الخميس , يناير 28 2021

د. محمد أبو بكر حميد.. يكتب..كيف نعلم أولادنا الاعتراف بالخطأ؟

 

الصدق يُعلم الشجاعة، وليس في الوجود أشجع من صادق، والصادق هو أقدر الناس على مواجهة نفسه ومواجهته الآخرين. والصادق لا يمكن إلا أن يكون عادلاً، لأن الصدق والعدل صنوان لا يمكن فصلهما؛ لأنك لا تتوقع من ظالم أن يكون صادقاً، ولا تتوقع من كاذب أن يكون عادلاً.

وعندما نُحسن تربية أبنائنا على الصدق، فإننا نزرع فيهم بطرق غير مباشرة خصال الشجاعة والعدل والوفاء؛ لأن الشجاع العادل من أوفى الناس على الإطلاق، وبهذه الخصال الثلاث: الشجاعة والعدل والوفاء تكتمل ملامح المروءة في الإنسان. والمروءة بهذا المعنى من صفات المؤمنين الذين أمرهم رب العالمين من فوق سبع سماوات بالعدل مع النفس ومع أقرب الناس بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} (135) سورة النساء. وأمرهم بالعدل والوفاء حين جعل العدل مرادفاً للصدق في قوله {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (152) سورة الأنعام.

ولو عملنا بما جاء في هذه الآيات في حياتنا، وتعاملنا مع أبنائنا بالصدق الذي يفضي إلى الشجاعة والعدل مع أنفسنا ومع غيرنا، لكنا امتلكنا الجرأة التي تجعلنا نعترف بأخطائنا في حق أنفسنا وفي حق غيرنا من الناس، لو مارسنا الشجاعة الأدبية التي نرثها عن الصدق وبدأنا نقول لأبنائنا وزوجاتنا عندما نخطئ إننا أخطأنا لكنا قادرين على الاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه على مستوى الوظيفة والعمل، وعلى مستوى الشعوب والأمم ولما وجد بيننا أناساً يخافون من الاعتراف بالخطأ ويستكبرون على الاعتذار عنه.

لدينا آباء يستكبرون عن الاعتراف بالخطأ أمام أبنائهم لأنهم يعتقدون أن ذلك لا يليق بهم فيتعلم أولادهم العناد والإصرار على الخطأ ولدينا أزواج يرون أنه ليس من اللائق بكرامة الزوج الاعتراف بالخطأ لزوجته والاعتذار منها، ثم ينتظر منها أن تكون مدرسة لأبنائه تعلمهم الصدق والعدل والفضيلة، ولدينا أناس وصلوا إلى مناصب عليا يستكبرون على الاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه وكأن الذين يعتلون المناصب لا يخطئون فليت هؤلاء يذكرون مقولة عمر بن الخطاب التي أعلنها أمام الملأ: أخطأ عمر وأصابت امرأة..!!

وفي التاريخ شواهد لشخصيات كبيرة وقيادات عظيمة اعترفوا بأخطائهم لشعوبهم واعتذروا عنها فأكبرت فيهم شعوبهم ذلك الصدق وتلك الشجاعة فتسامحت معهم وجددت ثقتها بهم وزاد وزنهم في نظرها. وهذا يصدق على مستوى الأفراد وعامة الناس فلا أعرف إنساناً يعترف بخطئه ويعتذر لمن أخطأ في حقه إلا وكبر في نظر من اعتذر له ونظر الناس وزاد احترامه وزادت محبته، وما رأيت أحداً يستكبر على الحق ولا يعترف بالخطأ ولا يعتذر عنه إلا وينقص قدره عند الإنسان الذي أخطأ في حقه، وحتى لو عادت علاقته به فإنها لا تعود كما كانت في السابق وتستعيد الوزن والاحترام نفسه.

وأسوأ أنواع المخطئين الذين لا يعتذرون، هم هؤلاء الذين يعتقدون أنهم لا يخطئون، وأجبنهم هؤلاء الذين يعرفون أنهم مخطئون ولكنهم لا يعترفون بالخطأ والاعتذار عنه فيحتالون عليه بمراضاة ملتوية لا يعتذرون فيها عن الخطأ ولكن يتجاوزونه، وهذا النوع يعتقد أن الاعتراف بالخطأ للآخرين انتقاص من كرامته أو مقامه، فيؤثر معالجته دون الاعتذار عنه.

وهذه كلها نتيجة أخطاء تربوية منذ الصغر قد يكون سببها شعور بالنقص أو عدم وضوح في المفاهيم أو غرور وكبر أو كلها مجتمعة، ولا يمكن لإنسان لا يعترف بأخطائه أن يصلح من نفسه أو يتطور أو يتعلم؛ لأنه لا يرى إلا ذاته ولا ينظر إلى ما هو أبعد من نفسه، وهذا النوع يخسر الدنيا لأنه لا يستطيع كسب مودة الناس ومحبتهم ويخسر الآخرة لأنه لا يدخل الجنة من في قلبه ذرة من كبر كما حدّث رسولنا صلى الله عليه وسلم.

فلنعلم أولادنا الصدق ليكسبوا منه الشجاعة والعدل والوفاء، ولينشئوا مجتمعاً مؤهلاً لقيادة الإنسانية نحو إشراقة جديدة لحضارتنا إن كنا حقاً خير أمة أخرجت للناس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: