السبت , يوليو 31 2021

الرحيل….قصه قصيره للكاتبه هند فؤاد

استقل القطار …. متجها الي المدينة … ليلحق بالباخرة المقلعة الي اوروباّ..

نظر من النافذة نظرة وداع اخيرة لكل شبر اخضر ببلده الحبيبة احبك و رغم كل حبك هزمتني قسوتك يا بلادي..ّ
رن هاتفه… نظر اليه طويلا حتي تكرر الاتصال ..ثم اغلقه نهائيا..بعنف و الم ودموع تائهة قفزت رغما عنه لعلها تطفيء ذلك الوجع المتشابك مع لحظات الخوف و الانتظار.
عاود النظر الي الطريق….متي ينتهي به الي حيث سفينة النجاة
كان يرقب الزمن كل لحظة ترجف نبضات قلبه المنهك مع دقات الساعة ..حيث لا مفر من الهرب الي مصير مجهول…ولا رجوع…
كان يري. اولاده الثلاثة و هو يحتضنهم الحضن الاخير حضنا مطولا يملأ به اعماقه التي ستقفر بعد رحيله عنهم حتي يروي عطشه برائحتهم وقت يشتاق اليهم…
كان يري خوف زوجته وهي لا تفهم ما يخططه ونيته في السفر الاخير بلا رجوع..لقد اخبرها انه وجد عملا مربحا حتي لا يري جوع اولاده امامه وهو عاجز عن اشباعهم. ..حتي لا يري مرض احدهم و يشعر بالانكسار امام الحاجة والذل لعلاجهم…
حتي لا يري تلك الدمعة التي تشطر قلبه التي تنزل من احدهم ليله العيد
عندما يشعرون بالفقر.. والتهميش..والغربة. وقت الفرحة…

لقد طال الالم…. ولا استطيع تحمل سهامه في نظرات عيونهم

سأرحل وحيدا. اتحمل الوجع وحدي. واموت وحدي … ربما ابقي في ذاكرتهم ..يشتاقون لي… اهون من ان يكرهونني لقهري و قلة حيلتي امامهم..
احبكم كثيرا… وحلمت دوما ان افعل ما بوسعي كي اراكم اسعد الناس …
ولكن الاحلام تهاجر منك يا بلادي
او توئد حية فيكي
كرهت عجزي و انكساري
ولم يعد لي امل… الا الهرب او الانتحار
وبينما هو شارد يرقب سمائها و ارضها
كان يجلس بجواره هذا الطفل البريء…. قال له ببرائته …
عمو.. ممكن تليفونك اكلم بابا… انا مش هبوظه ..انا لما اخف بابا هيجيبلي تليفون حلو زي ده…عشان اكلمه طول النهار
نظر اليه في صمت ووجوم و اعطاه هاتفه المغلق…فلم يعد بحاجة اليه..
اخذ الطفل ابن الخامسة الهاتف و لم يفتحه…بل عبث بأزرته كأنه يجري اتصالا.. ثم بدأ يتحدث في الهاتف …
الو…. ايوة يا بابا… وحشتني اوي.ّ. انا لسة راجع من الجلسة بتاعتي…. انا كويس يا بابا…
انت كويس؟؟
الجنة حلوة يا بابا؟
انا عايز اخف عشان مش اسيب ماما لوحدها… بس كمان انا عايز اشوفك بسرعة و اجي اعيش معاك في الجنة… ونلعب مع بعض زي ما وعدتني….ماما بتقول انك هتجبلي كل اللعب و التليفون و تبعتهم من الجنة بس لما اخف…
عشان كدة باخد العلاج و باكل كويس عشان اخف…
بس مش عارف ماما ليه دايما زعلانه… انا بقلها بابا في الجنة و احنا هنروح نلعب معاه
مش انت قلتلي انها حلوة؟ اوي؟
بكلمك من تليفون عمو قاعد جنبي في القطر … قلتله بكرة اخف و يبقي عندي تليفون بابا هيجيبه ليا..
حاضر يا بابا.. هسمع الكلام… وانا شاطر ..و الميس اديتني نجمة عشان كتبت الواجب كله صح… وماما كمان مبسوطة مني…. هقفل بقي عشان رصيد عمو هيخلص … وهكلمك تاني…
ثم اعاد الهاتف اليه … كانت امه بالمقعد المجاور تسمع المحادثة و تبكي في صمت.. وكانت قد نست هاتفها اليوم…
نظر الرجل الي الطفل مطولا قائلا… انت بتتعالج من ايه..
رد الطفل ببراءة… مش عارف .. انا باخد محلول. كدة بيعلقوه في خرطوم طويل عشان اخف… و الدكتور قاللي انهاردة انت شاطر و شعرك هيرجع يطلع تاني …
ربط علي كتفه بحنان الاب المحروم… وقال… انت فعلا شاطر و لازم تكبر و تخف و مش تسيب ماما لوحدها….
كانت الام في بكاء صامت…لا تستطيع النطق…
وبينما كان يتحدث الطفل… بدأ يشعر بدوار ثم بدأ في التقيء…. اسرع الاب المحروم بحمله والجري به الي حمام القطار…
قالت امه… هذا ما يحدث بعد جلسة الكيماوي.. ويزيدها حركة القطار
ولأن ليس لنا مكان نبيت فيه ..فنتحمل مشقة الطريق في الرجوع…
استمر تعب الطفل… و هم بجانبه بالماء و العصائر فقد اخذ حقنة لمنع القيء قبل خروجه من معهد الاورام و لكن يبدو مفعولها انتهي مع طول وقت الطريق…
لا تقلقي.. لو لم يتحسن سوف انزل معكما في اقرب محطة و نذهب الي اقرب مشفي
كان الطفل رغم وهنه متماسكا… فهو اعتاد الالم..لم يعد يخاف الموت ..فقد سبقه اليه اعز الناس… ابوه
اقترب القطار من طنطا…. و لم يجد الرجل بد من النزول به وامه و الذهاب الي مشفي الاورام بطنطا ..لملاحظة الطفل حتي يستقر..
رفضت الام و قالت سوف نتحمل حتي نصل مدينتنا
لماذا…ان ابنك لا يتحمل … لم تجبرينه علي تحمل فوق استطاعته
ليس لدي مال.. انفقت ثمن الجلسة التي امتلكها بالكاد من الجمعيات و فاعلي الخير. كيف سأعود و ليس لدي ثمن تذكرة قطار اخر…
هيا ارجوكي .. لا يمكن ان نترك الطفل في هذا الوضع ساعتين اخرتين
ولا تقلقي… معي من المال ما يكفي…
اخر ما جمعه ليهرب به الي مصيره المجهول. …
نزلا و ذهبا الي المشفي بالولد المنهك . .. ووضع الولد تحت الملاحظة و قد بدأ في الهبوط وفقدان الوعي بسبب القيء المستمر…
انفق كل ما ملكه من بقايا حلمه …علي الولد الصغير… كي لا يترك امه بمفردها.. كي يعيش …فهو اكثر من يستحق الحياة
استقر وضع الطفل و افاق و ابتسم له قائلا … اريد ان اخبر ابي حتي لا يقلق انني اصبحت بخير..
احتضنه بعمق هذا الاب البائس… و كأنه ابنه…ولأول مرة شعر بعدم الانكسار…
اشرقت شمس النهار الجديد.ّ و خرج الولد و امه عائدين الي مدينتهم….
وفي الوداع قال الطفل… هل سأراك مرة اخري يا عمو
سوف تراني دائما ..و سوف يصبح لديك اخوة يزورونك و يلعبون معك دوما حتي تخف وتكبر و احضر لك بنفسي تليفون جديد ..و لكن ابق تليفوني هذا القديم معك مؤقتا ..هل تقبله؟
فرح الطفل و احتضنه …وقبله…
ثم حجز تذكرة القطار العائد الي الوطن..
الي حضن ابناؤه….
فالذي سخره اليوم ليجعله سببا في اسعاد طفل يتيم
ابدا..لن ينساهم….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: