الأربعاء , مارس 3 2021

أحمد الصويعي يكتب …..العقدة لا تكمن في جهاز التحكم فحسب ؟؟!!

خلال السنوات الأخيرة أكتسى المشهد الإعلامي العربي بمركبات معادلة شديدة التعقيد .

أرى كما يرى البعض أن الإعلام قام بدور محوري في الهزات السياسية التى أجتاحت المنطقة العربية عندما وضع المتلقي في أتون المحرقة الإعلامية التى زينة له كل قبيح ، تركزت جل الاهتمامات في البحث عن إجابة تدور حول الدور الذي ساهمت فيه وسائل الإعلام على نحوا كبير في تحريك الجمهور لخوض معارك نيابة عن الدول الكبرى التى تريد تغيير نظم الحكم في المنطقة العربية .
و مدى تأثيره على الرأي العام للمجتمع و تطويعه لسير وفق رؤى مجهزة مسبقا ، فمحور المتغييرات على بنية المجتمع و الرأي العام المجتمعي يكمن في أرتباط المضمون الإعلامي بالمال إذ يسير الأول وفقا لرغبات أصحاب رؤوس الأموال التى لذيها مأرب سلطوية و نفعية مطلقة لايمكن إختصارها في سطور وجيزة .
و هذا يدفعنا لطرح سؤال في غاية الأهمية مامدى تأثير كلا منهما على الأخر لذلك يتعين علينا رصد المتغييرات في مضمون الخطاب الإعلامي لأي وسيلة من مرحلة إلى أخرى
نتيجة ذلك يرى البعض أن الإعلام هو العامل الأساسي المحرك للقوة العمومية الفاعلة في المجتمع ،في حين ينظر البعض إلى الجمهور (المستقبل) على أنه متلقي سلبي مفعول به أكثر من أن يكون فاعلا في محيطه برؤيته الذاتية .
أتصور أحيانا أن عقول الجماهير مهيئة أن تكون مثل الخزائن الفارغة يمكن لمن يملك الكلمات المفتاحية تعبئة و إدارة تلك العقول و برمجتها على النحو الذي يريد.
مع أنني مؤمن إيمانا قاطع أن عصر التأثير المباشر لوسائل الإعلام أنتهى ، في هذا السياق يتسائل أحدهم قائلا ماسر سطوة الإعلام على المجتمعات ؟؟ الإجابة ستكون بكل تأكيد هي قادة الرأي الذين لهم دور كبير في تعزيز مقاصد و أهداف وسائل الإعلام لذى الجمهور من خلال المساحات الإعلامية التى تفرد لهم أو عبر الحوارات الثنائية و الاتصال الشخصي و خطب الجمعة و الدروس و المؤتمرات و الندوات و غيرها .
هنا نورد مثال عن الحالة الليبية حيث أن الصادق الغرياني ماقبل الأحداث أي قبل عام 2011 أصبح نجم الأفتاء عبر قناة الليبية و من هنا استحوذ على الباب الكثيرين من أفراد المجتمع و بات محرك لرأي العام المجتمعي فبمجرد أصطفافه مع آل فبراير انجر وراه البعض ظنا منهم أنه على حق و مناصر لدين الله بينما هو مدعي أفاق .المشكل يكمن في أن الصفوة في المجتمع لم تكن ممكنة من النافذ للمجتمع لأحدوث عملية التلاقح الفكري بين الأجيال و التأثير بطريقة إيجابية ،فأستغل المرضى و ضعاف النفوس الفجوة و عبروا منها إلى الناس لتأثير فيهم و خلخلت معتقداتهم السائدة
من هنا نُمسك بطرف الخيط و ننطلق إلى سؤالا أخر هل الجمهور المتلقي دائما هو المجني عليه ، و عملية الاتصالية تسري في اتجاه واحد و لا تكتسي بتبادل بين طرفي الاتصال ؟؟؟؟!!!!
و هل الجماهير مجموعة غير ناضجة تحركها المضامين الإعلامية المختلفة خدمة لأهداف و رغبات خفية لضبط إيقاع هذه المعادلة عند متابعة أي وسيلة إعلامية مكتوبة أو مسموعة أو مرئية علينا أن نضعها تحت مفردات القول الأتي :قل لي من يدفع لزمار أجره لأقول لك من هو زمار أصلا …عندما نصل إلى حقيقة مصدر التمويل نصل إلى المراد من الوسيلة و رسائلها المتابينة و مدى مصداقيتها من عدمها.
الخطر الكبير يرتكز في استسلام الناس أو بعضهم بمعنى أصح إلى استبداد و استحواذ وسائل الإعلام على عقولهم دون إخضاع الرسائل المرسلة من الوسائل المتنوعة إلى التحليل و المنطق و قراءة مقاصد المحتوى على نحوا متأني يمكن المتلقي من إدارك جزء من الحقيقة التى تمكنه من فك رموز المعادلة الاتصالية و أهدافها و من يقف ورائها …على الصعيد المؤوسسي تعمل وسائل الإعلام المختلفة على معرفة اتجاهات الجمهور و مزاجه العقلي لكي تجتذبه للوسيلة من أجل أحداث التأثير فيه فيما بعد من خلال امتلاك المداخل النفسية للجمهور و هذا يعني أن الجمهور في حد ذاته لذيه رغبات و رؤى و اتجاهات ساكنة أو خامدة تبحث وسائل الإعلام عنها في ركام كوامن العقل و تحرك تلك الرؤى و الاتجاهات الكامنة و تفجرها خدمة لمصالح دوائر معينة تريد خروج الفكر الساكن الخامل للواقع مهما كان سلبيا أو إيجابيا ..ليس كل ما يبث عبر الإعلام شر و إن لم يكن أغلبه محمود
في هذا الإطار نستدل برأي الدكتور مصطفى حجازي في كتابه “التخلف الاجتماعي” مدخل سيكولوجية الإنسان المقهورحيث يقول :
” القدرة التأثيرية لإنسان المجتمع المتخلف فى مراكز القوة والسلطة ومن بينها فى وقتنا الحالى وسائل الإعلام, وإن بدا غير ذلك فى ظاهره! لنقترب أكثر مما ندور حوله, تحديداً ما يصادفنا كل يوم من خطابات إعلامية يغيب عنها المنطق ودقة المعلومة, بل هى متناقضة فى بنيتها الأساسية, لا يقبلها العقل ولا يستسيغها أى منطق موضوعى, ثم نجد من يتبنّاها فى المجالات العامة, الأكثر من ذلك أنها ربما تحدد خياراته السياسية والأخلاقية وبتلاقي المجموع تصبح قرارا سياسيا عاما يفرض نفسه على المستقبل عبر صندوق الاقتراع على سبيل المثال! هذا يجعلنا أمام مفارقة أن يكون الخطاب الإعلامى المتهالك فى بنيته قوياً فى أثره! وهذا مما لا يقبله منطق الأشياء”
وعليه يمكننا فتح بابا أخرى للإجابة على سؤال الإعلام الأطر التى يسير فيها دوره ودوائر تأثيره.
تقول الدراسات الإعلامية أن تأثير ” الاتصال الجماهيرى” تتجسد في شاشات التلفزيون و الراديو و عناوين الصحف هنا أنا أختلاف تمام الأختلاف مع رأي خبير الاتصال هارولد لازويل الذي يرى أن قدرة الإعلام على التأثير في الأفراد مباشرة حيث أنني أرى أن الفرد لا يمكن سحبه بمعزل عن بيئته التى يتأثر و يؤثر فيها بغض النظر عن مدى التأثير الفردي في محيطه و عن مكونات تلك البيئة الاجتماعية و الثقافية و الاقتصادية فهي تتشابك بطريقة أو بأخرى مع مكامن النفس البشرية من رغبات و طموحات و تطلعات و حب محاكاة الأخرين و الوصول إلى تغييرات جوهرية مأمولة على المدى القريب أو البعيد …
من هنا تقتبس بعض وسائل الإعلام شرارة الخطر لاشعال فتيل الأزمات و الخلافات بين القوة الفاعلة في المجتمع و تدفعهم إلى بؤرة الصراع بدلا من التعاون و التنافس الشريف .
أعود إلى بيت القصيد أن بعض من الجمهور يتحمل مسؤولية ماجرى من هزات اجتماعية و سياسية و اقتصادية و غيرها لأنه تلقف الرسائل الإعلامية و سار في فلكها دون تحكيم للعقل و المنطق مما يعني أن ماحصل ليس نتاج التدفق الإعلامي المسموم فحسب بل إن وجود الأرض الخصبة لذى الجمهور لتبني هذه الأفكار عقليا و تفكير فيها مطولا ثم الدخول في مرحلة تطبيقها واقعيا ما زاد الطين بلة هو القبول و الاستعداد المسبق لذى البعض لتفاعل في عملية مضادة لسلطة بغض النظر عن عواقبها الوخيمة و من هنا يأتي دور الإعلام لدفع الجمهور في هذه الطريق أو تلك
بذلك ننتهي إلى أن الإعلام في بعض الأحيان يكون مجرد صدى صوت لما يدور في عقول بعض أفراد المجتمع …إن لم يكن الجمهور مستعد و مهيئ نفسيا لمتابعة هذه الوسيلة أو تلك لا كان جهاز التحكم هو الفيصل بينهما و بين الرسالة المستهدف بها للأسف الظروف النفسية المشجعة على التفاعل كانت موجودة بقوة و لعبة الأغراق بما يريده الجمهور من قبل وسائل الإعلام أتت آكلها على الوجه الذي يخدم أعداء الأمة فعصف التدفق الإعلامي بالقييم و الأخلاق و معايير التعايش المشترك حيث تم بناء خطاب إعلامي غير مسؤول من قبل القوة النفعية و الحزبية مبني على تصنيف المجتمع و تقطيع أوصاله فكريا و اجتماعيا …نحن في حاجة ماسة لتوحيد الرأي العام في المجتمع لمجابهة سيل الرسائل الخبيثة التى مازالت تكتسح عقول أفراد المجتمع لأمراضه و تمكن منه.
الحل يكمن في إيجاد العقل الجمعي القادر على استيعاب قضايا المجتمع لكي يكون هو الخطاب العام الممزوج بهموم المواطن و يتعاطى مشاكله بعيدا عن أي تأطير أيدلوجي مسبق يسحق قاعدة التلاقي و التوسط التى من الممكن أن يلتقي عندها كل أبناء المجتمع ألا و هي الوطن.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: