الأحد , يناير 17 2021

منصور البنهاوي يكتب …..على هامش السرد في النص الأدبي

 

المقاربات النقدية التي تستهدف محددات النص الأدبي وتقف صداه متعددة تعدداً لا متناهٍ كتعدد طرائق قراءة وتحليل النص وآليات التأويل وما ينتظر هذا النص في المستقبل لدى المتلقي ، كما تتعدد المناهج النقدية التي تتعامل مع النص الأدبي فهناك المنهج الفلسفي والتفكيكي والأسطوري وهناك المنهج البنيوي ” البنيوية ” ، فهو بالفعل تاريخٌ طويل ممتد من التحولات التي عرفتها النصوص الأدبية بصفة عامة والشعر بصفة خاصة ، وكان هذا الامتداد على مر التاريخ الأدبي على المستوى العربي كما كان على المستوى الغربي ؛ فقد شهد الأدب على اختلاف أنواعه ومستوياته اختلافا امتد عبر تاريخ هذا الأدب ، ومازال الاختلاف مطروحا وموصولا لأنه سنة إلهية كونية .
وقد اتخذت نظرية الأدب مسلكها لصياغة هذا التحول على مر التاريخ وتدارك هذا الكم الهائل من المناهج ، محاولة بذلك فك طلاسم تلك النصوص غير مكتفية بالشكل وحده ، بل الولوج إلى المعنى الداخلي لهذه النصوص وما يقبع خلف هذا الشكل من مقاصد نصية فنية من خلال تفكيك هذه البنية الكلية لمجمل النص والربط بين آلياته المستخدمة فيه ؛ لمحاولة الخروج بشيء من ذلك البناء ، وهذا يجعل آلية السرد وإجراءات التحليل وآليات التأويل المتعددة ومستقبل التلقي في أفق مفتوح ممتد غير قابل لحسم التأويل فيه .
ففي ظل هذا الفضاء المتسع من التأويلات والتحليلات المتغايرة وتعدد المناهج في التعامل مع النصوص الأدبية المختلفة واختلاف طريقة وأسلوب السرد نفسه لدى الأدباء والمبدعين ، تتحدد عدة منطلقات ورؤى تتمثل في عدة تساؤلات هي :
ما السرد ؟!! ، وهل له علاقة بأدبية النص الشعري ؟ ، وإذا كان له علاقة بأدبية النص فما هي الإجراءات التي يتبعها المبدع لاستجلاء هذه الأدبية وطلاوتها على نصه ؟ ، وهل السرد موضوع أدبي ؟ أم أنه صيغة أو نظام يتبع في النص الأدبي دون تصنيفه ضمن موضوعات الأدب ؟.
وتأتي الإجابة على ” ما السرد ؟ ” ، فبالوقوف على على مادة ( س ر د ) في المعجم واستخدام العربية لها ربما يكشف لنا عن أبعاد خاصة لمصطلح السرد في القرآن الكريم والحديث الشريف أيضا .
فيقول ابن منظور في ” لسان العرب ” في مادة ( س ر د )يقول : ” السرد في اللغة هو تقدمة شيء إلى شيء تأتي به متسقا بعضه في اثر بعض متتابعا . سرد الحديث ونحو يسرده سردا إذا تابعه ، وفلان يسرد الحديث سردا إذا كان جيد السياق …. والسرد : المتتابع . وسرد فلان الصوم إذا والاه وتابعه ، ومنه الحديث : كان يسرد الصوم سردا ، والسرد : الخرز في الأديم بعضها في بعض ” ، وعلى هذا فالتعريفات المعجمية لمادة ” سرد ” تعرض السرد بوصفه مرادفا للانتظام والتتابع وجودة السياق صوغا .
كما يؤكد القرآن الكريم هذا المعنى حينما استخدم مردة ” السرد “في قوله عز وجل في سورة سبأ مخاطبا لسيدنا داوود عليه السلام : ” أن اعمل سابغات وقدر في السرد ” – الآية 11- ، ومما يلفت انتباهنا في هذه الآية ليس ورود كلمة ” سرد ” فيها فحسب والتي تأتي هنا بمعنى ” نسج الدروع ” ، وإنما اللافت أكثر هو ورود الفعل ” قدر ” قبلها وهو ما يعني التتابع والنسج أيضا ؛ فالتقدير وظيفته الموازنة والإحكام ، والذي يتناسب تماما مع فكرة نسج الدرع وما تتطلبه من إحكام حتى تحقق الوظيفة المطلوبة من هذا الدرع ، وما تحويه من تتابع وتسلسل .
أما في الحديث الشريف فإن أبا داوود يورد في سننه حديثا ، أن السيدة عائشة رضى الله عنها تقول : ” لم يكن ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يسرد الحديث مثل سردكم ” ، وهذا الحديث أورده أيضا أبو يعلى الموصلي في مسنده : ” حدثنا محمد بن عبد الرحمن ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، أخبرنا يونس بن يزيد ، عن الزهري ، أخبرني عروة بن الزبير ، قال : جلس رجل بفناء حجرة عائشة ، فجعل يتحدث ، قال : فقالت عائشة : لولا أني كنت أسبح لقلت له ” ما كان رسول الله يسرد الحديث كسردكم ، إنما كان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلا ، تفهمه القلوب ” ، وهذا ما نفهم منه معنى الإحكام والفصل بين الجمل والكلمات أيضا حتى يفهم الحديث والمقصد .
ونجد ” جيرار جينت ” ينظر إلى السرد في كتابيه ” خطاب الحكاية ” ، ترجمة محمد معتصم وعبد الجليل الأزدي وعمر حلي – و ” عودة إلى خطاب الحكاية ” ترجمة محمد معتصم ، نجده ينظر إلى السرد من خلال معان ثلاثة هي :
أ- السرد هو حكاية ، وهو المعنى البديهي الذي يدل على المنطوق السردي الذي يتولى إخبارنا بما حدث أو بسلسلة من الأحداث .
ب – السرد من حيث هو مضمون أو محتوى حكاية ما ، وهذا يرتبط بالتحليل النقدي للنصوص .
ج – السرد من حيث هو فعل ، حيث يدل على الحدث من خلال شخص يروي لنا الأحداث فنكون أمام ” فعل السرد ” الذي يرويه السارد في النص المسرود لنا . وهكذا تتعدد التصورات المحددة لمفهوم السرد ، وتختلف تعريفاته .
أما عن ” هل للسرد علاقة بأدبية النص الشعري ؟ ” ، فإذا نظرنا إلى تحليل النص الأدبي سرديا ، فنجد أنه يضبط الخطاب الأدبي ويحدد قواعده ، كما تكمن أهمية التحليل السردي للنص الأدبي من خلال كون هذا التحليل السردي دراسة محكمة فإن هذا وفق قواعد وإجراءات تحاول استكشاف واستشفاف هذه الأسس التي تقوم عليها وتنتظم حولها أدبية النص وتحدد الطرق التي يجب أن تتبع عند قراءة هذا النص وتلقيه ، كما يرى الدكتور/ عبد الله إبراهيم ، في كتابه ( المتخيل السردي ) ، ” إلى وضع قواعد شاملة للتشكلات الداخلية للأدب ، بأجناسه وأنواعه المختلفة ، وهو يعنى بوضع ضوابط لدراسة الخطاب السردي بما يشتمل عليه ذلك الخطاب من ( سارد ومسرود ومسرود إليه ) ، وصولا إلى كشف نظمه الداخلية ” ، بل إنه يرى أيضا في نفس الكتاب ” أن منهجية التحليل السردي ستتقوض ( الانطباعات النقدية ) و ( المقاربات غير المنظمة ) التي لا تهدف إلا لمضاعفة الاتكال على الخطاب ” .
وهنا يتبين لنا أن السرد وفق منهجيته هذه من خلال التعامل مع النصوص الأدبية تعد جزءا رئيسيا من الشعرية الأدبية .

فثمة علاقة بين السرد ( الانتظام الداخلي للنص الأدبي ) و شعرية هذا النص ، تظهر وتتكشف لنا من خلال التعامل مع النص الأدبي من خلال نظامه المعماري ( بناء النص ) وطرائق بناءه ، بل إن شاعرية هذا النص تكمن في الانتظام داخل النص الأدبي في سرده وعرضه . وإننا بهذا الانتظام السردي للنص وتحليله من هذا المنظور فإننا نعيد استقراء روابط النظام السردي داخل النص عبر حكايته وعناصره التي يحققها النص صياغيا ، ونستكنه دور هذه العناصر على مستوى السرد للنص في تحقيق أدبية وشعرية هذا النص .
ونقصد بأدبية النص هنا هي جوهر ولب فكرة الأدب ، وكما يرى تزفتان تودوروف في كتابه ( الشعرية ) ، ترجمة : رجاء بن سلامة وشكري المبخوت ، يرى أن الأدبية تكمن في الاختلاف الذي يحققه النص الأدبي من حيث هو نظام ، فيقول : ” ليس الأدب نظاما رمزيا ( أوليا ” ) ، وإنما هو نظام ” ثانوي ” .
فتودوروف هنا يستخدم نظاما مستعملا من قبل وهو اللغة ، ولكن ثمة اختلاف بين النظام اللغوي والنظام الأدبي ، وهو ما يصعب حصره واطراده في كل وجوه الأدب ، فأدنى مراتب الأدب النمط الكتابي الغنائي إن عد أدبا وما أراه كذلك ، وأقصى مراتب الأدب ما يوجد في النصوص التخييلية أو ما يشبه الأسطورة أو الشخصية السحرية .
ويتضح لنا أن لغة السرد الأدبي نفسها تختلف شعرا كان أو نثرا ، حيث يرى الدكتور أحمد درويش الدكتور بقسم النقد والبلاغة بكلية دار العلوم جامعة القاهرة في كتابه ” الاستشراق الفرنسي والأدب العربي ” ، في المبحث الثالث من هذا الكتاب وهو ترجمة لأندريه ميكيل ” Par M . Andre Miquel ” بعنوان ” La Litterature Arabe Lecon Inaugurale ” ( نظرة شاملة للأدب العربي ) ، يقول : ” إذا أخذنا في الاعتبار المشكلات الأربع التي يطرحها الأدب العربي ، وأعني بها مهام الكتابة ، والأدوار والأهداف المتعلقة بكل من الشعر والنثر ، والعلاقات التي تربطهما باللغة وبالمجتمع ….. ” .
كما يقول في موضع آخر في نفس الكتاب ونفس المبحث مؤكدا أن نوعية السرد تختلف من نص لآخر ، وكما تختلف الدراسات والمناهج نفسها التي تدرس النصوص وأن هذا الاختلاف والتنوع هو ثراء للنصوص واللغة ، فيقول : ” وبعيدا عن أنه توجد مؤلفات أسلوبية مرموقة ، وأخرى عادية فإن تقاليد ” البلاغة ” تقول أن كل نص ، نثريا كان أو شعريا ، ينبغي أن يخضع لقوانين أسلوبية معينة ، وأن يحكم على مستواه تبعا لتحقيق أفضل قدر منها ، أو لتحقيق قدر أقل ، أو لعدم تحقيق شيء على الاطلاق ، ودون شك فإن الكتاب أنفسهم تدرجوا على سلم الفصاحة من الكتابة باللغة اليومية التي تكاد أن تستبعد تماما ، ووصولا إلى المقال الشعري النبيل ، وأخيرا إلى درجة عليا – لا يمكن بلوغها وهي الكلام القرآني ….. ” .
فهنا يتضح لنا أهمية ودور اللغة وطريقة السرد وما تصبغ به أدبية النص ، من خلال هذا التباين والتدرج في السرد . فقد شكل الشعر الحديث ومن بعده قصيدة الحداثة وهما يشكلان نوعا من أنواع السرد ، قد شكلا تغييرا في طرق التلقي لدى القارىء العادي بل ولدى الناقد المتخصص نفسه ، وإننا نجد هذا التغيير لم يقتصر على الرؤى المغايرة للنصوص الشعرية وطبيعتها فحسب ، بل امتد هذا التغيير إلى مختلف النصوص بمختلف أنواعها الأدبية بل وإلى الأعمال الإبداعية بأكملها ، فأصبحنا نتكلم عن شعرية الرواية أو الرواية الشعرية ، وكذا شعرية اللوحة أو الصورة ، وكذلك المونتاج السينمائي الشعري ، بالإضافة إلى أننا صرنا ندرس صورة بطل القصيدة ، كما ندرس جملة الحوار في النص مفردة على حدها من جهة ومع الجمل الأخرى داخل النص من جهة أخرى ، ومدى تضافر هذه الجمل وتناغمها وترابطها على مستوى النص ورسم اللوحة الكلية له وتكوين فكرته ، وكل هذه وغيرها من الموضوعات والمقاربات النقدية والإجراءات التحليلية التي تستهدف تحليل النصوص الأدبية والأعمال الفنية ، من خلال المزج بين مناهج التحليل ومبادلة الإجراءات ، كما بادلت القصيدة الحديثة بين الأجناس الأدبية القديمة وفنيتها وبعضها البعض .
وإذا عرجنا على تصنيف أرسطو للأدب وهو ليس موضوعنا هنا ، ولكن هذا نظرا للعلاقة بين طبيعة السرد ونوعية الأدب ، فنجد أن أرسطو عندما صنف الأدب تصنيفا نوعيا – على حسب النوع – وميز بين أجناس الأدب في كتابه ” فن الشعر ” هكذا ( الأدب الدرامي والأدب السردي والأدب الغنائي ) ، وذلك بناء على ثلاثة أنواع للأدب داخل الشعر هي ( الشعر الغنائي ” الفخر ” ، والشعر القصصي ” الملحمة ” ، والمأساة والملهاة ” الدراما ” ) ، وهذا التصنيف كان ممهدا وفاتحة طريق لنظرية الأب .
وبهذا يتبين لنا أن دراسة النص الأدبي من خلال مناهج نقدية متعددة لا تعني دراسة نص مبتدع له خصوصيته وصفته الخلقية . بل إن الشاعر الكبير في مثل هذه الدراسية وفق هذه المناهج المتعددة نجده لا يضيف شيئا كبيرا إلى مدرسته الشعرية التي ينتمي إليها وتراثها الإبداعي فضلا عن الشعراء وشعرهم على مستوى العالم من حوله . وهذا ما ردده دكتور ” شكري عياد ” في كتابه ” قراءة أسلوبية في شعر حافظ ” ، يقول : ” من أن أسلوب أي قصيدة مؤلف من جملة أنماط ، أو مصطلحات ، كما يمكننا أن نقول وبنفس القدر من الصدق إنه مؤلف من جملة انحرافات ” .
فالنص لا يعبر عن شخصية مبدعه ولا فكره وأسلوب سرده إلا من خلال تضافر هذا النص مع مجموعة نصوص أخرى لهذا المبدع ، فهذا التضافر والتداخل يطلي على السرد طابعا خاصا ويوجه القارىء نحو ما يريد هذا المبدع ، وهذا ما نراه من قول الدكتور ” السيد فضل ” في كتابه ” لغة الخطاب وحوار النصوص ” ، يقول : ” إن اصطناع قوالب الصياغة مثلا ودخول النص مع نصوص غائبة تؤدي بالقارىء دائما إلى التفكير في النص باعتباره أدبا ، على أساس أن التفكير في النص باعتباره عملا غير أدبي يفقد هذا النص قدرته على إمتاع القارىء …… ” .
وهكذا يظهر دور السرد وطريقة وأسلوب المبدع للنص الأدبي من خلال قواعد وضوابط يتبعها لإثارة القارىء واستمالته ، وإن كان حصر قواعد السرد هذه وضوابطه غير ممكن ،

فتظل الطريق ممهدة أمام المناهج المستهدفة للنص وشأنه بالتأويل والتحليل كل على حسب وجهته ، وهذا كله في مصلحة القارىء ؛ لأنه يثير فكره ويطرح أمامه عدة تأويلات وحينئذ يكون القارىء على أفق أوسع ونطاق أشمل لدراسة ووعي النص وفهمه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: