الأحد , مارس 7 2021

حمدي عبد العزيز يكتب ….هيكل أسطورة الصحافة وثعلب السياسة

الحياة المهنية الحافلة لهيكل بالإضافة إلى ذكائه الشديد وعقله المنفتح وابتعاده المبكر عن الدوجما الفكرية أو حتى الإلتزام السياسي العقائدي

وماتوفر له من علاقات في أروقة القصور الرئاسية والملكية وعلاقاته براسمي السياسات ومخططي الإستراتيجيات في الشرق والغرب والشمال والجنوب
ليس فقط ذلك وإنما أيضاً علاقاته بالأبواب الخلفية لصناعة الأحداث والعاملين بمطابخها من حكام وثوار
كان يحتفظ بنفس القدر من العلاقات مع هؤلاء المحافظين بشدة عن الأوضاع القائمة وبين الثائرين عليها
ولذلك فهو كان صديقاً للكثير من الملوك والرؤساء المحافظين ورجال دولهم في نفس الوقت الذي كان فيه صديقاً للمناهضين للأنظمة الاستبدادية

(ملحوظة هذا الرصد لايعني الموافقة أو الإعتراض على دوافع هيكل ومسالكه بقدر ماهو مجرد رصد لفهم رجل قد أصبح من إحدى علامات تاريخنا السياسي شئنا أو أبينا)

كان هيكل يفعل هذا مدفوعاً بحرفية مهنية شديدة الإتقان
وبدقة متناهية تقتضيها حسابات من بدأ حياته مراسلاً في مناطق الحروب يسير في نيرانها وبين الغامها تحت سماوات ملغمة بالطائرات التي ترسل قنابلها على غير هدى

هذه الحسابات المهنية الشديدة الحرفية جعلته قريباً من صناع القرار في مصر بحساباته هو لابحساباتهم هم
كان قريباً من عبد الناصر بنفس الطريقة وإن كانت شخصية عبد الناصر قد انسجمت مع حسابات هيكل
وصنع هيكل السادات وأعطاه قبلة الحياة مرتين
المرة الأولى عقب وفاة جمال عبد الناصر وإشارته لإركان الحكم الناصري بضرورة تولى السادات السلطة للمحافظة على شرعية الإرث الناصري
والمرة الثانية عندما وقف مع السادات في مايو 1971 وكان هو كلمة السر في إنتصار السادات على أركان الإرث الناصري وأعتقد أنه هو صاحب إطلاق تسمية ( مراكز القوى) على المجموعة الناصرية التي ضربها السادات في مايو 1971

ولأن هيكل كان قد أضحى هو ثعلب المدينة المصرية السياسية الذي كان يمتلك قدراً هائلاً من الذكاء والمهارة السياسية واللياقة الذهنية
في حين أن السادات كان يمتلك خبث ودهاء الثعلب الريفي الذي يتظاهر بغير مايبطن حتى ينقض على فريسته في اللحظة المناسبة
ولإنهما وإن اتفقا أو اختلفا فهم من فصيلة واحدة لنوعين من الثعالب لاتتسع لهما رقعة سياسية واحدة فقد تباعدت الحسابات بينهما فيمابعد حرب أكتوبر مباشرة لأن السادات كان قد استبق هيكل الذي كان يرى التقارب مع الولايات المتحدة لتحييدها في الصراع العربي الإسرائيلي بينما قفز السادات إلى أبعد ما أراد هيكل بقفزة هائلة تخطت مسافات لايمكن تخطيها وذلك للجلوس مباشرة على حجر العم سام في علاقة تبعية مباشرة لم يرض عنها هيكل ولم يرد أن تحسب عليه أو يحسب هو عليها فكان الفراق الذي انتهى في مفتتح الثمانينات بانقضاض دراماتيكي من الثعلب الريفي الشرس على ثعلب الدهاء المدني انتهى بوضع هيكل في معتقل سبتمبر الشهير مع كل رموز أطياف المعارضة المصرية لمعاهدة السلام مع الكيان الصهيوني

ولكن هيكل سدد ضربته القوية للسادات بعد وفاته الإكلينيكية عندما أصدر كتابه الشهير ( خريف الغضب) فكان هذا الكتاب دفناً معنوياً قاسياً للسادات ووفاة سياسية له ووثبة جديدة للثعلب المدني نحو التألق في عالم السياسة المصرية

كذلك كان هيكل في علاقته مع مبارك فقد أشاد به في البداية عبر ثلاث مقالات صدرت له في الأخبار عندما كان رئيس تحريرها إبراهيم سعدة

ثم تراجع عن دعم مبارك ابتداء من حرب الخليج الأولى وفضل أن يكون الحذر المحسوب هو مايحكم علاقته بمبارك إلا أن ظهر في أوائل القرن الحالي ملمحاً بمشروع التوريث ثم أعلن معارضته له تماماً بعد ذلك بسنوات

في بدايات حكم الإخوان كان هيكل لايعادي سلطة الإخوان بل كان يقدم لهم المشورة عبر قنوات تضمن له وجود المسافة المناسبة مع جماعة يعرف هو ببصيرة الثعلب العجوز أنها غير مأمونة الجانب بل إنه في بدايات الانتفاض على الرئيس الإخواني كان يؤكد أن شرعية مرسى لازالت قائمة وأنه مع التمسك بشرعية الصندوق
وربما كانت مشورته لحمدين صباحى وجبهة الإنقاذ بضرورة المشاركة في إستفتاء الدستور الإخواني كانت السبب الأساسي في مشاركة جبهة الإنقاذ في الاستفتاء بالتصويت ب (لا) وعدم الدعوة لمقاطعته (من وجهة نظري كشخص متواضع وقتها كان من الضروري الدعوة للمقاطعة التي كانت ممكنة حين ذاك وكانت كفيلة بالتبكير بإسقاط حكم الإخوان)

كل هذا الذكاء المهني
والانفتاح العقلي على التجارب المختلفة
كان يخلق نوعاً من الزخم الدائم لكي يكون هيكل – فضلاً عن أنه الصحفي رقم (1) في الشرق – كاتباً ومفكراً سياسياً يمتلك أدواته الماهرة والمتطورة لتحليل الأحداث بأبعادها التاريخية والجغرافية ودوافعها المصلحية والجيوسياسية وربما علاقتها بالجيولوجيا وماتشير إليه الحفريات القديمة وإعادة سردها بخيال أدبي بليغ من صناعة خيال سياسي بالغ النفاذ إلى الآفاق والأعماق وربما الأبواب الخلفية لهذا العالم بما يحفل بالدوافع والنوازع
أنه حقاً كان الأستاذ
الصحفي فالكاتب فالمفكر الكبير
، وكان ثعلب القاهرة السياسي الأول ، وأحد أهم ثعالب السياسة في منطقة منطقة الشرق الأوسط خلال الفترة فيما بعد حرب السويس إلى منتصف العقد الثاني من القرن الحالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: