقت واشترطت عليه مبلغاً محدداً .. فوافق , ونظر إليها بحب وإشفاق .. فالمبلغ زهيد جداً أمام جمالها الفائق وخفة دمها …. فسأل نفسه .. وشيء من الحيرة والدهشة بادياً على وجهه … !!
هل سيتاح لي و لها الوقت لنتوب .. ؟ ! .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: