الخميس , أكتوبر 29 2020

سمير زين العابدين يكتب ….الوصاية الدينية

من أهم وسائل السيطرة علي المجتمع, التي تمارسها السلطة, إعتمادا علي جناحها الديني, أن يبث في العقول أن الفرد قاصر لا يستطيع إدارة شؤونه, خاصة الدينية, فهو لا يمتلك العلم الديني, حيث يقتصر ذلك علي فئة محددة هي فئة الشيوخ, ومن هنا كان الاكتشاف العجيب المسمي بـ (دار الإفتاء) وهو اكتشاف يقتصر وجوده علي الدول المتخلفة التي تعاني من انتشار الجهل والغفلة.
لم يكتف هذا الجناح الديني بالإفتاء في الشئون الشخصية, بعد افتراض جهل الناس, ولكن تعداه ليكون افتاءات عامة, تخص المجتمع ككل والدولة بشكل عام.
تستوجب الوصاية الدينية أن يكون التفكير أحادي القطبية, يحتكره الفتاؤون, فلا محل لإجتهاد أو تفكير أو نقد أو مواجهة, بل أن الفتائين يحرمون أن يسأل السائل في أمور الخلق والشك والمنطق, بقاعدة أن من تمنطق تزندق وخرج عن الدين, وهنا تكمن حقيقة الفراغ الفكري الذي يتسمون به, فقواعد عملهم قائمة علي النقل الأعمي دونما إعمال لأي فكر أو اجتهاد.
وكلما حفظ الفتاء أكثر من الكتب الصفراء المشكوك أصلا في صحتها كلما صار فتاءا قويا, وهو أمر يتعارض كليا مع قواعد النصيحة والارشاد, الذي يجب أن يقوم علي فهم الواقع, ومتغيرات الزمان والمكان, في ضوء فكر عال واجتهاد دائم وخبرة لا بأس بها.
ان الوجود الانساني وارتباطه بالتطور الحضاري (الوظيفة الحضارية للإنسان) لا يستقيم الّا بوعي تشكله العقول المنفتحة, وهو ما يتعارض تماما مع طبيعة الفهم الديني لدور الإنسان الذي يقلصه الي بعض من التكليفات المفروضة عليه يحددها الفتّاؤون, عليه أن يقوم بها, ثم عليه خائفا أن ينتظر النتيجة, إما تكريما أو عقابا.
هذا الدور, وهذه التكليفات, تفرغ الإنسان من عقله ووعيه, وتجعله أداة يحركها الحكام باستخدام الدين ورجاله, ولهذا ينشأ لهؤلاء الكهنة دار للإفتاء يصرفون عليها ببذخ, حتي تستكمل السيطرة, ويقع الانسان تحت وصاية دينيه, تجرده من انسانيته وتحوله الي كائن حجري يتلقفه كل صاحب مصلحة.
اذا تشكل وعي الإنسان من خلال القيم الرفيعة, والثقافة الانسانية, فهذا كفيل بأن يتشكل وجدانه بشكل رفيع, يعرف أبعاد حريته الشخصية, ولا يحتاج لفتوي طائفية, تحدد ما هي هذه الحرية الشخصية, وما هي الفوضي, وما هي القدسية, وما هو الذوق العام, دون الحاجة لفتوي يفرضها علينا الشيوخ بعد أن افترضوا أن ليس لنا عقول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: