الأربعاء , يناير 20 2021

مصطفي السعيد يكتب ……معركة الفلوجة .. نهاية داعش وعراق جديد

 

دخول الجيش العراقي إلى الفلوجة يحمل الكثير من الدلالات، وسيكون له تداعيات واسعة، تتجاوز العراق إلى المنطقة بأكملها، فالفلوجة ليست كباقي المدن التي احتلها داعش، فهي النواة الصلبة لتنظيم داعش، ومهد دعوته، ورمز قوته، وبها أكبر خزان بشري مؤيد للتنظيم، وسيطر “داعش” على الفلوجة قبل نحو عام من قفزته الكبرى على ما يقرب من نصف العراق.
لن تمر سوى أيام قليلة إلا ويكون الجيش العراقي قد بدأ في تنظيف الفلوجة من الألغام وبعض الجيوب الصغيرة لمقاتلي داعش اليائسين، وترتفع أعلام الجيش العراقي على ما تبقى من مباني المدينة، وتختفي الرايات السود وشعارات الدولة الاسلامية في العراق والشام، التي منيت بأكبر انتكاسة عسكرية ومعنوية في العراق، وهو ما سينعكس على المعركتين الأخيرتين والحاسمتين في الموصل العراقية والرقة السورية، لتنتهي دولة داعش، وستبقى بعض فلوله الغاضبة، المتوقع أن تحاول شن أوسع عمليات انتحارية انتقامية، تتجاوز حدود العراق وسوريا، وتمتد إلى باقي دول المنطقة وأوروبا وأفريقيا وحتى أمريكا التي هددها الدواعش بالانتقام.
أهم ما ميز معركة الفلوجة أنها أول معركة تحظى بتاييد من جميع أطياف العراقيين، وفي مقدمتهم علماء الوقف السني وزعماء العشائر السنية، الذين قاتلوا جنبا إلى جنب مع الحشد الشعبي ذو الأغلبية الشيعية، ولهذا لم ترتفع أصوات الاحتجاج أو المبالغة في الخوف على المدنيين في الفلوجة، واقتصرت على عدد محدود من الأصوات السنية التي بدت واهنة وخجولة، وهو مؤشر على أن الحاضنة الشعبية للدواعش قد تقلصت كثيرا، وأن قنوات من التواصل قد قربت بين القيادات العراقية، وظهرت بوادر توحد وطني غير مسبوق.
صحيح أن قطاعا واسعا من السنة كان يشعر بالظلم أو الخوف من التهميش والاقصاء في ظل حكم الأغلبية الشيعية، ويعزز هذا الشعور أن السنة كانوا عماد نظام الرئيس الأسبق صدام حسين، واستمر هذا الوضع في ظل العزوف الشيعي الطويل عن العمل السياسي، وإن كان قد قلص من الشعور به أن نظام البعث له أفكاره القومية العلمانية، التي سعت للقفز على الاختلافات المذهبية، وإن كانت الفترة الأخيرة من حكم صدام قد شهدت ميلا لرفع الشعارات الاسلامية، واستنفار المشاعر الدينية.
كانت الولايات المتحدة تحاول عرقلة دخول الجيش العراقي إلى الفلوجة لأطول وقت ممكن، فليس لديها من يمكن أن ينافس الجيش العراقي والحشد الشعبي في الإمساك بالأرض التي ينسحب منها داعش، وفشل في اقناع الحكومة العراقية والقوى السياسية والدينية في تشكيل جيش شبه مستقل للسنة، تحت اسم الحرس الوطني، وهو الهدف الذي سعت أمريكا إلى تنفيذه بكل السبل دون أي نجاح، وهو ما دفعها للاكتفاء بدعم الأكراد، الذين يمكنهم توسيع نطاق سيطرتهم على المناطق الشمالية في الموصل وكركوك، لكن قدرات البشمركة الكردية لا تكفي لتكون قادرة على ملء فراغ داعش إلا في مساحة محدودة.
الجيش العراقي أصبح أكثر قوة وخبرة وانسجاما عن السنوات السابقة، واضطرت أمريكا إلى تسليمه جزء كبيرمن الأسلحة بعد مماطلة طويلة، عندما بدأ العراقيون الاعتماد على روسيا، ليكون لدى الجيش العراقي نحو مليون مقاتل، واسلحة متطورة من أمريكا وروسيا، ويؤازره الحشد الشعبي الذي تدرب وتسلح على أيدي خبراء إيرانيين، وإذا ما تمكن العراق من علاج الشروخ المذهبية والسياسية، فإنه سوف يتعافى بأسرع من كل التوقعات، ومعركة الفلوجة نموذج لهذا التوحد بين الأطياف العراقية، لكنها بحاجة إلى جهد كبير لتتجاوز الاستقطابات الأقليمية الحادة، أو أن تكون قادرة على تجنبها، وتتمكن من إعادة بناء العراق، ويستعيد مكانته ويكون قوة إقليمية مؤثرة.

 
 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: