الثلاثاء , يوليو 27 2021

رياض حسن محرم يكتب ….هيكل والسلطة ..علاقته بالسادات نموذجا

لاشك أن الأستاذ “كما كانوا يلقبونه” كان مغرما بالسلطة ويظهر الفخر دائما بعلاقاته الوثيقة بمن يمسكون بزمام العالم من الحكام متباسطا فى الحديث عن تلك العلاقات بإسلوب أدبى مميز من مصاحبتة خرشوف على متن الباخرة أوديسا الى الأسكندرية والجلوس أرضا بين يدى الخومينى الى اللقاء مع تيتو فى الغابة والإفطار مع ميتران فى الحديقة وغيرها الكثير، وكان الرجل يحب الظهور بأناقته المتميزة وسيجاره الثمين معبرا عن إعجابه بالفخامة وإحتفائه بها، ولكن ذلك لا ينفى تميز الرجل على مدى تاريخه برشاقة لغته وإنضباتها وسرعة بديهته وقدرته الفائقة على تحليل الأحداث.

لقد صاحب هيكل عبد الناصر طوال تاريخه السياسى وعمل كاتب أسراره وعقله المفكر وكاتب خطاباته ومترجما أمينا لفكره منذ صياغة الأستاذ لفلسفة الثورة حتى خطاب التنحى مرورا بالميثاق وبيان 30 مارس وكل أرشيف ثورة يوليو تقريبا حيث وصفه ” أنيس منصور” مرّة بأنه مفكر عبد الناصر، ومن فرط تلك العلاقة بين الرجلين أن ذكر هيكل يوما ” كان عبد الناصر يتصل بى مرتين فى اليوم الأولى حين يستيقظ من النوم والثانية قبل أن ينام”، ورغم أن عبد الناصر كان عنيدا بطبعه فإن هيكل كان يستطيع أحيانا تغيير قراراته ومنها ما حكاه عن يوم خطاب التنحى حيث طلب من هيكل الحضور الى مكتبه فى أشد اللحظات توترا وسلمه قصاصة ورق بها بعض الأفكار لصياغة الخطاب و لكن هيكل إعترض على تسمية ” شمس بدران” خليفة لعبد الناصر (كتوصية من عبد الحكيم عامر) ودار بين الرجلين حوار طويل إستطاع هيكل فى النهاية أن يقنع ناصر بإستبدال الإسم بزكريا محيى الدين بصفته أقدم أعضاء مجلس قيادة الثورة وأنه أكثر قبولا من الجانب الأمريكى.

فى اللحظات التى تلت وفاة عبد الناصر وحالة الإرتباك التى واكبتها كان هيكل هو الوحيد الذى ظل متماسكا ومحركا للاحداث وكتب بسرعة خطاب الرحيل وأعطى الورقة الى أنور السادات لإذاعتها بينما الآخرين فى حالة ذهول للحدث، ومهّد بذكاء لتولى السادات الحكم وظل لأربع سنوات الأقرب اليه وكاتب خطاباته جميعا وهو من صاغ قرار حرب إكتوبر وكاتب ورقة إكتوبروخطاب السادات فى مجلس الآمة يوم 16 إكتوبر وحاول من خلال مجموعة مقالات بالأهرام أن يمهد لتحويل السادات الى زعيما للأمة، وبعد تطور الخلاف بينهما تم إخراج هيكل من منصبه السياسى كوزير للإعلام وإبعاده من الأهرام علق هيكل ” ربما كان إحساسه بأننى لعبت دورا فى توليه السلطة لم يكن يعطيه ذلك سعادة ، فالإنسان عادة لا يسعد بأن يكون مدينا لأحد”، والمعروف أن هيكل حاول بقوة دعم السادات فى بداية حكمه وهو من رشّح له الدكتور محمود فوزى لتولى رئاسة الوزراء وقيل أيضا أنه حذّره مبكرا من مؤامرة “ممن تمت تسميتهم فيما بعد بمراكز القوى” ضده فى الوقت نفسه الذى حذر فيه تلك القيادات من الإستهانة بالرجل مقدما (ضاربا مثلا بمصطفى النحاس الذى إتفق عليه الجميع خليفة لسعد زغلول على ظن منهم أنه ضعيف لكنهم إكتشفوا بعد فوات الأوان أنه إستطاع أن يطردهم جميعا من الوفد بينما بقى على القمة وحده) وهذا ماحدث بالضبط مع السادات، وقد ظهر إنحياز هيكل صريحا حينما إنفردت الأهرام ” الجريدة الرسمية الأولى” فى صدر صفحتها الأولى أن على صبرى ” رئيس مجلس الوزراء وقتها” أحضر وهو عائد من موسكو أجهزة كهربائية لم يسدد الجمارك عنها، كما كشف موقف هيكل من تأييده إتحاد الجمهوريات العربية “رغم رفض القيادات الناصرية فى السلطة له” دليلا آخرا على إنحيازات هيكل المبكرة، وعندما بدأت الأمور تتصاعد بين السادات ومجموعة الناصريين فى السلطة كان إنحياز هيكل واضحا مع السادات، وإقترب كثيرا أيامها من السادات ما دعاه يوما الى إرسال إبنته لإستدعاء هيكل من بيته ” خوفا من مراقبة تليفونات الرئاسة” وجلس معه بالصالون يسمعه شرائط صوتية مسجلة ” قيل أنها كانت حوارات بين بعض الوزراء وقيادات عسكرية فحواها التخطيط لإنقلاب ضد السادات” فقد فرز هيكل من تلك التسجيلات أنه لا يشكك فى ولاء الفريق الليثى ناصف قائد الحرس الجمهورى والفريق محمد أحمد صادق رئيس الأركان بينما الجميع متآمرين، ونصحه بضم الرجلين الى معسكره، بعدها جاء دليل هيكل على المؤامرة تلك الورقة التى كتبها الفريق أول محمد فوزى بخط يده الى الفريق محمد صادق رئيس الأركان (التى إحتفظ بها صادق وأعطاها للسادات دليلا على خيانة وزير الحربية) يؤمره بتوزيع قوات عسكرية لتأمين القاهرة والسفارات ومبنى الإذاعة والتليفزيون، وقد ذكر فوزى فى التحقيق أن ذلك جاء فى إطار بدء المعركة مع إسرائيل، كما إستغرب على صبرى فى التحقيق من اتهام المجموعة الوزارية بالإنقلاب على السلطة قائلا ” كيف يمكن تصور ذلك وقد كنا نحن السلطة فعلا”، وقد روّج هيكل كثيرا لمقولة الصراع على السلطة ومراكز القوى وأصّر فى الأهرام على تسمية المجموعة الناصرية بوصفها بجماعة على صبرى وكأنها عصابة خارجة على القانون ويذكر هيكل أن تلك المجموعة كانت تسيطر على جهاز الحكم وأغلبية الأعضاء بمجلس الأمة والإتحاد الإشتراكى ووصلت سيطرتها الى جهاز المخابرات والتنظيم الطليعى ولم تتوقف نعوت هيكل عند هذا الحد بل حاول تأصيل صفتهم بأنهم يمثلون الإكراه فى التجربة الناصرية ولكن بحساب المدة الزمنية من وفاة عبد الناصر لدخول هذه المجموعة السجن فهى لم تتجاوز 7 شهور وبين المدة التى تولى فيها السادات السلطة “15 اكتوبر “1970 لمايو فهى 5 شهور فقط فكيف إستطاعت تلك المجموعة فى هذه الفترة الوجيزة التحول الى شياطين وخونة.

غلّف هيكل خلافاته مع السادات بغلاف سياسى حول رؤيته السياسية لطريقة إستغلال نتائج حرب أكتوبر وإعتراضه على الصلح مع إسرائيل “وقد يكون الرجل صادقا”، ولكن ذلك الخلاف بينهما ظل يتصاعد الى أن أصدر السادات قرارا فى فبراير 1974 بنقل هيكل من الأهرام وتعيينه مستشارا للرئيس لكن هيكل رفض المنصب الجديد بعدها جاء قرار المدعى العام الاشتراكى بسحب جواز سفره والتحقيق معه ومنعه من السفر وقد إستمر هذا المنع الى أن قرر السادات فى 5 سبتمبر 1981 باعتقال هيكل مع مجموعة كبيرة من المعارضين من وزراء سابقين ورؤساء أحزاب وإسلاميين ومسيحيين وغيرهم، وكان من بين المعتقلين معه فؤاد سراج الدين رئيس حزب الوفد الجديد ووزير الداخلية السابق الذى ذكر لهيكل أنه ينوى تأليف كتاب يهاجم فيه السادات فذكر له هيكل أنه سوف يقوم بذلك عنه ” يعنى سيبلى الطلعادى” وهكذا صدر كتاب “خريف الغضب” التى أسماها البعض ” تخاريف الغضب” وهو الكتاب الوحيد لهيكل الذى لا يتضمن ملاحق أو وثائق ويبدو أنه كتب دفعة واحدة ويعتبره آخرون أنه إغتيال معنوى للسادات حيث يدخل هيكل مباشرة من الفصل الأول ” الجذور” الى الهجوم المباشر على السادات ومعايرته بأمه السوداء وأنه زوّر شهادة ميلاده مغيرا إسم عائلته من الساداتى الى السادات لإثبات شرف نسبه والتركيز على عضويته فى الحرس الحديدى وعلاقته المشبوهة مع يوسف رشاد، الاّ أن هيكل وصف الشهور التى سبقت إغتيال السادات بالصيف الساخن والتى إتسمت بإحتقان شديد من كل طوائف وفئات المجتمع ضده ما أدى فى النهاية الى حادث المنصة وإغتيال السادات.  

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: