الخميس , أكتوبر 22 2020

التوراة عند أحمد قشاش وكمال الصليبي (4)

د محمد حامد الغامدي.. أكاديمي سعودي

  • التساؤلات لن تتوقف

▪▪مع تكرار تصفح كتاب الباحث القدير (أحمد قشاش): [أبحاث في التاريخ الجغرافي للقرآن والتوراة ولهجات أهل السَّراة]، بدأت نزع فتيل الشك، وتهشيم زوايا الاتجاهات التي تم تشييد قواعدها مسبقًا، وتصلبت مع الأيام، بدأتُ أتلمّس درب صوت نفسي. وجدت الكتاب حالة استثنائية، فهو محتوى متعِبٌ للقارئ في كل شيء، وقد يأتي التعب من غيرة ومسؤولية، وعدم تصديق، جميعها تُثير تساؤلات عميقة، وفي بعض مواضيعه، تصل إلى مشارف الشك والخيانة، من منطلق أن السحر قد ينقلب على الساحر.

▪▪هل عمل النادي الأدبي بالباحة وأيضًا مؤلفه على حرق الكتاب علنًا؟ هل قدّماه بما يليق به من أهمية لها أكثر من قراءة؟ الكتاب يحمل مواضيع استثنائية وخطيرة، ولها محاذير، وقد يكون مستندًا ومستمسكًا واعترافًا خطيرًا من عالمٍ سعودي، وجامعة سعودية، ونادٍ أدبيٍ سعودي، بما لا نعلم. لذلك هل كان لا بد أن يحظى بتصريح أمني قبل نشره؟ وأيضًا هل كان لا بد أن يحظى بإذنٍ رسميٍّ من جهات أمنية عليا حتى قبل إجراء هذه البحوث؟

▪▪الموضوع يتعلق بجذور تاريخ، وأمة، وأماكن. موضوع يتعلق بدولة تحتضن هذا التاريخ، وهذه الأمة، وهذه الأماكن. كتابٌ قال بما لم يقله الأولون. ما الفائدة من إثارة هذه المواضيع وبهذا العمق في هذا الوقت بالذات؟ وهذا كتاب متخصص جدًا، فما هي الحكمة من نشره بواسطة النادي الأدبي بمنطقة الباحة؟

  • القسوة

▪▪كيف لباحث فطن، ونادٍ متخصصٍ وطموحٍ، أن يحمّلا القارئ مسؤولية قراءة وفهم خمسة أبحاث علمية متخصصة، متعددة القضايا، وتحمل شتات معرفة، يدور حولها جدلٌ لُغويٌّ وتاريخي وأيديولوجي؟ أي قسوة هذه وأي غلظة يواجهان بها القارئ.

▪▪وجدت، وجزء من مهنتي الكتابة والقراءة، صعوبة في قراءة اصطلاحات الكتاب وفهمها، وخاصة ما ورد في الهوامش التي كان يجب تجنبها في الكتاب بشكلها الأكاديمي، فهو يحمل خمسة كتب في كتاب، ويحمل خمسة مواضيع في كتاب، ويحمل شتات متنافر لخمسة بحوث في كتاب. عندها قلت: (يا للهول). لماذا كل هذا العناء، وكان يمكن أن تكون كتبًا متفرقةً يحمل كل كتابموضوعًا واحدًا، بعيدًا عن المعايير العلمية ومتطلباتها، وهذا يشكل قوة للاستيعاب والفهم والفائدة، وكل كتاب يمهّد لكتبٍ أخرى ساندة ومعاونة، تقوم بها الأجيال القادمة صاحبة الاختصاص والتخصص الأكاديمي. هذا الرأي قد يتغير مع قراءتي لهذه البحوث الخمسة في قادم الأيام، وقد يزداد صلابة.

▪▪اكتشفت واستنتجت من هذه الأبحاث العلمية منهجَ وفلسفةَ المؤلف، بُعدٌ علميٌّ جديدٌ وخطيرٌ، أسس له باحثنا القدير دون علمه، فهل نجح في هذا؟ كان هذا الاستنتاج بسبب ما يثار حول إنجازاته العلمية، من تساؤلات واتهامات، لدرجة التطاول على التخصصات العلمية الأخرى، وأرجو أن يأتي ذكره في مقال قادم، لأهميته العلمية القصوى.

▪▪وحتى أفهم مع الفاهمين، كان على شخصي التعامل مع كل بحثٍ بشكلٍ مستقلٍ؛ لتسهيل تجرع استيعابٍ يصعب حتى على المتخصص. أيضًا لأقف بثبات على محتواه وأهدافه ونتائجه ونقاشاته، ولفهمٍ أكبر لفلسفةٍ ومنهج الباحث القدير، هذا إن استطعت حتى أستوعب نظريات الباحث أولًا، ولأعطي حكمًا من خلال فهمي واستنتاجاتي على كل بحثٍ ثانيًا، ومن ثم حكمي على الكتاب بشكلٍ عام ثالثًا، وأيضًا تبرئة أو إدانة النادي الأدبي بالباحة رابعًا، وحتى أقارن بين ما جاء به (قشاش) مقارنة بما جاء به (الصليبي) خامسًا.

  • البحث الأول واللغات العروبية

▪▪وقبل البدء، من المهم أن يعرف الجميع أنه لن أسمح لنفسي كأكاديمي بالتطاول على هذه البحوث لتحكيمها، أو تقييمها، أو الحكم عليها بشكلٍ مباشرٍ، إلا من خلال النافذة التي سمح بها المؤلف، والنادي الأدبي بالباحة من خلال نشرها في كتاب كما هي دون تغيير، فللأبحاث حرمتها وقدسيتها الأكاديمية التي اكتسبتها من جامعة معترف بها، وقد تم وضعها على طاولة التشريح. أرجو ألّا يتعدى دوري طرح تساؤلات، قد تحتمل كل الإجابات، تساؤلات ناتجة عن قراءة غير متخصصة في قضايا وردت في البحوث، قراءة لا تمس جوهر هذه البحوث لكنها قد تطال حتى المحكمين لها.

▪▪رغم أن الكتاب ليس بحثًا، ولم يحدد النادي الأدبي هويته، وأيضًا مؤلفه لم يحدد هذه الهوية. هل هو مرجع علمي؟ هل هو مقرر دراسي؟ هل هو كتاب ثقافي؟ هل هو وثيقة تاريخية؟ هل هو كتاب تراثي؟ هل هو كتاب لغوي؟ لا نعرف، وعلى كل واحد منَّا أن ينام على الجنب الذي (يريحه). إنه الكرم في تجليات عطائه، فهل كان هذا هروبًا بالكتاب إلى الشتات؟ هل كان يعرف النادي الأدبي أن الكتاب محلُّ خلاف قبل طباعته، وأراد كسب الشهرة مع شهرة هذا الخلاف؟ هل تخيل مسؤولو النادي مدى وعمق محاذير محتواه؟ الكتاب ليس موضوع ثقافة ولن يكون. الكتاب ليس نصًا أدبيًّا ولن يكون،الكتاب ليس معجمًا ولن يكون! نريد إجابة تحدد لنا شخصية هذا الكتاب بكل وضوح. 

▪▪بدأت بالبحث العلمي الأول الذي احتواه الكتاب، وهو يحمل العنوان التالي: [ضمائر الرفع المنفصلة في لهجات منطقة الباحة]. في الحقيقة لم أتوقع يومًا في حياتي، أن تتحول ضمائر الرفع المنفصلة في هذه اللهجات، إلى أداة علمية بيد الباحث القدير (قشاش)، ليثبت لنا بواسطتها، أن هناك شيئًا اسمه اللغات العروبية، وكأن الباحث يفرض علينا تعزيز منطقها، ونفوذ علمها، ومناصرتها.

▪▪وفي هذا الشأن أذكر أن العلامة (حمد الجاسر) تطرق في كتابه: [في سراة غامد وزهران]، إلى وجود كلمات من لغات منقرضة في المنطقة لا تزال محل تداول. توقف الجاسر عند هذا الحد، لكن (قشاش)، قفز خطوات أبعد من ذلك بمراحل، فهل تجاوز المحذور ليقدم ثمرة غابت عن أهلها العرب قرونًا؟ وهل غابت لسوء هذه الثمرة؟ هل غابت لأنه لا وجود لشجرة لهذه الثمرة؟ أيضًا هل هذا ميدانها بين الناس؟ أليس نشر هذه البحوث في كتاب لغير المتخصص، كمن يعرض تحفًا فنية، تاريخية، ثمينة، ونادرة، في حراج للخردة؟ هذا إن كانت تحفًا فنية فعلًا، السؤال المهم والخطير، من يعشق هذه التحف ويبحث عنها ويقتنيها؟

  • لماذا عالمٌ (هندي) لبلاد غامد وزهران؟

▪▪برر المؤلف تناوله هذه اللهجات بهذا البحث المستقل، لإيمانه، كما يقول، بأنها لم تنل ما تستحقه من الدراسات اللغوية الحديثة، ولم أكن أعرف أنها تستحق هذا إلا من بحث (قشاش) هذا، ولكن هل كان ينوي إثبات نظريةٍ أو فرضية صاغها مبكرًا قبل البدء في البحث؟ شخصيًا أعتقد بهذا الأمر وبشدة، لأنه أثبت لنفسه ما كان يسعى إليه، ويسعى لإقناعي كقارئ بما توصل إليه، ونتيجة ذلك كان هذا البحثُ الذي هو جزءٌ من كتابه محلَّ النقاش، بل كان الموضوع الأول الذي استفتح به كتابه الذي يضم خمسة بحوث علمية.

▪▪هل وضع الباحث هذا البحث أولًا، كطعمٍ أراد به المؤلف كسب ثقة القارئ للتغطية على بقية مواضيع الأبحاث الأربعة التالية محل الجدل والخلاف؟ لأن هذا البحث يدغدغ العواطف ويستحثها، على الأقل محليًّا. هل وظّف المثل الذي يقول: أطعم الفم تستحي العين؟

▪▪دليلي على استنتاجاتي السابقة قول المؤلف في الصفحة رقم (15) من كتابه، وقد قال: [ما علمت أن أحدًا من الباحثين أو الدارسين من أبناء المنطقة أو من غيرهم، سبق له تناول هذا الجانب البحثي المهم في لهجات منطقة الباحة، إلا ما قام به عبد الله الندوي (هندي الجنسية) في رسالة علمية له باللغة الإنجليزية تقدم بها عام (1968م) إلى جامعة (ليدز البريطانية) بعنوان: [دراسة اللهجات العربية لبلاد غامد وزهران). ولكن هل كشف لنا ما يعنيه بقوله (هذا الجانب البحثي المهم)؟ إذا كان مهمًا عند باحثنا فقد لا يكون مهمًا عندنا، بل وقد لا يعنينا في شيء كقراء، بل وأمة. كنّا بحاجة إلى المزيد من التوضيح، وهذا الفرق بين كتاب عام وبحث متخصص يخاطب به متخصصين.

  • ثورة الشك

▪▪وهنا طفا تساؤلي عن وجود المؤامرة. ما دخل باحث هندي، أن يعد رسالة علمية عن اللهجات العربية لبلاد غامد وزهران؟ المؤلف لم يوضح أهداف هذا الباحث الهندي، ونتائج بحثه، ولم يوضح من الذي موّل بحثه، وأيضًا لم يوضح نتائج دراسته. من هو المستفيد من هذه الدراسة؟ من أوعز لهذا الباحث الهندي بإجراء هذا البحث؟ وهل كان هناك إذن رسمي لهذا الباحث بزيارة بلاد غامد وزهران لتحقيق هذا الغرض؟

▪▪الأهم… لماذا اللهجات العربية لبلاد غامد وزهران مهمة إلى هذا الحد؟ كانت لفتة مهمة من الباحث (قشاش) بذكر الباحث الهندي، فقد يأتي مستقبلًا من العرب العاربة، من يعطي الأجوبة الصحيحة، ويكمل المشوار الذي لا نعرف من سيقطف ثمره.

▪▪لماذا لهجات بلاد غامد وزهران بالذات؟ بدأت لدي الشكوك حتى في إنجاز العلامة (حمد الجاسر)، الذي منح المنطقة جزءًا من وقته وجهده، وأنجز كتابه الشهير بعنوان: [في سراة غامد وزهران]، فهل أسس لشيء نجهله؟ لقد وثق أسماء جميع القرى والأماكن والأودية والجبال، وفي الوقت الراهن، زادت حيرتي أمام إنجازه هذا، بالسؤال التالي: لماذا؟ ما هدفه؟ من المستفيد؟ بالتأكيد هناك تبريرات، لكن هل يخفي هذا الاهتمام شيئًا نجهله؟

▪▪ثم جاء (كمال الصليبي) ليصبح كتاب العلامة (حمد الجاسر) أحد مراجعه في كتابه بعنوان: [التوراة جاءت من جزيرة العرب]. كل التساؤلات مشروعة، وتتعاظم يومًا بعد آخر. وعلينا دائمًا طرح الأسئلة والتساؤلات. وهذا ما جعلني أقول في مقدمة المقال حول ضرورة أخذ الإذن الأمني من أعلى مستوى في بلدي، لإجراء مثل هذه البحوث ونشرها في كتب.

▪▪أخير جاء أحد أبناء منطقة العرب العاربة (أحمد قشاش) ليواصل المشوار الذي نجهل خلفياته، وأبعاده، وأهدافه غير المعلنة، ونتائجه المستقبلية. فهل نسيء الظن أم نحسنه؟ هل يجب أن أقول: لك الله يا غافل؟ أم أقول كما تقول العرب: (وش السالفة؟) أم نردد نشيد المزاج العربي: في الجو غيم؟! بالتأكيد الطاسة ليست ضائعة، لكن هل تعيش المسؤولية الشخصية حالةً ضبابية؟

▪▪ الأهم، أنني تساءلت: لماذا هذا البحث؟ وأيضًا لماذا هو جزء من الكتاب؟ وأثناء القراءة، تمنيت على المؤلف أن يكون هذا البحث في كتاب مستقل، لتوضيح أبعاد الاهتمام باللهجات العربية لبلاد غامد وزهران، وأهميتها العالمية، سواء للهند، أو لجامعة ليدز البريطانية، أو للجن والشياطين تحت الأرض وفوقها. وللحديث بقية.

 

twitter@DrAlghamdiMH

mgh7m@yahoo.com

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: