رؤى ومقالات

:د. محمد أبوبكر حميد :حتى لا يقعوا في أخطائنا هل يمكن توريث تجاربنا لأبنائنا؟

هل صحيح أن أبناء الصالحين والعباقرة والعلماء والأدباء لا بد أن يكونوا مثل آبائهم إذا أحسن هؤلاء الآباء تربيتهم؟ وهل التربية وحدها كافية لجعل الأبناء مثل الآباء؟ وهل يمكن توريث الطباع والميزات والمبادئ والأخلاق؟ وهل الانتماء للأصل الطيب أو الأصل الفاسد وحده كافياً ليجعل الأبناء ينشؤون على هُدى أسلافهم؟!

والحقيقة أن واقع الحياة وما نشاهده ونسمعه ونعيشه كل يوم يؤكد أن كل ذلك ليس شرطاً ولا ضرورة، ولو كان ذلك صحيحاً لما رأينا بعض أبناء الصالحين يسيرون على خلاف طرق آبائهم ويضربون المثل في الانحراف، ولم نسمع أن عالماً ورَّث علمه لابنه فكان مثله في العلم، أو أديباً كان ابنه بعده عبقرياً في الأدب. نعم توجد حالات يسير فيها الأبناء على درب الآباء، فإن لم يسيروا على دروبهم كانوا أوفياء لهم، ولكننا لا نستطيع أن نضمن سيرهم على هدى آبائهم ومبادئهم وأخلاقهم إلا من رحم الله. وقد هزني من الأعماق الخبر الذي نشرته الصحف الأجنبية عن ابنة أحد الدعاة المسلمين -بصرف النظر عن رأينا في فكره- التي تعمل راقصة في أحد ملاهي لندن، وإبراز بعض صحفنا العربية لهذا الخبر في الصفحة الأولى في محاولة للإساءة لأبيها والتنفي منه سياسياً. فقلت في نفسي: صدق القائل إن السياسة لا خلاق لها وإلا فما علاقة هذا بذاك، فبكل المقاييس فالرجل لم يعد مسؤولا عن سلوك ابنته بعد أن بلغت سن النضج، ولو كان له سلطان عليها لما تركها تفعل ما تفعل. وهذه الحالة ليست نادرة وتتكرر دائما في أكثر ما عرفنا وسمعنا عن حالات انحراف بمستوى متفاوت في أوساطنا الاجتماعية فنعجب لعدم وجود ذلك في تاريخ تلك الأسرة أو في حياة الأب.. ولكن لا عجب! فلو استطاع هؤلاء الآباء توريث أخلاقهم وقيمهم لأبنائهم لفعلوا، ولو استطاعوا غرسها فيهم لما ترددوا، ولا شك إنهم فعلوا كل ما يقدرون عليه في تربية هؤلاء الأبناء.. ولكن هل عوامل التربية والقدوة والبيئة الأسرية وحدها كافية؟!

* قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} (42-43) سورة هود، وهكذا عصى الابن أباه وفي معصيته لأبيه معصية لأمر ربه، واتخذ بذلك قراره في مصيره. لكن قلب الأب هو قلب الأب، فحاول نوح أن يستغل مكانته عند ربه لصالح ابنه ولم ييأس منه: {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} (45) سورة هود، ولكن الله أحكم الحاكمين كان حاسماً في رده على نوح إذ وصف ابن نوح بأنه عمل غير صالح، وفي ذلك وصف لسلوك لا لشخص، وهو وصف عادل حكيم للقرار الذي اتخذه ابن نوح وما نتج عنه إذ قال سبحانه: {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} (46) سورة هود.

لا يوجد أب في هذه الدنيا لا يريد الخير لابنه حتى ولو كان ذلك الأب فاجراً أو فاسقاً أو منحرفاً، وحقاً أن الرجل لا يحب أن يرى أحداً أفضل منه إلا ابنه لأن في أعماق كل أب يترسب فيه شعوره بأن ابنه امتداد لوجوده من بعده في هذه الدنيا، والأب الصالح أو الناجح يتمنى أن يورث ابنه تجربته ليكون ابنه أكثر صلاحاً ونجاحاً منه، والأب الطالح أو الفاشل يتمنى أن يتجنب ابنه ما وقع فيه من أخطاء وعيوب وذنوب ليكون الامتداد الأفضل له. لكن هذا القرار – للأسف إذا جاز التعبير – بيد الأبناء لا بيد الآباء، والأمر كما خاطب الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (56) سورة القصص، والمشيئة تعود هنا للشخص نفسه، وعلى قدر مجاهدة الإنسان لنفسه وهواه وعلى قدر سعيه لتحقيق طموحاته نحو الأفضل ونحو الخير والهدى والنور يوفقه الله ويهديه إلى أحسن السُبل بوعدٍ قطعه رب العالمين على نفسه حين قال: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (69) سورة العنكبوت.

اللهم اهدِ لنا أبناءنا وارزقهم الإرادة على مجاهدة أنفسهم ليكونوا أفضل من آبائهم في خدمة أنفسهم وأهليهم وأوطانهم وأمتهم.

بقلم:د. محمد أبوبكر حميد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى