الثلاثاء , يوليو 27 2021

رياض حسين محرم يكتب …..حول كتاب “ملّة إبراهيم” لأبى محمد المقدسى

يعد هذا الكتاب مرجعا رئيسا لتنظيمات السلفية الجهادية فى العالم ” ولعله الأبرز” فى أدبياتها وطبع هذا الكتاب لأول مرّة فى باكستان فى 1986 ثم تكررت طبعاته فيما بعد، هذا المكنى بالمقدسى إسمه الأصلى هو “محمد طاهر الحافى” من مواليد نابلس الفلسطينية عام 1959 وعاش طفولته وصباه بالكويت حيث إنتمى هناك الى المدرسة السرورية “التى أسسها محمد بن سرور بعد إنشقاقه عن الإخوان” وما لبث أن إختلف معهم وإقترب من أفكار سيد قطب حول تكفير المجتمع والعزلة الشعورية وإنتمى الى جماعة ” جهيمان العتيبى” لفترة وإفترق عنهم قبل عملية إحتلال الحرم المكى عام 1980 وتردد بعدها عدة مرات على باكستان وأفغانستان فى منتصف الثمانينات منضما الى معسكر عبد الله عزام وإلتحق بمعسكر القاعدة فى خوست وعيّن مسؤولا شرعيا فيه وإقترب كثيرا هناك ببن لادن والظواهرى وعاد بعدها للأردن ليدخل السجن مع الخلايلة ” أبو مصعب الزرقاوى” حيث ربطته به علاقة متينة إستمرت طويلا وإعتبره الزرقاوى مرشده الروحى، وغادر بعدها الى العراق لفترة وجيزة راسل خلالها إبن باز الذى دعاه للإلتحاق به فى السعودية حيث توثقت علاقتهما وتعمّق كثيرا فى الفكر الوهابى.
كتاب “ملّة إبراهيم” يقوم على فكرة بسيطة مفادها إتباع ملة النبى إبراهيم التى تتمثل فى الكفر بالطاغوت والبراءة منه وتشمل أحكام الكفر بالطاغوت تكفير كل من يتبعه أو يقبل الإنضمام لمؤسساته وخاصة المؤسسة العسكرية، يتبدى ذلك فى مقدمة كتابه ” إلى الطواغيت في كل زمان ومكان، إلى الطواغيت حكامًا وأمراء وقياصرة وأكاسرة وفراعنة وملوكًا،إلى سدنتهم وعلمائهم المضلين،إلى أوليائهم وجيوشهم وشرطتهم وأجهزة مخابراتهم وحرسهم، إلى هؤلاء جميعًا، نقول:إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله، براء من قوانينكم ومناهجكم ودساتيركم ومبادئكم النتنة، براء من حكوماتكم ومحاكمكم وشعاراتكم وإعلامكم العفنة،كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده”، والمقدسى يحدد فى الكتاب أن جميع الجيوش العربية والحكام العرب كافرون كفر ملة لأنهم ” لا يظهرون الرضا عن الإسلام أو يهادنونه ويقيمون له المؤتمرات وينشرونه في الكتب والمجلات ويؤسسون له المعاهد والجامعات إلا إذا كان دينًا أعور أعرج مقصوص الجناحين بعيدًا عن واقعهم وعن موالاة المؤمنين والبراءة من أعداء الدين وإظهار العداوة لهم ولمعبوداتهم ومناهجهم الباطلة”، ويرّكز المقدسى على تكفير حكام السعودية تمييزا ” وله كتاب خصصه ضدهم هو ” الكواشف الجلية فى كفر دولة السعودية ” ويقول عنهم فى ملة إبراهيم :”وإننا لنشاهد هذا واضحًا في الدولة المسماة “السعودية”، فإنها تغر الناس بتشجيعها للتوحيد وكتب التوحيد، وحثها للعلماء على محاربة القبور والصوفية وشرك التمائم والتوله والأشجار والأحجار.. وغير ذلك مما لا تخشاه ولا يضرها أو يؤثر في سياساتها الخارجية والداخلية.. وما دام هذا التوحيد المجزأ الناقص بعيدًا عن السلاطين وعروشهم الكافرة فإنه يتلقى منهم الدعم والمساندة والتشجيع”، ويستهزإ فى كتابه بالمسلمين الذين يقيمون الصلاة ويؤدون الزكاة ويصومون ويحجون فقط ويكمل قائلا )إذا أردت أن تعرف محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى ازدحامهم في أبواب المساجد ولا في ضجيجهم بـ”لبيك”، ولكن انظر إلى مواطأتهم لأعداء الشريعة ويقصد بهم حكامهم(، ولا يكتفى بالبراءة من الطواغيت ولكنه يشترط إبداء العداوة والبغضاء لهم و يدلل على رأيه بالآية القرآنية:” قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده”، تلك هى ملة إبراهيم التى يعرفها ” (ومن يرغب عن ملة إبراهيم الاّ من سفّه نفسه)، ويرد المقدسى على القائلين بأن الخصومة مع هؤلاء يجب أن تسبقها مراحل الحكمة والجدال بما هى أحسن بذكره إن من يقول ذلك فعنده لبس حول ملة سيدنا إبراهيم كونها إخلاص لله وحده وكفر بكل الطواغيت دفعة واحدة فهى لا تؤجل ولا تؤخر بل يجب الجهر بها منذ اللحظة الأولى، ويفسر المؤلف أكثر فى ملة إبراهيم بقوله “هي الكفر بالطواغيت التي تُعبد من دون الله عز وجل، سواء أكانت هذه الطواغيت أصنامًا من حجر، أو شمسًا أو قمرًا، أو قبرًا أو شجرًا، أو تشريعات وقوانين من وضع البشر.. فملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين تستلزم إظهار الكفر بهذه المعبودات كلها وإبداء العداوة والبغضاء لها، وتسفيه قدرها والحط من قيمتها وشأنها وإظهار زيفها ونقائصها وعيوبها منذ أول الطريق”، فإن البراءة من المشركين تعنى من وجهة نظره “وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جرّد توحيده لله، وعادى المشركين في الله، وتقرب اليه بمقتهم”، فلا يحب المسلم أو يبغض الاّ فى الله ولا يعادى أو يوالى الاّ فى الله أيضا وأفضل الكره والمقت هو التقرب اليه بكره أعدائه ومقتهم وعدائهم والجهاد فى سبيله ضدهم، وفى موضع آخر يسخر من علماء السلطان بالقول “نعم والله، لقد رأيناهم يغدو أحدهم ويروح.. يبيع دينه بأقل من جناح بعوضة.. يُمسي مؤمنًا يدرس التوحيد وربما درّسه ويصبح يقسم على احترام الدستور بقوانينه الكفرية، ويشهد بنزاهة القانون الوضعي..رغم حفظهم آيات مثل: “ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار”،” وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذًا مثلهم” ، وعن صعوبة طريق دعوته يقول”فلا يظن ظانٌّ، أن هذه الطريق مفروشة بالورد والرياحين، بل محفوفة بالمكاره والابتلاءات، ولكن ختامها مسك وروح وريحان ورب غير غضبان..وأتباع ملة إبراهيم من أشد الناس بلاء لأنهم يتبعون منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله”، ويزيد فى مسألة الولاء والبراء “ففي تاريخ الدعوة إلى الله، لم يفصل الله بين أوليائه وأعدائه إلا بعد أن فاصل أولياؤه أعداءه على أساس العقيدة، فاختاروا الله وحده.. وأصحاب الدعوة إلى الله لهم أسوة حسنة في رسل الله… وإنه لينبغي لهم أن تمتلىء قلوبهم بالثقة حتى تفيض.. وإن لهم أن يتوكلوا على الله وحده في وجه الطاغوت أيًا كان.. ولن يضرهم الطاغوت إلا أذى.. ابتلاء من الله لا عجزًا منه سبحانه عن نصرة أوليائه، ولا تركًا لهم ليسلمهم إلى أعدائه، ولكنه الابتلاء الذي يمحص القلوب والصفوف.. ثم تعود الكرّة للمؤمنين.. ويحق وعد الله لهم بالنصر والتمكين”.
يحذّر المقدسى من ألاعيب وحيل الطواغيت من خلال تأسيس البرلمانات وصياغة الدساتير ليغدعوا بها ضعاف النفوس والدين فلا تعود المسألة براء منهم ومن قوانينهم بل مخالطتهم فى المجلس وعلى طاولة الحوار لأجل ما يدعونه بمصلحة الوطن الذى يحكمون، ويعتبر كذلك أن المؤسسات التى ينشأها الطغاة لغداع المسلمين كمنظمة العالم الإسلامى وجمعيات الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فإنها لا تعدو سوى التغرير بهم وإمتصاص طاقة الغيرة على الدين والحماس للدعوة الى الله بصرفهم للعمل فى مؤسسات تهتم فى صميمها بحماية أمن الطواغيت وأمن دولتهم ” فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا”، وينهى المقدسى كتابه بسؤال حاسم “إما شريعة الله، وإما أهواء الذين لا يعلمون، هذا هو الطريق.. فهل من رجال؟؟” منتظرا منهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا…

 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: