الجمعة , أبريل 16 2021

ذاكرة قلم بلا حبر ….نص أدبي للكاتبه مجيده البالي

احس بالمؤامرة و انا استعيد اول لقطة بالشريط . كيف للذاكرة ان تتواطأ مع الوقت ضدي ؟ لا اريد للتفاصيل الصغيرة ان تضيع ، و في نفس الوقت لا أريدها ان تتعب لتتمسك بحيثيات الصور . 

أريدها قاسية بكل العناد كزجاجات العطر الفارغة التي أبدا لا تغير رائحتها مهما استبد بها الفراغ . و اريد للتفاصيل الصغيرة اكبر الحجج لتتحكم بألوان الشريط الطاعن في الغربة و الغرابة …
تعاقبني الصباحات حين لا ادونها بانتظام فتختار الاختباء في الندى الذي يغطي زجاج النافذة و حين تقسو الشمس عليهما أراهما يبكيان في العلن !!! تتساقط الصباحات اولا من جوف الندى نحو الأسفل ثم تجف الاخيرة تاركة على الزجاج ما يشبه الممر… حين اقترب منه يسألني : كنت صباحا فهل تذكرني ؟؟؟
تعاقبني المساءات حين أتجاهلها و انا عاجز عن التدوين فتركب قطارا طويلا يرعبني صفيره ، يوقظ كل الخلايا الميتة داخل الجسد الميت و يمر كسرعة البرق على المحطات التي لا يحرسها احد … و على المحطات التي لا يقف بها احد … تهزمني التفاصيل بالمساءات … تتشظى كما يفعل الزجاج بالزجاج حين تكسر بالمزهرية وجهك الذي لا تعرف بالمراًة فترى صراخك يتناثر حادا حولك لتتساقط معه على الارض و هو يسألك : كنت مساءً فهل تذكرني ؟؟؟
يعاقبني الجنون الذي يعتريني و انا ارفض التدوين ، يعلق متاهاته بالشرفة الوحيدة بالذاكرة و يمضي … يجعلني درويشا يلف حول نفسه ليغادر عالمه السفلي و يتعب جداً ليقبل بعودته لنبيذه المر … يرى كل شيء بالقنينة التي تزدحم به ، يرى وجهه ذو السبع سنوات الذي يرتجف تحت الغطاء خائفا من الغول الذي يأكل الصغار في ظلام الغرفة حين لا يمتتلون لاوامر الكبار و يرى نفسه كانه يصلي لكي لا يتبول عليه الشيطان و يحمل كيس جاره الثقيل كل يوم ليدخل الجنة و يمد يده لعصا “الفقيه ” بالكتاب حتى لا يدخل جهنم … و تكبر ملامحه التي لا تشبهه في شيء ليرى كوابيسه المزعجة تنحت تجاعيد وجهه الاربعيني و هو يصرخ لا إراديا في النوم فيستيقظ السؤال فيه مرعوبا : اين انا ؟ او من أكون ؟ …
اهرب من التدوين لاخون الذاكرة قليلا و افتح لها أبواب النسيان اذا ما استطاعت اليه سبيلا و اوشوش للتفاصيل الصغيرة في إذنها ان لا تحزن …و انها صدر الشريط الغريب الذي ينبض فيه القلب للأبد .
زجاجات العطر الفارغة المرتبة بعناية فوق المنضدة تعرف جيدا معنى التفاصيل ، كلما فتحتها تفاجئك بنفس الرائحة التي تركتها منذ أعوام و استرجعتها للتو و انت تفتح معناك للقنينة مرة اخرى و بلا مناسبة …

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: