الثلاثاء , سبتمبر 22 2020

ضياع…/ قصة قصيرة .. كتبت : ليلى المرّاني

..في ليلةٍِ حالكة السواد مدلهمّة، يزيدها وحشةً نباح كلابٍ سائبة يمزِّق عتمة الليل الموحش.. وبيوت قديمة متهالكة تحتضن بعضها كي

لا تتهاوى، غارقةً في صمتٍ حزين، اقتحموا الدار وعتمة الليل عنوةً؛ وجوهٌ فولاذية مصفّحة، صبّوا نظراتهم رصاصاً على أجسادٍ خائفة ترتعش، احتضنت الأم ابنتها ذات العامين بقوة، محتميةً بزوجها الذي أفرد ذراعيه، يحميهما. بعثروا أشياءهم الصغيرة، مزّقوا الوسائد وحشوة الفراش؛ ووجدوا دليل إدانته.. صورة القائد الرمز وأوراقاً دامغة على أنه يعمل بتنظيمٍ سرّي. انهالت عليه الصفعات والركلات ببساطيلهم الثقيلة، سالت دماؤه، وعلا بكاء طفلته، ومرتعشةً بحالة صرعٍ مخيفة سقطت امرأته أرضاً. معصوب العينين اقتادوه، ومن يومها لم تعرف له طريقاً، وفِي عداد الأموات حسبته. تخرج من تحت وسادتها صورةً قديمة له..
– هذا بابا..
– أين هو؟ .. تتساءل الصغيرة بعد عام..
– سافر..
– متى يعود؟ ..
– لا أعلم..
وتشهق بالبكاء، وطفلتها ملتفّةً حول رقبتها. زميل له في السجن خرج لتوّه يحمل رسالةً لها، فاهتدت إلى مكانه؛ بصحبة ابنتها ذات ثلاثة أعوام قادتها خطاها مرتجفةً إليه..
– سترين بابا اليوم، سيعطيك الحلوى. ..
جذلاً ضحكت الصغيرة، وتطايرت ضفيرتها في الهواء، تسابق خطاها.. في قاعة كبيرة باردة، يجلس رجال كثيرون إلى طاولاتٍ خشبية. مزيج من الإعياء والترقب يرتسم أملاً خجولاً في عيونهم، برؤية أحباءٍ لهم فارقوهم منذ أمد. حملقت الأم بلهفة في الوجوه، تبحث.. وعلا وجيب قلبها حتى كاد يُسمع، وفي غفلةٍ منها انطلقت الصغيرة إلى أقرب رجلٍ رأته، لحيته بيضاء صغيرة، وتجاعيد بعمق الزمن أخاديد حفرت في وجهه. ركضت إليه.. بابا.. بابا، قبل أن تستيقظ الأم من ذهولها..
– ليس أباك، ليس أباكِ، حبيبتي..
صاحت بصوتٍ يختنق. فتح ذراعيه بلهفة، ارتمت على صدره تقبّله.. احتضنها بكلِّ حرمانه وشوقه، بلّلت دموعه وجهها الصغير.. ومن بعيد يطالعه وجه ابنته الغائبة، مبتسماً .. اعتصرها على صدره.. وبكى..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: