الجمعة , يناير 15 2021

_ هذا الدرج رطب و بارد ……نص أدبي للكاتبه أمينة الصنهاجي

 

_ اعتدت الجلوس إلى المراكب الطافية على الرصيف ـ أحب ذلك .. أو ربما لا أحبه ، لكن الموانئ تشي بالســفر و الفقد و التجدد و توحي أيضا بالتيه واللاأهمية .. انظري للمراكب إنها تتحرك بلا توقف و بلا غاية ، و الماء تحتها في حركة دائبة ، حتى النوارس لا تكف عن الزعيق ، لا أدري لماذا يجدها الشعراء و الرسامون رومانسية ، ألا ترين كم هي حمقاء ؟ .. أليست كذلك ؟
_ شارل .. . دع النوارس في حالها ، و أخبرني : ما هو وهمك الذي تعيش به ؟ 
_ وهمي ؟؟ ههههههه هي أوهام تتوالى على مقعد الأمنيات ، كلما خاب وهم ترك مكانه لغيره .
_ أنت تقول : 
لكل واحد وهمه
.
.
.
تحت سماء رحبة رمادية، في سهل واسع مترب، بلا طرق ، بلا عشب ، بلا حتى شوك، بلا حتى قراص. التقيت بجمع من الأشخاص يمشون منحنين.
كل واحد منهم يحمل على ظهره وهما كبيرا؛ ثقيلا كثقل كيس طحين، أو كيس فحم ؛ أوعتاد جندي روماني.
لــكن المسخ المتوحش لم يكن ثقلا جامدا؛ بالعكس كان يطوق مخضعا الرجل بعضلاته المتمـددة والقوية؛ يلتصق بمخالبه الواسعة على صدر مطيته؛ ورأسه الاسطوري يعلو جبهة الرجل مثل تلك الخودات التي يأمل المحاربون زيادة خوف العدو بها.
سألت أحد هؤلاء الرجال إلى أين يسيرون هكذا، وأجابني بأنه لايدري عن الأمر شيئا؛ لاهو ولا الآخرون؛ ولكن بكل تأكيد يسيرون إلى مكان ما؛ ماداموا مدفوعين باحتياج لايقاوم للمشي.
شيء غريب للتسجيل:لاأحد من هؤلاء المسافرين يظهر عليه التوتر أو القلق من هذا الوحش المعلق بعنقه والملتصق بظهره؛ كأنه يعتبره جزء منه؛ ولايظهر أي يأس على كل هذه الوجوه المتعبة والجادة.
الأرجل غارقة في تراب أرض جرداء؛ يسيرون بملامح خانعة كالتي للمحكوم عليهم بدوام الأمل.
والموكب مر بقربي؛ وغاص في محيط الأفق؛ حيث يختبئ سطح الكوكب من فضول نظرات الإنسان.
وأثناء لحظات، أصررت بعنــاد على فهم هذا اللغر الغامض، ولكن، وبسرعة تملكني إحساس اللامبالاة القاهر؛ ووجدت نفسي أكثر ثقلا وإرهاقـــا مما كانوا عليه هم أنفسهم بأوهــــامهم الــــــساحقة.
.
و أعرف أنك تضع صورة لترسم المعنى بدقة أكبر ، ..
ألم يكن يكفي أن تقول : هذه الحياة عبث ؟
_ لا .. لم يكن يكفي ، و ليس صحيحا ، الحياة أكثر جدية و صرامة ، من يصفها بالعيث واحد من اثنين : إما غبي أو جبان .
_ لكنها وهم في رأيك .. مادام كل واحد منا يحمل فكرة حياته على ظهره و يمضي بلا غاية .. 
_ اسمعي : أريد أن أراقب هذه المراكب ، فدعيني و شأني .
_ أعترف يا شارل ، هيا اعترف : قل أنك كتبت النص في حالة انتشاء تام هههههه …. فصورة العمال ، و المنجم ، و الارض المحروقة واضحة ، هل تجلت لك الحكمة حينها ؟ و غلفتها بلغة شاعرة ؟ 
_ تعرفين .. لدي نص ” سفر” إنه مناسب للمكان هنا ، و ممتع ، مليء بالصور الصارخة .

_ لا أريد قراءته الآن .. . إني أراقب النوارس .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: