الأربعاء , يناير 20 2021

بلقزيز يهاجم “ما بعد الحداثيين” في العالم العربي ويعتبرهم “سلفيين”

 

انتقد المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز من يلقبون أنفسهم بـ”ما بعد الحداثيين” في العالم العربي، لاعتبار “التضخم المهول” لديهم في استخدام مفاهيم ما بعد الحداثة في الفكر العربي، معتبرا أن هذا التضخم هو نتاج لـ”الثمرة السيئة للنظام التعليمي في العقود الأخيرة بالمجتمعات العربية”، وواصفا إياهم بأنهم “سلفيون أوفياء لسلفهم الصالح”، وأنهم “يعيدون كل ما هو منتج، فليسوا مُنتجين بل مقلدين”.

وتابع بلقزيز، خلال ندوة “الحداثة وما بعد الحداثة: تأملات نقدية”، نظمت أمس بمقر أكاديمية المملكة المغربية، بأنه “من المشروع أن يهتم المرء بمشاريع ما بعد الحداثة، لكن كيف لمن لم يقرأ تاريخا ممتدا ويقفز إلى نهاية العنقود؟؟”، مضيفا أن من هاجمهم “انفصلوا عن التاريخ وقفزوا نحو أنماط فكرية وفلسفية حديثة، وتركوا بياضات مهولة في الذاكرة لدى جيل، فلعبوا دورا في تجهيله باسم العلم”.

إلى ذلك، توقف الروائي المغربي والأمين العام للمنتدى المغربي العربي في الرباط عند مفهوم الحداثة التي قال إنها ليست واحدة، باعتبارها حركة متغايرة بل تحيل إلى “حداثات”، أي إنها “ليست نموذجا قابلا للاستنساخ، بل ثمرة لتطور تاريخي على مستويات السياسة والفن والثقافة وغيرها”، مشيرا إلى أن الظاهرة التي تصنعها الخبرة التاريخية “غير قابلة للاستنساخ داخل المجتمعات”.

وباعتبار الحداثة أوروبية المنشأ، وولدت في رحم جغرافيا سياسية واقتصادية اسمها أوروبا، استطرد بلقزيز قائلا: “منشؤها الأوروبي ليس علة للقول إنها أوروبية أو غربية محضة .. بل الحداثة نزاعة بطبيعتها للانتشار، فزحفت خارج الفضاء الأوروبي فأصبح لها أفق كوني”.

وأشار المتحدث ذاته إلى أن الشعوب التي اصطدمت بالحداثة فعلت ذلك إما كـ”اصطدام المغلوب الذي يواجه الغالب أو اصطداما إيجابيا بأن توطنت لديها عبر التوسل بالأدوات التي صنعتها ووجود قابلية ذاتية عند تلك الشعوب”، مضيفا أن ذلك الزحف الحداثي دفع الحداثة إلى الخروج من مهدها الأوروبي ليستوعبها كثيرون من شعوب وأمم وثقافات.

هذا الاستيطان الحداثي خارج الفضاء الأوروبي أدى، حسب بلقزيز، إلى نشوء عقدة النظرة التنميطية تجاه المركزية الأوروبية للحداثة، التي قال إنها بدأت من الحرب العالمية الثانية ومع اليابان تحديدا “التي صنعت نهضتها العظيمة في عقدين إلى ربع قرن حتى صارت ثاني قوة في العالم”، فيما أقرّ بأن تلك المركزية الأوروبية للحداثة “لم تكن لتعترف لآسيا بأنها صنعت حداثتها، لأن الغرب في نهاية المطاف حضارة وليس جغرافيا”.

وأوضح بلقزيز أنه جرى التحايل على أن اليابان جزء من الغرب، مضيفا: “أهون للمركزية الأوروبية أن تعترف بأن الحداثة ولدت في أوروبا وأمريكا وليس في فضاء آخر”، فيما أكد أن الحرج الأوروبي ازداد مع انتشار الحداثة في فضاءات جغرافية أخرى مثل الهند والصين وروسيا وكوريا والبرازيل وغيرها من بلدان العالم.

إزاء ذلك، يرى المفكر المغربي ضرورة النقد اللاذع لاختزال الحداثة في الغرب وحده، “لأن الحداثة كونية وأصبحت ذات أبعاد كونية وينبغي فك الارتباط بينها وبين موطنها الجغرافي”، قبل أن ينتقل إلى توطين تلك الحداثة قائلا: “الأمم الكبرى أبدعت حداثتها، ولم تتم استعارة اللغات لذلك، بل بنتها داخل مدرسة ولغة وكفاءة وطنية”.

تعدد الحداثات، بحسب بلقزيز، لا يعني استنساخ النموذج الغربي، “تعدد نماذج الحداثة ليس حاصلا في أنها متعددة وليست غربية فقط، بل التعدد يوجد في قلب الحداثة الأوروبية”، محيلا في هذا السياق إلى ثلاثة أمثلة وصفها بأنها “جواهر الحداثة”، مختزلا إياها في “الحداثة الفكرية والعلمانية والديمقراطية”، ليتوقف عند هذه الأخيرة بالقول: “إن تمثلاتها متعددة، فهناك أنظمة توافقية وملكية برلمانية..وهناك أنظمة تتقاسم السلطة بين الجهاز التنفيذي والبرلمان..وهناك نظام مبني على فكرة المواطنة”.

أما عن العلمانية، فقال بلقزيز إن “هناك علمانية متطرفة تقصي الدين ليس فقط من المجال العام بل من كل ما هو اجتماعي وسياسي، على نمط العلمانية اليعقوبية الفرنسية والبلشفية الروسية والكمالية في تركيا”، موضحا كمثال أن فرنسا تمنع منعا قطعيا تدريس الدين في القطاعات الخاصة والعامة، مضيفا: “هناك أيضا علمانية متوازنة في أمريكا وألمانيا وبريطانيا.. وهناك علمانيات تقصي الرمز الديني حتى لدى السلطة الحاكمة”.

كما توقف المفكر المغربي عند ما وصفها بـ”الأزمات والعاصفة” التي ضربت الفكر الأوروبي منذ منتصف القرن 19، والتي تفاقمت في القرن الـ20 بعد الحربين العالميتين، مضيفا: “نشأت مدارس تعرضت للتراث الحداثي بالنقد وظهرت موجة فكرية في الغرب سميت بما بعد الحداثة”، مشيرا إلى أنها كانت “لحظة تاريخية طبيعية في سياق مجتمعات أنجزت حداثتها..لكنها اكتشفت أنها تعيش أعطابا لا بد من إعادة النظر فيها”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: