الخميس , أكتوبر 29 2020

الدكتور علاء صديق يكتب: هنا جابر نصار.. فمن هناك؟!

لم يكن يوم 2013/8/1 يوما عاديا فى حياة ذلك الرجل جابر نصار لكنه كحاله كل يوم يفتح ذراعيه، يعانق الشمس، يواجه الأبواب المغلقة بابتسامة خضراء، يؤمن بأن المسافات الرائعة ليست بعيدة، يؤمن أيضا بأنه يمكن أن يجدها فى كل حين كلما أغمض عينيه واتجه نحو البصيرة، كلما ذاب الضوء فى شفق السماء .

رغم الكثير من المشاعر السلبية التى كانت تحكم مصر فى ذلك الوقت ‘اعتصام رابعة،قنابل مولوتوف فى جامعة القاهرة ،رصاص ينتظره مكتبه ،ساعة جامعة القاهرة تتوقف لأول مرة فى تاريخها’تاريخها’ يا الله !من الذى أتى بجابر نصار فى هذا التوقيت العصيب من عمر الوطن أيكون شأن للجسد حينما تختنق الروح ؟

أقول ذلك وأنا على يقين من أن الذى يعيش المأساة غير الذى يسمع بها أو يقرا الآن تلك الكلمات فالفرق كبير. إن الذى جاء بجابر نصار هى تلك الأصوات ال 74 لزملاءه يا لهذا الزخم من المشاعر التى تنتاب رئيس اهم جامعة فى مصر!

وهو يدخل من الباب الرئيس يقابله بعض العمال ذوى الملابس الرثة يبدو على وجوههم الوجوم وسوء الحال يقابلونه بتلك الكلمات -يا دكتور جابر متدخلش من هنا لو سمحت فيه بعض زملاءنا عاملين مظاهرة عشان احنا مقبضناش من 3 شهور ياريت تدخل من الباب الخلفى.

ابتسم جابر نصار وأردف قائلا: إذا لم يستطع رئيس جامعة القاهرة الدخول من الباب الرئيسى لمكتبه فإن عليه الرحيل وهنا يجب الحكم على الرجل الحقيقى والقائد الحقيقى فى هذا التوقيت الحرج لا أمن لا أمان الاضطرابات فى كل مكان.

وأذكر الآن أن احد الوزراء كان فى اجتماع يحيطه الحرس والحراس وأبلغوه أن مجموعة من المعارضين ستقتحم الاجتماع لاعتراضهم على بعض القرارات فخرج من الباب الخلفى.

هنا يظهر المبدأ لدى صاحبه ويعنى فى هذا السياق الثبات فى الموقف دفاعا عن قيمة حقيقية يؤمن بها صاحبها ولا يتخلى عنها مهما تغيرت الظروف وهنا تندرج قضايا عديدة فى حياة جابر نصار لست فى حل من أذكر جميعها بسبب خصوصية بعضها، لكن الأهم الآن هى قضية الالتزام بما يتطلبه دفاع المرء عن وطنه وخصوصا فى زمن تعرضه للعدوان بشكل أو بآخر.

وإلى ذلك يتخطى المرء ذاته إلى ما وراءها إن صح التعبير .كانت روح المبادرة موجودة لدى جابر نصار لاحتواء أول المواقف كما كانت لديه روح الحياد التى جعلته يغلق مركزه للاستشارات القانونية الذى يدر عليه أرباحا كثيرة ويفسخ حتى العقود التى كانت قد أبرمت قبل فوزه برئاسة جامعة القاهرة بأيام وظل ل 4 سنوات يدفع من جيبه الخاص مرتبات العشرات الذين يعملون فى هذا المركز حتى لا يقال إن جابر نصار يستغل منصبه الجديد لعمل أى صفقة، أراد نصار أن يغلق مع هذا المركز الباب أمام أى ظن أو أى متربص.
استطاع نصار فى أول يوم عمل أن يتخذ قرارا واحدا وهو إعادة تشغيل مصنع العلف الموجود بمركز التجارب الزراعية ب 70 ألف جنيه من جيبه الخاص هذا المصنع كان شرارة انطلاقة لأرباح للجامعة بنحو أربعة ملايين جنيه بعد ثلاثة شهور فقط.

تجلت فى شخصية جابر نصار خلال الأسبوع الأول بعض السمات كشفت عنها قراراته، والتى تنم عن سلامة الحس واستقلال الرأى والنظرة المنصفة للرفاق بصرف النظر عن وجودهم فى هذا الموقع أو ذاك الأمر الذى جعله يعيد النظر فيما يتقاضاه الكل من حوافز وبدلات.

وفى الشهر الأول عادت إلى الخزينة التى تسلمها خاوية تماما ملايين الجنيهات بسبب تطبيق خطة “مفيش حد أحسن من حد” وتطبيق خطة من أخذ شيئا بغير حق فليرجعه.
انا لست بصدد الحديث عن مئات القرارات التى اتخذها الدكتور جابر نصار والتى تحدثت عن الكثير منها سابقا، فالمراجع لإنجازات جامعة القاهرة يمكنه التعرف عليها، لكننى بصدد الحديث الصريح عن سيكولوجية الشخصية لدى نصار وعن كيفية الاستفادة من شخص يملك عقلية شديدة النفور من البيروقراطية، بيروقراطية القمة والعظمة، إنه أبسط من هذا بكثير للدرجة التى تجعله يرى بعينى رأسه هؤلاء الذين يسبونه على صفحات الفيس بوك بل على صفحته الشخصية فيغض الطرف عنها.

إننى بصدد الحديث إلى دولة رئيس مجلس الوزراء فى هذا الوقت العصيب من عمر الوطن، هناك رجال يحفظون صورة بلادهم ويطبعونها فى الذاكرة مهما كان مكانهم حتى لو كانوا بعيدا عن مركز إتخاذ القرار، وإذا كان التعليم يهمنا فيجب أن تكون هناك مكاشفة حقيقية لمشكلاتنا، فالتعليم يواجه مشكلة عويصة تتمثل فى أنه قائما على التلقين وعلى أسلوب المحاضرة القائمة على الإلقاء وعلى الامتحانات القائمة على الحفظ والاستظهار.

إن مصر تواجه مشكلة على الصعيد التعليمى وأزمة واضحة للعيان أبرز مثال صارخ لتوضيحها، أن أحدا يحلم بزراعة القطن طويل التيلة فى الصحراء الغربية يا دولة رئيس مجلس الوزراء، إننا فى مرحلة حرجة للغاية من عمر مصر، يبرز فيها دور المتميزين الذين يؤمنون بأن أى حديث عن تطوير التعليم دون مواجهة مشكلاته الأساسية وهى الكثافة اللامعقولة، الدروس الخصوصية، الفساد الإدارى، تدنى أحوال المعلم، عقم المؤسسات التعليمية عن توليد الأفكار الملهمة ،تباين المناهج والنظم التعليمية التى تؤثر سلبا فى وجدان المصريين وتنتقص أو تشوه هويتهم، هو قفز إلى المجهول وتضييع لفرصة أخرى لنهوض الامة المصرية .
أولئك الذين يؤمنون بأن الإبداع الحقيقى هو الذى تصنعه المنظومة فى وضع حلول غير مكلفة لمشكلات عويصة .

يا دولة رئيس الوزراء: عندما تواجه الأمم أزمات وتقرر أن تتجاوز تخلفها أو تراجعها، إذا أردنا القول، يجب أن يتصدر المتميزون وأن نوفر لهم كل الطاقات، هؤلاء الذين لن يكلفوا ميزانيتنا أى شىء لأن لديهم أفكارا ثرية خارج الصندوق، وإذا طللنا على الأمس سنطل على تجربة فريدة هى تجربة جابر نصار، تجربة واجهت ظلام العقول فى صمت شديد وتواضع منقطع النظير تجربة تعرف من خلالها على ما يمكن أن نسميه إرادة النجاح والتميز، تجربة من بدايتها إلى نهايتها كانت شقاء فى شقاء، وفى قلب هذا الشقاء هناك رجل حاربه وانتصر عليه.

أود التنويه للجميع قبل أن أضع جملة النهاية، أن جابر نصار رفض وزارة التعليم والتعليم العالى والجميع يعرف ذلك من قبل، لكن آن الأوان أن نقول نحن كلمتنا لجابر نصار، فالكلمة شرف وأمانة ومسئولية وصوت ضمير، ولدولة رئيس مجلس الوزراء: يا سيدى هنا جابر نصار فمن هناك؟
وكل لبيب بالإشارة يفهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: