السبت , سبتمبر 19 2020

د.أحمد يونس يكتب ….الجواري لسن بالضرورة من النساء

بعلامة الجمجمة والعظمتين، أحذر منذ البداية: على أصحــاب العقليات السابقة التجهــيز مـغادرة ســائر الأسطر أو الأحرف أو الكلمات داخــل هذه المنطــقة الحـرة. نـداء عـاجل بالميكرفون من الإذاعة الداخــلية لهذا المقال: أصحاب العقليات السابقة التجهــيز يتجهون فوراً لو تكرموا إلى باب الخروج. ليس هذا هو المكان الذي يتناسب مع الأفكار الجامدة في عــالم يعج بالحركة. المــنـاخ هنا لا يلائم الهاربين من ظلمات المقابر، ليجعلوا من الوطن مأتماً بلا نهاية، ومن المواطن شخصاً مغموماً على الدوام حتى يقتله الشعور بالذنب، لمجرد أن الشوق إلى الحرية أخذ يصرخ في سكــون قــلبه. الهواء هنا لن يستطيعوا أن يتنفسوه، باعتبار أنه ليس ملوثاً بالأكاذيب أو الخدع أو أحلام اليقظة المريضة التي لا تعيش إلا فــي أنهــار الدم. أكــرر: أصحاب العقليات السابقة التجهــيز يتجهون فوراً لو تكرموا إلى باب الخروج. فوراً يعني فوراً. 

خلال الثلث الأول مــن القــرن التاسع عشر، جاء فــي زيارة لمــصر كاتب أوربي هو جيرار دي نيرفال. كتابه الأشهر هـو: رحلة إلى الشرق. ومن بين عناوينه الداخلية: امرأة من القاهرة.
المهم أن المسيو جيرار دي نيرفال بمجرد قدومه إلى مــصر، أحضر له أولاد الحلال جارية مليحة تقوم على خدمته اسمها: زينب. المسيو جيرار دي نيرفال اكتفى بالإشارة إلى فحوى ما جرى بشكــل عام. تفاصيل المواجهة الساخنة بينهما، سمحـت لنفسي بأن أتخـيلها.
ذات يوم، استدعى جيرار دي نيرفال جاريته ليفاجئها قائلاً: أنا يا زيـنـب قـررت احررك. فإذا بها تفقع بالصوت الحياني: تحررني يعني إيه؟ عايزني افضل في الدنيا مطلوقة كده من غير صاحب زي كلاب السكك؟ لو عـمـلت حـاجـة غلط، جوعني، اضــربني، عـلقـني من شـعـري فـي السـقـف. بس ما تقلعنيش من رجلك وترميني كده زي البرطوشة القديمة. عايزك يا زينب تبقي حرة نفسك. يعني إيه حرة نفسي دي؟ تكونشي فيه جارية تانية مخيشة فـي نافوخـك؟ أنا عـمـلت فيك إيه يا ظالم عشان تحررني؟ هـو أنا ما بانضفش البيت كويس؟ مـش كده خالص يا زيـنـب. إنتي ـالشهادة للهبتخلي البيت زي الفل. أمال إيه؟ ما بتحبش أكلي؟ لأ يا زيـنـب. إنتي أكلك في الحقيقة لا يعلى عليه. شكلي مـشداخل مزاجك؟ بالعكس يا زيـنـب. إنتي زي القمر. وعلى إثر فاصل عنيف من اللطم على الخدود وتمزيق الشـعـر وشق الهدوم، اضطر المسيو دي نيرفال إلى أن يقول لينهي الموقف: خلاص يا زينب. قلبك ابيض. أوعدك ما اجيبش قدامك سيرة الحرية الزفت دي تاني.
أنا من عاداتي السيئة أن أملأ جميع الكتب التي أقرؤها بالشخابيط. أدون ملاحظاتي أثناء القراءة على أطراف الصفحات لعلي أعود إليها يوماً في المستقبل. أذكر أنني كتبـت أسفل هذه الحكاية: في قاموس زينب لا وجود لكلمة: أريد. بل إن تركيبتها الذهنية خالية هي الأخرى من هذا المفهوم. زينب لا تريد.
المصيبة أن البعض فــي مــصر بكل أسف، مـازالوا يتعاملون مع الواقع أو الأحداث المصيرية بعقلية زيـنـب التي تكره حتى مجرد إمكانية أن تتحرر. هناك ـحـتى بعد ثورة 25 ينايرمـن لا يستطيعون العيش بدون سيد يقبلون يده، أو كما يفعل الإخوان مع كبير الحاخامات المسمى بالمرشد، فضلاً عن حالة الرعب الهيستيري التي تستبد بالكثيرين لمجرد أن تأتي على لسان أحد سيرة “الحرية الزفت دي.
زينب لم تعد مجرد جارية كتب عنها جيرار دي نيرفال. إنها طريقة في التفكير. زينب صارت نوعاً من التكوين المرضي المشوه الذي قد يتحول في بعض الظروف إلى وبــاء يضرب الوعي الجمعي في بــلد ما. الجواري لسن بالضرورة من الإناث فقط. بعض الذكور في هذه المنطــقة من العالم لا يتخيلون الحياة إلا كالجواري.
أجمل ما فــي ثورتَي 25 يناير و30 يونيو هو أنهمــا كتبتا على السطــر الأول من تاريخــهما: الشـعــب “يريد.” ولم يكن قد اعتاد في الماضي أن يريد أو لا يريد. كانت الأشياء تحدث لنا دون أن نكون طـرفـاً فيها. نستيقظ ذات صباح لنجد أن الغزاة قد احتلوا البلد. الهكسوس أو الإغريق أو الفرس أو الرومان أو العثمانيون أو الإنجليز أو غيرهم. لا يهم. كلهم غزاة. الأنظمة السياسية تتعاقب علينا كفصول السنة: إقطاع بلون القرون الوسطى، اشتراكية على نحــو ما، ثم رأسمالية متوحشة. لا أحد يهتم بمعرفة آرائنا أو حتى مشاعرنا، كما لو أن الأمر يقع في بــلد آخر. المملوك الفلاني يتخلص بطريقة ما من المملوك العـلاني ويستولي على السلطة، بينما نحن نتفرج. تجار القاهرة علقوا اللافتات لاستقبال السلطان المنتصر قطز بعد موقعة عين جالوت: اللهم احفظ مولانا السلطان الظافر. لكن بيبارس قتله أثناء العودة من ساحة القتال. فما كان من تجار القاهرة سوى أن شطبوا حرف الفاء ليضعوا بدلاً منه حرف الهاء: اللهم احفظ مولانا السلطان الظاهر. كثيرة هي الأمثلة المشابهة فــي تـاريـخ مــصر.
المــصريون أثبتوا، بعشرات الملايين التي خرجت في ثورتين أبهرتا العالم، أنهم سيصــرون من الآن فـصــاعداً على التخلص من هذا الفيروس اللعين الذي أسميه: سيكلوجية الجواري. كما أثبتوا أنهم قادرون على التصدي لكل هؤلاء الذين لا يريدون لنا أن نريد. أرجو ألا أكـون مخطئاً هذه المرة بالذات.

 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: