الثلاثاء , سبتمبر 22 2020

عادل عبدالظاهر يكتب : الحديث اليومي .. مُؤَشِّرٌ على مستوى الوعي !

 

لا شك أن الحديث اليومي عندنا مصاب بوعكة خطيرة ، والأخطر من تلك الوعكة هو شبهة أن يكون هناك من يُوجّه أو يتحكم في مسار “الثرثار العام” بشكل منهجيّ ، وذلك لِمَا لأحاديث العامة من أهمية في تشكيل الراي الجمعي ، فمن خلال رصد «حديث الساعة» عند أمة من الأمم يمكننا أن نحكم إلى أيّ مستوى من الوعي ارتفعت له أو ترَدّت إليه هذه الأمة !

هو إذن ما يمكن أن نسميه «اللوكلوك العام» ، الذي ينفجر مع كل فرقعة إخبارية جديدة ، تبدو في غالب الأمر وكأنها مصنوعة خصيصاً من أجل إثارة ذلك “اللوكلوك” وفي الوقت نفسه إخماد كل حديث جاد.

والحديث العام هو إفراز طبيعي لمستوى الوعي ، الذي هو بدوره عامل من عوامل تقوية أو إضعاف الأمن القومي ، وقد يكون هناك من يعتقد أن التوجيه العمدي لـ”القول العام” ، وسلكه في مسالك التسطيح والعبثية ، هو من العوامل المفيدة في الاستقرار ، بمعناه الأمني ، بهدف تجنيب الناس الدخول في موضوعات جدلية غير مرغوب فيها ، تؤدي إلى بلبلة الرؤوس ، وما دام الجدل عادة يومية لابد منها ، خصوصاً في مجتمعات تعاني من الفراغ العمليّ ، فلا ضير من  صناعة جدل في موضوعات أخرى كفقاعات الهواء ، تنفجر بنفخة واحدة ، دون إحداث أضرار.

ولا يكاد يَمُرُّ أسبوع أو شهر حتى يُنصَب فخٌ لاصطياد الوعي العام وإسقاطه في برائن ذلك “اللوكلوك” العجيب.

فمن قضية اسلام البحيري ليوسف زيدان إلى فاطمة ناعوت إلى حلقات ريهام سعيد في تحضير الجان ، تتنقل الأحاديث الشاغلة للجماهير ، وكلما استهلك فخٌ طاقة عقل ووجدان الساقطين فيه ، سُورع من جديد في خلق «محرقة» جديدة للطاقات التي لا تلبث أن تتجدد ، فيتجدد إحباطها بتجدد انبعاثها ، وفي نهاية الأمر تنتهي كل تلك الموضوعات إلى مصير غير جِدّيّ ، فما هي إلا فرقعات إخبارية ، يقوم بتضخيمها إعلام أضحى – في غالبه – مشبوهاً ، بالرجوع إلى من يمتلكون أجهزته ، من أصحاب رؤوس أموال ، يعلم الله آخر مداها ، بالإضافة إلى العناصر التي تقوم على رعاية أبواقه المطنطنة.

فهل إهدار الطاقات بهذه الطريقة وتضليل الوعي العام و” تتفيهه” وملء فراغه بالعبث يساعد على استتباب رأي عام آمن؟ أم أنه يساعد على إضعاف الوعي وانهياره في النهاية ، من كثرة التدخل في توجيهه والتحكم فيه ؟

وخير لنا من “التحَكّم” في القول العام بمنهجية “إشاعة الثرثرة” ، ربما بهدف الإلهاء العام  – إذا أردنا فعلاً إنقاذ العقل والإرادة والوجدان – أن نُشمّر عن ساعد الجد والبحث عن منابع الثراء في تراثنا القريب والبعيد الذي يمثل قوتنا الناعمة الفاعلة ، للعمل على إحياء مشروعات لمفكرين وفنانين وأدباء قد اندثرت تحت ركام من بؤس الأيام ، فواجبنا اليوم هو وَصْل ما انقطع ، كي نساعد الأجيال الجديدة على الإمساك بأول الخيط ، لإنماء  الطاقات ، بدلاً من إفنائها ، وإيقاظ الوعي بدلاً من تغييبه ، بحيث يستطيع المواطن أن يتوصل من تلقاء نفسه إلى إدراك حدود المصلحة العامة للوطن ، ولكن يبدو أن استدعاء ذلك التراث الثري يتوقف للأسف على إرادة من “يريدون” !

ولننظر إلى أمم سبقتنا ، وكيف أن برامج الحياة اليومية عندها تمثل سلماً قوياً للصعود العام ، لنجد أن حياتهم اليومية تدور ما بين معارض فنية وندوات ثقافية وحفلات موسيقية هنا أو هناك ، وكذلك مؤتمرات علمية جادة أو ورش عمل للتدريب على مهارات الحياة واكتشاف مواهب النفوس.

إن إثراء حياة الناس خيرٌ من تمييعها !

إن من ينتزع فرص الإنسان في بلوغه الكمال النفسي والعقلي ، لا يُفسد عليه فقط حياته في الدنيا ، وإنما يُضيع عليه نصيباً كبيراً من الوعي الذي ينفعه في العالم الآخر ، وصدق الله العظيم إذ يقول : «ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: