الثلاثاء , يوليو 27 2021

ين السطور وأتمَّ القصيدة….نص أدبي للكاتب حسن شاحوت

أبحثُ عن شيءٍ مختلفٍ في لغةِ النحو وأسرار الصيادين، شيءٌ يليّن من حدّة الزوارق فوق صدر النهر، ويجعل الريح أنيقةً ومرئيّةً أكثر من شجرةٍ تخلع ثيابها على بساط الدفء وتفضح علاقة الزوارق والنهر، الزوارق تجري في ذاكرةِ الريح وأنا لستُ بحاجةٍ لخدعةٍ استعارية تضاعف ما تحدّر عليَّ من إبلٍ محملةٍ بغيومِ اليأس.

كان عليَّ أن أبتسم لصوتِ صديقتي في دهاليزِ الغربة، وأرسمها -بلا مقاسات- على شكلِ ناي الجنوب، مثخناً بالطعنات، ممتدَّاً كظلِّ المقبرة، قلتُ لقلبي وهو يرسم أشكالاً وقوارب لغيومِ الكلمات، سأذهب إلى القامشلي، أفليها شارعاً شارعاً بأصابعي الخشنة، وأحتارُ..! من أين تأتي القصيدة بشرائطِها البيضِ والنظرة الناعسة؟

منذُ أول ليل الحرب وأنا لا أعرف كيف أوقظ ضحكة نائمة على مصطبة الشاعر، ولا كيف أخرج من الممرِ المؤدي إلى حدود الشِعر وانهيار الكلام، لا أعرف كيف أستطيع إقامة وطنٍ بيني وبين أوجاع الوقت، كي أتمكن من إطفاء البيت المشتعل بالغياب وأساطير الذكرى.

كان عليَّ أن أتبسم لصوتِ صديقتي بلا غاية، حيث كنا نثرثر في كلِّ شيءٍ ونتقاسم عرق الفلاحين وأغنيات النساء والذكريات الجميلة، الذكرياتُ: عصفورةٌ أحلبها قبل الأذان الأخير، الذكرياتُ حركة في الظلام، عطرٌ في المكان، سنبلةٌ على سفوحِ صدركِ الشاهق كالشعراء، أيها الوقت الذي يأتي على شكل أنثى هل نلتقط صورة للذكرى؟!.

الذكرياتُ التي التقطها المصور لنا -في بداية التسعينيات- بجانب النافذة، عندما كبرنا قليلا زيناها بإطارٍ خشبي، أخذنا ننقلها من غرفةٍ إلى غرفة ونلمع زجاجها كلما أردنا أن نتلمس طفولتنا، الذكرياتُ: ليتني أخبرتُ أمي بذلك، مرة كنتُ حافي الرأس وتسلقتُ بيت الجيران، مرة كنتُ شجرة -وجهي مليء بالريح- وتسلقتني بنت الجيران، عذراً.. عذراً، سأخبرك عن الذكريات التي كتبها أولاد حارتنا في الدراسة الابتدائية بعد أن يسقط الطاغية من المشنقة.

الذكرياتُ بحثٌ طويلٌ جداً وخصوصاً ذكريات الموتى، غابةٌ واسعةٌ جداً، أشجارها لا تكترث بمن دخل ومن خرج، ولأنك شخص جديد هنا عليك أن تجمع حطبك الشخصي لتنور المنفى.

الأرضُ وحروب العشاق سبع، السنين العجاف والسماوات التي تخون العصافير سبع، براعم الاشتهاء سبعة والماء ليس أكيداً في النص.

البحار السبعة دهمها سرّ الغواية أمام باب المقطوعات الشعرية، أكمام الهواء وشرائط الغيم وزعانف روحي، أقواس قزح وضحكات المطر علينا، الأمنيات في دفاترنا وأراجيح الأزل سبعة، الألوان في قصيدة النثر سبعة، قضم أظافر الارتباك حين يدهمني غيث حضوركِ، لهيب الحنين المُتقطّر وانحسار المسافة فوق شفاهٍ قرمزية، التمهّل جحيم الأسئلة وازدحام الوجوه والعيون في دمي، عشب الفرح المرخيّ إذ تفرغ الحبيبة مني، قوافل الحزن تحمل ملامحنا إلى آخرِ السطر، القلقُ المُتدثّرُ بعباءتهِ الرمادية يخرجُ علينا وكأنه مارد أزرق، صهيل القلب -أسود الكحل- لا يصلح أن يكون زورقاً لعبورِ نهرِ القصيدة.

ضعي فاصلة منقوطة أو غيمة فضفاضة حين تبكين، كي يستطيع موتى الحبّ قراءة بخارِ الذكريات وفواتير الحنين، ضعي الرقصات الشعبية وتراتيل التراب وأقواس الكتابة أمام حشود العواطف وطوابير الأحلام وثقوب الذكريات، لحظة كي أنفض ذاكرتي، مرة وبسبب نافذة مفتوحة سقطتُ في العشق، رأيت نهاية صوتي والدود ينهش ذاكرتي، آسفٌ جداً للخطأ، الحبُّ لا يجيد الكلام وأنا لا أجيد البكاء على رصيفِ النساء، كان عليَّ أن أبتسم لصوتِ صديقتي المنفرطِ -كعنقودٍ مدهشٍ- بين السطور وأتمَّ القصيدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: