الثلاثاء , يوليو 27 2021

جماليات التركيب اللغوي في قصيدة ( غيمة مارقة ) للشاعرة زكية المرموق قراءة نقدية للكاتب صالح هشام

الشاعرة مطرودة من جمهورية أفلاطون كغيرها من الشعراء لأنه رفض لغة شعرهم المجازية والخيالية التي تشوش على المعنى ، وهي من خلال قصيدتها( غيمة مارقة) يتضح أنها ضد الرؤية التي تكرس تبات المعنى التي تحكم على النص بالانغلاق ونفي التعدد وبالتالي تدميره وقتله .
شاعرتنا( دريدية ) النزعة لأنها تمارس الإبحار في الكتابة بلا عناية ، أي بلا وصاية العقل ، إبحارا سندباديا في كتابة القصيدة ، التي سيطل القاريء على مستغلقاتها من خرم الإبرة ، وذلك للأسباب التي سنعرج عليها في هذه القراءة وفق قدراتنا المعرفية ومنظورنا لطبيعة التحليل والتأويل الذي يضمنه لنا انفتاح النص على ملايين القراءات وتعدد المناهج والنظريات النقدية ، إذ هو نسيج منفتح وليس منغلقا ، وليس وليد لحظة من اللحظات وإنما يستمد جدوره من ثقافة إنسانية بمختلف أشكالها و مشاربها و التي تتشبع بها الشاعرة كما يتضح ذلك من خلال هذا النص !
تم تقسيم النص على مستوى تشكيل فضائه البصري إلى أربعة مقاطع ، يتبادر للوهلة الأولى أن كل مقطع يكاد يستقل بدلالاته الخاصة التي تميزه عن المقاطع الأخرى ، ولكن الاحتكام الى السياق العام للقصيدة يظهر وحدة الموضوع ، التي تشكل في حد ذاتها تيمة النص ، ركزت الشاعرة في بداية كل مقطع شعري على فتحه بكلمة (المسافة ) وهي ،على المستوى النحوي ، اسم معرف بال ، مبتدأ لأخبار تشكل السطور الشعرية في النص ، ففي كل مقطع نجد أخبارا لهذا المبتدأ : المسافة / تراتيل …المسافة / وسادة ،،،،،المسافة /صندوق ….المسافة حلم مقدد …)،وهكذا ذواليك تقريبا في باقي المقاطع وإن كان الاختلاف نسبيا من مقطع إلى آخر من حيث التركيب ، فالتركيب النحوي يتضح أنه بسيط ، ما دام لم يخرج عن حدود الجملة الإسمية .
قد يقول قائل أننا بصدد تحليل نص شعري فما علاقة هذا بالنحو ، أقول إن التحكم في تحليل الوحدات اللغوية واعتصارها للوقوف على مواطن الجمال في السياق ، يستوجب موضعتها في مكانها السليم من جغرافية الكلام ، وبعد ذلك نعود الى مسألة التركيب والإسناد وغيرهما للحفر في حقل اللغة الشعرية والبحث في جمالياتها في هذه القصيدة الشعرية بصفة عامة من خلال هاتين الخاصيتين !
وظفت الشاعرة( المسافة )أيقونة لجميع المقاطع الأربعة وهي في مستواها المعجمي لاتفيد الدلالة المجازية ، إذ لا تعني إلا مساحة المكان الذي له نقطة انطلاق وحتما له نقطة نهاية ، وتعني كذلك المدى الزمني والذي أيضا لن ينجو هو أيضا من نقطة انطلاق و نهاية إذ تقاس مدة السفر على سبيل المثال بمسافة الشهر أو اليوم أو غيره ، لكن عن أي مسافة تتحدث الشاعرة في هذا النص ؟
إن البحث عن الدلالة العميقة للكلمة لا تستوجب الوقوف عند منطوق النص ، لهذا كان من الضروري عدم فصل الوحدة اللغوية ( المسافة ) عن سياقها العام ( سياق القصيدة ) أو سياقها الخاص أي الجملة على مستوى التركيب النحوي ، فمزية الكلمة وفضيلتها تحصل من خلال هذا التركيب لأن إفراد اللفظة وعزلها لا تحصل فيها مفاضلة مع غيرها ، توظف ( الكلمة ) حلقة في سلسلة تشد فيها الحلقات أزر بعضها البعض لتعطيها متانة و قوة لفظا ومعنى ، وإن تبادر إلى الذهن أنها مستقلة ، فقد يكون استقلالها على مستوى التشكيل البصري الذي تفرضه طبيعة الفراغات في القصيدة وجدلية البياض والسواد ، أسندت المسافة إلى تراتيل التي أضيفت إلى رماد مفيدة في ذلك التعريف والتخصيص ،وكل كلمة في الجملة فد نستسيغها في هذا التركيب ، ونستصغرها ولا نهتم بها في تراكيب أخرى وبدون تركيبها تستوي في الدلالة على المعنى المعجمي ، نظرا لكون كل كلمة تمد التي قبلها أو بعدها بالحركة والحياة والحيوية فتنجو كلمات بجمال أخرى ولتعمل عملها في ذهن القاريء !
هي المسافة ، زمن الإنسان في هذه الحياة لاتساوي إلا تراتيل فارغة جوفاء ، من كل معنى ، ونحن نعرف أن التراتيل ما كانت في يوم من الأيام على ما هي عليه في هذا السطر الشعري في القصيدة ، ولكن إسنادها إضافة إلى رماد جعلها تكون كذلك ، ونستنتج أن الشاعرة لم تكن لتوظف كلمة رماد وهي لا تبحث لها عن حسن المجاورة لكلمات أخرى في التركيب ( مسافة / تراتيل ) و لو لم تكن تحيلنا بها إلى نصوص أخرى غائبة في نصها رغم استقلالية بنيته الشعرية ، هذه النصوص التي تستوجب البحث والتنقيب في طبقات المخزون المعرفي والثقافي للقاريء سواء صحت الإحالة وكانت مقصودة أو لم تكن كذلك ، فما هذه المسافة إلا رماد ، نعرف انه مخلفات انتحار العنقاء الذي ستنبعث من تحته من جديد وهنا إشارة ضمنية إلى نص الأسطورة : هذا يعني أن مسافتنا مهما طالت مهما كانت عريضة أو طويلة عامرة أو خالية لن تعدو أن تكون أشبه بأساطير رماد قديمة ، ومن هنا تستفيض الشاعرة بحرفية وذكاء في الإحالة والإيماءة إلى ما تريده من خلال هذا التركيب الذي لا يراه منطوق النص إلا مقولات نحوية تؤدي وظيفة جملة تواصلية لا أقل ولا أكثر ، ومن ثم تركب الشاعرة حصان الخيال المجنح ، ولن ترضى إلا بالبغاسوس ، مطية لها في عالم الخيال وبلاغة الغموض ،والانزياح في لغتها الشعرية /الشاعرية ، والتي حقيقة تستحق شهادة جاك دريدا ( هل اللغة إلا جنون له لذته ) أو شهادة نيتشه ( اللغة نوع من الجنون العذب عند الحديث بها يرقص الإنسان فوق الأشياء ) ومن تم تعمد إلى تعميق الحفر في تلافيف ذاكرتها الشاعرة عن مواطن المعاني الراقية التي تتسم بنوع من الحكمة من خلال إسناد كلمات إلى أخرى قد تخالفها في الخصائص والمزايا ، لتسمو ذائقتها الشعرية بميزة الكلم وترتفع به الى مستوى الاستحسان والاستطراف وتقع من نفس المتلقي موقعا عجيبا رائقا عندما يحقق متعة الكشف والاكتشاف واستجلاء الرموز من خلال قراءته المبدعة ، وهذا الكلم المختلف هو الذي سيكون نظام اللغة في النص ،تبرع الشاعرة هنا أساسا في كيفية خلق ذلك التآلف والانسجام والائتلاف بين هذه الكلمات التي تسند الواحدة ظهرها للأخرى إما قبلا أو بعدا فتحسن الأولى بحسن الثانية وتستظل بظلها وتستقوي من قوتها . والمزية في التركيب تكمن في هذا الاختلاف ( تراتيل / رماد ) (وسادة /خشبية )( صندوق /باع الذكريات ) وقس عل ذلك في باقي ثنايا السطور الشعرية و أرى أنه هناك تقارب كبير في مسألة الائتلاف والاختلاف في التركيب بين البنيوية التي اعتمدت على اللغة وساقها العالم السويسري دو سوسير الذي يقول (إن النظام اللغوي يحقق بواسطة الاختلاف الذي يحدث بين الوحدات والعناصر التي تكون النظام ) و نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني الذي يقول ( الكلام الناجح : شدة ائتلاف في شدة اختلاف ) وإن كان جاك دريدا يذهب أبعد من ذلك معتبرا أن : (النسق الاختلافي يجب ألا ينظر إليه كنسق بسيط يحيل إلى دالة بل كمجال للإحالات الدالة على حضور الاختلافات السابقة فكل عنصر ووحدة لغوية هما أثر لأثر العناصر الغائبة التي تنتمي لنفس النسق) وهذا ما أشرنا إليه في توظيف الرماد للإحالة على عناصر اسطورية في النص . و أعتقد أننا نتفق على أن وسادة من طينة خاصة ولها رمزيتها و خشبية من طينة أخرى لها خصائصها أيضا وان اشتركت الكلمتان في صفة المحسوس ، لكن الشاعرة أسندت هذه إلى تلك بغية صورة شعرية رائعة تدغدغ ملكة التأويل والتحليل والتفسير في نفس القاريء والتي ستدفعه إلى طرح السؤال : آملا أن يجد الجواب في مخزونات تلافيف دماغه فالوسادة في اعتقادي رمز لكل ما تحب النفس وتشتهي من طمأنينة و راحة و ترف و رفاهية ، وقس على ذلك ، ولكن الشاعرة وصفتها بما لا يجب أن توصف به على مستوى منطوق النص أو المستوى المعجمي ، فكيف تكون الوسادة خشبية ؟ ، والخبر (وسادة ) والصفة (خشبية ) هنا كلاهما متعلقان بالمبتدأ اي (المسافة) وتستمر الشاعرة بوميض كلماتها كالحشرات المضيئة التي تنير عتمة ليل دامس عز فيه ضوء القمر ، فما هذه المسافة الزمنية التي تمتص من الإنسان دمه وتستعبده ، وتسلب منه كل مظاهر القوة لن تعدو أن تكون إلا صندوقا بلا أبواب ولا سقف ، وهنا أشير ألى مسألة التقديم والتأخير الذي اعتمدته الشاعرة في هذه السطور الشعرية الرائعة ، حيث يفهم من هذا الصندوق أو هذه (المسافة/ الصندوق) أنها لن تكون إلا قبرا أو مثوى أخيرا لخشبة الإنسان الفانية وهنا تستعمل نوعا من الاستعارة المحلية من وجهة نظري كفاريء ، فتشير إلى المحل الذي هو الصندوق ، وعدم ذكر الحال فيه الذي ذهبت ذكرياته هباء منثورا تدروها الرياح ، ومن المقطع تكتمل الصورة التي تهدف الشاعرة إلى إيصالها للقاريء ، ،وتستمر محلقة في عالم الانزياح وبلاغة الغموض ، ناثرة سطورها الشعرية التي تشعرنا قراءتها(بنشوة كنشوة الخمر أو طرب كطرب الألحان )،( فالمسافة / أسطورة لم تزرها الآلهة ) والمعروف أن الأسطورة تعشش فيها الآلهة لأنها بطبيعة الحال تكون أبطالا لها، قليلة هي الأساطير بدون آلهة ، لكن كل شيء في القصيدة فقد خصائصه و ماهيته ، وكل شيء فقد ما له ، وما ينبغي أن يكون عليه ، كل ذلك لإبراز ماهية هذه المسافة ‏‎frown‎‏ رمز تعبيري الحياة / الاستيلاب / التعاسة / العبث …) إلى غير ذلك ، فلا الغريب بظله ولا الطريق بورقته ولا الدالية بعنبها ولا الكنيسية بأجراسها ولا النحات بأصابعه وقس على ذلك في توظيف هذه التراكيب التي تحسن مزيتها الظاهرة ، و لتصون هذه الرموز بعدا فاصلا بين النص والمتلقي إذ يجعله تفكيكها يحقق شهوة اختراق خفي الخفي وفضح المستور وبذلك يساهم في إعادة بناء النص وتشكيله ،وفق تصوراته وتبعا لخلفيته الثقافية وقدراته التخييلية ، فتأويل النص من أسباب انفتاحه على مغامرات القاريء في عالمه الدلالي وتاريخ تشكله باعتباره طبقات رسوبية لنصوص لا تعد ولا تحصى و على اعتبار أن الحاضر ما هو إلا وليد الماضي ، وهذا التراكم من النصوص هو الذي يكون دلالات النص وإن استقل ببنيته الشعرية ، ويتم ذلك كما نرى في هذا النص عن طريق التضمين أو التناص أي التفاعل الإيجابي مع نصوص اخرى من مختلف الحضارات والملل والنحل فهو كما ترى جوليا كريستيفا ( كل نص هو امتصاص أو تحويل لوفرة من النصوص الأخرى ) قد لا نكتشف وجودها إلا بإحالة الشاعرة أوالإشارة إليها ، كتوظيفها مثلا قصصا غربية تحولت إلى أساطير ، كقصة إليس كارول ( أليس في بلاد العجائب ) وخروج البطلة عن النص وبلاد العجائب وذلك لخدمة دلالة عبثية المسافة وللتمكن اكثر من هذا التناص يكون القاريء ملزما بالعودة للحفر في خبايا هذه النصوص التي تساهم بشكل او بآخر في تكوين بنية النص الشعرية ، وتشكيل دلالاته !!
بقلم الاستاذ صالح هشام
الثلاثاء ١٦~٢~٢٠١٦
___________________________________________________________
النص المعتمد للشاعرة زكية المرموق

غيمة مارقة٠٠٠

المسافة تراتيل رماد
وسادة خشبية
دون سقف
ولاباب
صندوق اسود باع ذاكرته
للرياح

المسافة
أسطورة لا تزورها الآلهة

أليس خارج النص
خارج بلاد العجائب

غريب دون ظل
ولا ورقة طريق

ثقب دائم في القلب

المسافة
دالية بدون عنب
كنيسة دون أجراس
نحاث بدون أصابع
نهر تاه عن طريق المصب

المسافة
حلم مقدد تحرسه غيمة عجوز
تلاحق ظلها

وأنا
وأنا طفلة تخشى الليل

وأنا
وأنا طفلة في يدها موعد
مع الرحيل٠

/المغرب ÷÷÷÷÷÷÷÷÷
الشاعرة مطرودة من جمهورية أفلاطون كغيرها من الشعراء لأنه رفض لغة شعرهم المجازية والخيالية التي تشوش على المعنى ، وهي من خلال قصيدتها( غيمة مارقة) يتضح أنها ضد الرؤية التي تكرس تبات المعنى التي تحكم على النص بالانغلاق ونفي التعدد وبالتالي تدميره وقتله .
شاعرتنا( دريدية ) النزعة لأنها تمارس الإبحار في الكتابة بلا عناية ، أي بلا وصاية العقل ، إبحارا سندباديا في كتابة القصيدة ، التي سيطل القاريء على مستغلقاتها من خرم الإبرة ، وذلك للأسباب التي سنعرج عليها في هذه القراءة وفق قدراتنا المعرفية ومنظورنا لطبيعة التحليل والتأويل الذي يضمنه لنا انفتاح النص على ملايين القراءات وتعدد المناهج والنظريات النقدية ، إذ هو نسيج منفتح وليس منغلقا ، وليس وليد لحظة من اللحظات وإنما يستمد جدوره من ثقافة إنسانية بمختلف أشكالها و مشاربها و التي تتشبع بها الشاعرة كما يتضح ذلك من خلال هذا النص !
تم تقسيم النص على مستوى تشكيل فضائه البصري إلى أربعة مقاطع ، يتبادر للوهلة الأولى أن كل مقطع يكاد يستقل بدلالاته الخاصة التي تميزه عن المقاطع الأخرى ، ولكن الاحتكام الى السياق العام للقصيدة يظهر وحدة الموضوع ، التي تشكل في حد ذاتها تيمة النص ، ركزت الشاعرة في بداية كل مقطع شعري على فتحه بكلمة (المسافة ) وهي ،على المستوى النحوي ، اسم معرف بال ، مبتدأ لأخبار تشكل السطور الشعرية في النص ، ففي كل مقطع نجد أخبارا لهذا المبتدأ : المسافة / تراتيل …المسافة / وسادة ،،،،،المسافة /صندوق ….المسافة حلم مقدد …)،وهكذا ذواليك تقريبا في باقي المقاطع وإن كان الاختلاف نسبيا من مقطع إلى آخر من حيث التركيب ، فالتركيب النحوي يتضح أنه بسيط ، ما دام لم يخرج عن حدود الجملة الإسمية .
قد يقول قائل أننا بصدد تحليل نص شعري فما علاقة هذا بالنحو ، أقول إن التحكم في تحليل الوحدات اللغوية واعتصارها للوقوف على مواطن الجمال في السياق ، يستوجب موضعتها في مكانها السليم من جغرافية الكلام ، وبعد ذلك نعود الى مسألة التركيب والإسناد وغيرهما للحفر في حقل اللغة الشعرية والبحث في جمالياتها في هذه القصيدة الشعرية بصفة عامة من خلال هاتين الخاصيتين !
وظفت الشاعرة( المسافة )أيقونة لجميع المقاطع الأربعة وهي في مستواها المعجمي لاتفيد الدلالة المجازية ، إذ لا تعني إلا مساحة المكان الذي له نقطة انطلاق وحتما له نقطة نهاية ، وتعني كذلك المدى الزمني والذي أيضا لن ينجو هو أيضا من نقطة انطلاق و نهاية إذ تقاس مدة السفر على سبيل المثال بمسافة الشهر أو اليوم أو غيره ، لكن عن أي مسافة تتحدث الشاعرة في هذا النص ؟
إن البحث عن الدلالة العميقة للكلمة لا تستوجب الوقوف عند منطوق النص ، لهذا كان من الضروري عدم فصل الوحدة اللغوية ( المسافة ) عن سياقها العام ( سياق القصيدة ) أو سياقها الخاص أي الجملة على مستوى التركيب النحوي ، فمزية الكلمة وفضيلتها تحصل من خلال هذا التركيب لأن إفراد اللفظة وعزلها لا تحصل فيها مفاضلة مع غيرها ، توظف ( الكلمة ) حلقة في سلسلة تشد فيها الحلقات أزر بعضها البعض لتعطيها متانة و قوة لفظا ومعنى ، وإن تبادر إلى الذهن أنها مستقلة ، فقد يكون استقلالها على مستوى التشكيل البصري الذي تفرضه طبيعة الفراغات في القصيدة وجدلية البياض والسواد ، أسندت المسافة إلى تراتيل التي أضيفت إلى رماد مفيدة في ذلك التعريف والتخصيص ،وكل كلمة في الجملة فد نستسيغها في هذا التركيب ، ونستصغرها ولا نهتم بها في تراكيب أخرى وبدون تركيبها تستوي في الدلالة على المعنى المعجمي ، نظرا لكون كل كلمة تمد التي قبلها أو بعدها بالحركة والحياة والحيوية فتنجو كلمات بجمال أخرى ولتعمل عملها في ذهن القاريء !
هي المسافة ، زمن الإنسان في هذه الحياة لاتساوي إلا تراتيل فارغة جوفاء ، من كل معنى ، ونحن نعرف أن التراتيل ما كانت في يوم من الأيام على ما هي عليه في هذا السطر الشعري في القصيدة ، ولكن إسنادها إضافة إلى رماد جعلها تكون كذلك ، ونستنتج أن الشاعرة لم تكن لتوظف كلمة رماد وهي لا تبحث لها عن حسن المجاورة لكلمات أخرى في التركيب ( مسافة / تراتيل ) و لو لم تكن تحيلنا بها إلى نصوص أخرى غائبة في نصها رغم استقلالية بنيته الشعرية ، هذه النصوص التي تستوجب البحث والتنقيب في طبقات المخزون المعرفي والثقافي للقاريء سواء صحت الإحالة وكانت مقصودة أو لم تكن كذلك ، فما هذه المسافة إلا رماد ، نعرف انه مخلفات انتحار العنقاء الذي ستنبعث من تحته من جديد وهنا إشارة ضمنية إلى نص الأسطورة : هذا يعني أن مسافتنا مهما طالت مهما كانت عريضة أو طويلة عامرة أو خالية لن تعدو أن تكون أشبه بأساطير رماد قديمة ، ومن هنا تستفيض الشاعرة بحرفية وذكاء في الإحالة والإيماءة إلى ما تريده من خلال هذا التركيب الذي لا يراه منطوق النص إلا مقولات نحوية تؤدي وظيفة جملة تواصلية لا أقل ولا أكثر ، ومن ثم تركب الشاعرة حصان الخيال المجنح ، ولن ترضى إلا بالبغاسوس ، مطية لها في عالم الخيال وبلاغة الغموض ،والانزياح في لغتها الشعرية /الشاعرية ، والتي حقيقة تستحق شهادة جاك دريدا ( هل اللغة إلا جنون له لذته ) أو شهادة نيتشه ( اللغة نوع من الجنون العذب عند الحديث بها يرقص الإنسان فوق الأشياء ) ومن تم تعمد إلى تعميق الحفر في تلافيف ذاكرتها الشاعرة عن مواطن المعاني الراقية التي تتسم بنوع من الحكمة من خلال إسناد كلمات إلى أخرى قد تخالفها في الخصائص والمزايا ، لتسمو ذائقتها الشعرية بميزة الكلم وترتفع به الى مستوى الاستحسان والاستطراف وتقع من نفس المتلقي موقعا عجيبا رائقا عندما يحقق متعة الكشف والاكتشاف واستجلاء الرموز من خلال قراءته المبدعة ، وهذا الكلم المختلف هو الذي سيكون نظام اللغة في النص ،تبرع الشاعرة هنا أساسا في كيفية خلق ذلك التآلف والانسجام والائتلاف بين هذه الكلمات التي تسند الواحدة ظهرها للأخرى إما قبلا أو بعدا فتحسن الأولى بحسن الثانية وتستظل بظلها وتستقوي من قوتها . والمزية في التركيب تكمن في هذا الاختلاف ( تراتيل / رماد ) (وسادة /خشبية )( صندوق /باع الذكريات ) وقس عل ذلك في باقي ثنايا السطور الشعرية و أرى أنه هناك تقارب كبير في مسألة الائتلاف والاختلاف في التركيب بين البنيوية التي اعتمدت على اللغة وساقها العالم السويسري دو سوسير الذي يقول (إن النظام اللغوي يحقق بواسطة الاختلاف الذي يحدث بين الوحدات والعناصر التي تكون النظام ) و نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني الذي يقول ( الكلام الناجح : شدة ائتلاف في شدة اختلاف ) وإن كان جاك دريدا يذهب أبعد من ذلك معتبرا أن : (النسق الاختلافي يجب ألا ينظر إليه كنسق بسيط يحيل إلى دالة بل كمجال للإحالات الدالة على حضور الاختلافات السابقة فكل عنصر ووحدة لغوية هما أثر لأثر العناصر الغائبة التي تنتمي لنفس النسق) وهذا ما أشرنا إليه في توظيف الرماد للإحالة على عناصر اسطورية في النص . و أعتقد أننا نتفق على أن وسادة من طينة خاصة ولها رمزيتها و خشبية من طينة أخرى لها خصائصها أيضا وان اشتركت الكلمتان في صفة المحسوس ، لكن الشاعرة أسندت هذه إلى تلك بغية صورة شعرية رائعة تدغدغ ملكة التأويل والتحليل والتفسير في نفس القاريء والتي ستدفعه إلى طرح السؤال : آملا أن يجد الجواب في مخزونات تلافيف دماغه فالوسادة في اعتقادي رمز لكل ما تحب النفس وتشتهي من طمأنينة و راحة و ترف و رفاهية ، وقس على ذلك ، ولكن الشاعرة وصفتها بما لا يجب أن توصف به على مستوى منطوق النص أو المستوى المعجمي ، فكيف تكون الوسادة خشبية ؟ ، والخبر (وسادة ) والصفة (خشبية ) هنا كلاهما متعلقان بالمبتدأ اي (المسافة) وتستمر الشاعرة بوميض كلماتها كالحشرات المضيئة التي تنير عتمة ليل دامس عز فيه ضوء القمر ، فما هذه المسافة الزمنية التي تمتص من الإنسان دمه وتستعبده ، وتسلب منه كل مظاهر القوة لن تعدو أن تكون إلا صندوقا بلا أبواب ولا سقف ، وهنا أشير ألى مسألة التقديم والتأخير الذي اعتمدته الشاعرة في هذه السطور الشعرية الرائعة ، حيث يفهم من هذا الصندوق أو هذه (المسافة/ الصندوق) أنها لن تكون إلا قبرا أو مثوى أخيرا لخشبة الإنسان الفانية وهنا تستعمل نوعا من الاستعارة المحلية من وجهة نظري كفاريء ، فتشير إلى المحل الذي هو الصندوق ، وعدم ذكر الحال فيه الذي ذهبت ذكرياته هباء منثورا تدروها الرياح ، ومن المقطع تكتمل الصورة التي تهدف الشاعرة إلى إيصالها للقاريء ، ،وتستمر محلقة في عالم الانزياح وبلاغة الغموض ، ناثرة سطورها الشعرية التي تشعرنا قراءتها(بنشوة كنشوة الخمر أو طرب كطرب الألحان )،( فالمسافة / أسطورة لم تزرها الآلهة ) والمعروف أن الأسطورة تعشش فيها الآلهة لأنها بطبيعة الحال تكون أبطالا لها، قليلة هي الأساطير بدون آلهة ، لكن كل شيء في القصيدة فقد خصائصه و ماهيته ، وكل شيء فقد ما له ، وما ينبغي أن يكون عليه ، كل ذلك لإبراز ماهية هذه المسافة ‏‎frown‎‏ رمز تعبيري الحياة / الاستيلاب / التعاسة / العبث …) إلى غير ذلك ، فلا الغريب بظله ولا الطريق بورقته ولا الدالية بعنبها ولا الكنيسية بأجراسها ولا النحات بأصابعه وقس على ذلك في توظيف هذه التراكيب التي تحسن مزيتها الظاهرة ، و لتصون هذه الرموز بعدا فاصلا بين النص والمتلقي إذ يجعله تفكيكها يحقق شهوة اختراق خفي الخفي وفضح المستور وبذلك يساهم في إعادة بناء النص وتشكيله ،وفق تصوراته وتبعا لخلفيته الثقافية وقدراته التخييلية ، فتأويل النص من أسباب انفتاحه على مغامرات القاريء في عالمه الدلالي وتاريخ تشكله باعتباره طبقات رسوبية لنصوص لا تعد ولا تحصى و على اعتبار أن الحاضر ما هو إلا وليد الماضي ، وهذا التراكم من النصوص هو الذي يكون دلالات النص وإن استقل ببنيته الشعرية ، ويتم ذلك كما نرى في هذا النص عن طريق التضمين أو التناص أي التفاعل الإيجابي مع نصوص اخرى من مختلف الحضارات والملل والنحل فهو كما ترى جوليا كريستيفا ( كل نص هو امتصاص أو تحويل لوفرة من النصوص الأخرى ) قد لا نكتشف وجودها إلا بإحالة الشاعرة أوالإشارة إليها ، كتوظيفها مثلا قصصا غربية تحولت إلى أساطير ، كقصة إليس كارول ( أليس في بلاد العجائب ) وخروج البطلة عن النص وبلاد العجائب وذلك لخدمة دلالة عبثية المسافة وللتمكن اكثر من هذا التناص يكون القاريء ملزما بالعودة للحفر في خبايا هذه النصوص التي تساهم بشكل او بآخر في تكوين بنية النص الشعرية ، وتشكيل دلالاته !!
بقلم الاستاذ صالح هشام
الثلاثاء ١٦~٢~٢٠١٦
___________________________________________________________
النص المعتمد للشاعرة زكية المرموق

غيمة مارقة٠٠٠

المسافة تراتيل رماد
وسادة خشبية
دون سقف
ولاباب
صندوق اسود باع ذاكرته
للرياح

المسافة
أسطورة لا تزورها الآلهة

أليس خارج النص
خارج بلاد العجائب

غريب دون ظل
ولا ورقة طريق

ثقب دائم في القلب

المسافة
دالية بدون عنب
كنيسة دون أجراس
نحاث بدون أصابع
نهر تاه عن طريق المصب

المسافة
حلم مقدد تحرسه غيمة عجوز
تلاحق ظلها

وأنا
وأنا طفلة تخشى الليل

وأنا
وأنا طفلة في يدها موعد
مع الرحيل٠

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: