الثلاثاء , يناير 19 2021

رياض حسن محرم يكتب …..ذكرياتى مع الراحلة العظيمة شاهندة مقلد

 

كانت أول مرّة ألتقيها عام 1968 على “ما أذكر” حيث أخبرنى محفوظ أبو كيلة عن الذكرى السنوية للشهيد صلاح حسين فى كمشيش، سافرت قبلها بيوم الى قريتى “قريبة من كمشيش” وفى اليوم التالى ذهبت مساءا الى كمشيش قبل الذكرى بيوم حسب الموعد، تم توزيع القادمين على بيوت الفلاحين وبعض المبانى الحكومية، صباح يوم الإحتفال إجتمعنا فى منزل شاهندة لمناقشة المشكلة الزراعية وقضايا الفلاحين وإستمر اللقاء حتى الظهر، عصرا جمعتنا مسيرة الى المقابر تخللها هتافات ثورية، رددنا الهتاف وراء شاهندة وطلبُت من أحد الرفاق أن يحملنى لأهتفت “صلاح مماتش..الثورة لسه مبتدتش”، جذبتنى بلطف وقالت لى ليس هذا مجال تلك الهتافات، بعد المسيرة بدأ المؤتمر السنوى للذكرى وكانت المرة الأولى التى أشاهد فيها كل هذا الكم من المبدعين من شعراء وفنانين وأدباء كنت قد سمعت عنهم فقط، الأبنودى وسيد حجاب ونجم والشيخ إمام وعشرات غيرهم، بعدها عدت الى الأسكندرية منتشيا حريصا على حضور ذلك المشهد سنويا.

فى صيف 1971 كان قرار رئيس الوزراء “ممدوح سالم” بإبعاد مجموعة من القيادات الفلاحية من كمشيش خارج محافظة المنوفية لأجل غير محدد، معظمهم لجأ الى شاهندة بالأسكندرية حيث إستأجرت لهم شقة قريبة من مقر إقامتها بشارع طيبة بالإبراهيمية، كنت حينها أعمل أثناء العطلة الصيفية بشركة مقاولات بحى القبارى، أثناء ركوبى الأتوبيس عائدا شاهدت فلاح شاب ينظر إلىّ بعمق وبعد تردد قصير إتجه الى ذاكرا أنه رآنى سابقا، تعرفنا فعلمت أن إسمه “عبد المجيد الخولى” وأنه من ضمن الفلاحين المبعدين من كمشيش ولم أكن أعلم بالأمر، إصطحبنى الى شقة شاهندة حيث إلتقتنى بحرارة فلاحة مصرية أصيلة، قضيت عندها عدة ساعات بعدها كانت زيارتى اليهم يوميا، أخبرتنى أنها تريد الإعلان بأوسع صورة ممكنة عما حدث ويحدث فى كمشيش، وطلبت منى أن أقوم بمصاحبة المبعدين للعمل على توعيتهم وتعليم من لا يعرف منهم القراءة والكتابة، كان أكبرهم المناضل رفيق صلاح حسين “أحمد رجب” ومجموعة من الشباب من بينهم عبد المجيد الخولى وعلى عزام وعاشور وآخرين، قضيت معهم وقتا طويلا معظمه كان قراءة فى الإشتراكية وقصص مكسيم جوركى وأشعار نجيب سرور، حاولت بإمكانياتى المتواضعة أن أنشر خبر الإبعاد بكافة السبل ومن بينها مجلات الحائط بالكلية، فى تلك السنوات كان حضور الذكرى يعد مغامرة كبرى، أذكر أن سافرت مع ناجى وبعد أن نزلنا من القطار أحاط بى مجموعة من شباب القرية لإخفائى بينهم من أعين المخبرين حتى أصل كمشيش، ومرّة أخرى سافرنا بسيارة ” رضا الزهيرى” أمين اللجنة الثقافية بإتحاد الطلاب ومعنا طالبين آخرين هما توفيق توفيق ” الذى إنضم لاحقا بالإخوان” ومحمد البحيرى وفى طنطا إلتقينا بشاهندة وبعض الفلاحين المبعدين المحظور عليهم دخول القرية ثم توجهنا الى كمشيش وفى الطريق كانت أكمنة الداخلية يسألون العابرين عن وجهة نظرهم ويدققون فى بطاقاتهم الشخصية فكنت أخبرهم أننى ذاهب الى قريتى “المثبته بالبطاقة” ومعى أصدقاء، وفى المنعطف الأخير الى كمشيش لم يكن هناك بد فأخبرتهم أننا ذاهبون لزيارة أصدقاء لنا هناك فتم القبض علينا وإصطحابنا الى نقطة الشرطة وظللنا هناك لعدة ساعات ثم أوصلونا لأول الطريق خارج القرية محذرين من أى محاولة أخرى.

بعد فترة قصيرة إعتبرتنى شاهندة أحد أفراد الأسرة كان معها ثلاث أطفال أكبرهم ناجى فى بداية المرحلة الإعدادية ووسيم فى الإبتدائى وبسمة ذات السنين الست وسيدة عجوز هى “أمه راقية” التى ربّت شاهندة منذ ان كانت طفلة فى بيت والدها ، وكانت شاهندة مشغولة طول الوقت بمشاكل الفلاحين فاعتبرتنى نسبيا مسؤولا عن أسرتها، بعد سنوات حين كانت بسمة فى السادسة الإبتدائية “القبول” حاولت أمها مساعدتها لإجتياز تلك المرحلة فرتبت أن تمتحن فى المنصورة لدى أحد أصدقاء صلاح القدامى وأرسلتنى معها بصحبة ناجى لمصاحبتها أثناء الإمتحان.

فى بداية السبعينات لم تكن التنظيمات اليسارية قد تبلورت أو أعلنت عن وجودها بعد، وفى الأسكندرية إلتقى أربع أفراد حول هدف نبيل وطوباوى فى نفس الوقت وهو توحيد قوى اليسار، هم ” ممدوح أبوكيلة “الشقيق الأصغر لمحفوظ” ويوسف خطاب وسهير عبد الظاهر وأنا ” ولم نكن حينها نعرف الاّ ثلاث تجمعات يسارية أولها مجموعة دسوق أو كما كان يحل وللبعض أن يسميهم ب” النويجزم” نسبة الى أستاذهم ومنظرهم الدكتور على نويجى، والثانية هى مجموعة كمشيش والأخيرة كما كنا نسميها مجموعة باكوس، قررنا أن نجرى حوارا مع كل مجموعة على حدة للتقريب بينهم، بدأنا بمجموعة كمشيش حيث إقترحت شاهندة أن نلتقى فى منزل أحد القادة الكمشيشيين وهو “عبد الفتاح أبو لبن” بالورديان، بعدها كلفتنى المجموعة بالتوجه الى دسوق للقاء الدكتور على نويجى وفشلنا فى لقاء مجموعة باكوس، وإنتهت الفكرة عند هذا الحد.

توثقت كثيرا علاقتى بشاهندة وتكون بيننا مجموعة من الصداقة الإنسانية الحميمية جمعت بينى وشاهندة والمهندس محمد بيومى ويوسف خطاب وعبد الصبور منير وبعد رحيله زوجته هدى، أذكر فى تلك الأعوام أننى تعرفت بمعظم رموز اليسار فى بيت شاهندة بالأسكندرية وعلى رأسهم الراحلين زكى مراد ونبيل الهلالى، وإستمرت العلاقة بنفس القوة الى أن إنتقلت للإقامة فى القاهرة فى منتصف السبعينات فأصبح التواصل بالنسبة لى صعبا ولكن علاقتنا إستمرت وإستمر اللقاء السنوى فى ذكرى صلاح حسين بكمشيش.

وداعا شاهندة.

 
 
 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: