الأربعاء , سبتمبر 23 2020

وجع الذكريات .. كتب : محمد صوالحة

العودة من النبطية لبيروت (( وجع الذاكرة )

بدأ النعاس يداعب عيوني من أثر النسيم الذي يدغدغ جسدي، وإنجيليا من الخلف تقول اقتربنا الآن من النبطية .
تضحك إنجي وهي تردد لا تخبريه ماما هلق يفتح البيسبوك؛ لتعلو أصوات ضحكاتنا في السيارة، ونتابع المسير ، أبو نجيب يصر أن يسير ببطء ، وكلما طلبت منه زيادة السرعة يقول لي بأن الدرب وعر وملتو، حتى وصلنا النبطية وهنا توقفنا .
– ما بك أبا نجيب لما توقفت؟
-قال : لتدخن ، أتعرف أين نحن ؟

قلت : بالطبع نحن في النبطية .
قال : أتعرف ماذا يقع جنوب النبطية ؟
قلت : لا.
قال :عجبا لكم ألا تتعلمون الجغرافيا ؟
للجنوب من هنا صور ، وقانا ، وعندما سمعت اسم قانا طارت ذاكرتي لنيسان 1996 م، وتلك المجزرة التي قامت بها قوات الاحتلال الإسرائيلي، والتي استشهد بها ما يزيد عن مئة شهيد إثر قصف قوات الاحتلال لمقر قوات حفظ السلام بعد لجوء المدنيين إليه، هرباً من عناقيد الغضب التي قصف بها الجنوب وصور
تحديد اً، جالت الدمعة في عيني ورحت ألعن أمة العرب من جديد التي ما عادت تعرف الثأر ولا تستعيد حق أبنائها المسفوح دمهم على أيد نجسة، هيا أبا نجيب لا أريد الوقوف هنا أكثر .
سألني :ما بك ؟
قلت : لا شيء .
لا أدري لماذا جنوب لبنان أعادني لطفولتي وإلى ما قبل المدرسة بالرغم أني عجزت عن استذكار أي شيء حين حاولت الكتابة عن دير علا .
تابعنا مسيرنا ودخلنا صيدا المزدانة بأنوارها ومبانيها المتراصة على الشارع وتوقفنا بعد الإشارة الضوئية عند مخابز وأسواق شمسين (باتيسري )، تركتهم يتسوقون وعدت إلى الخلف ، أسير بجانب سور مخيم عين الحلوة ، أسأل نفسي إلى متى أيها الشعب الأبي ستبقى رازحاً في المخيمات مشتتا في بلاد الدنيا ؟ في تلك اللحظة كفرت بنفسي وتمنيت لو لم أكن عربياً ، شعرت بالخجل من عروبتي التي رضيت بالذل وتأقلمت معه ، ماذا ورثنا عن الأجداد ؟ ماذا ورثنا عن ذلك الخليفة الذي سير جيشاً أوله في أنطاكيا وآخره في بغداد لينجد امرأة؟
والآن شعوب مشردة ونساء ثكلى أيتام ولا من يحرك ساكنا، عدت إلى السيارة بلون غير لوني، عدت مترنحاً وكأني ثمل، حقاً كنت ثملاً من الوجع.
صعدنا للسيارة من جديد والبوظة (( الأيس كريم)) بأيدينا وتابعنا مسيرنا إلى بيروت ، وفي الطريق بعد صيدا بقليل أخبرني أبونجيب أن المنطقة التي تقع على يميننا اسمها جزين، ما انتبهت لما قال ، لأني عرفت الآن معنى أن تصمد وتقاتل وحيداً لأجل عزتك وكرامتك ، تعلمت هذا جيداً من أبناء فلسطين الأبية، من أبناء لبنان التاريخ والحضارة.
وصلنا بيروت ، دخلنا للبيت ، قليل من الوقت وأحضرت الرائعة إنجيليا قهوتي فسألتها : هل من بيرة؟
فقالت : نعم .
قلت : أريد واحدة لعلي أنام ، أحضرتها .. ارتشفتها فكانت لي منبها،عدت لأجلس على النافذة لأنسى الذاكرة التي اشتعلت في رحلة الجنوب ، أتأمل النوافذ وأتساءل من تقف خلف تلك الستارة، أتخيل أشكال من يجلسن خلف تلك الشبابيك، وما يرتدين من زينة ، وما ينثرن من عطر، وما أن أغرق في الحلم … اتخيل لونا هناك تقف خلف تلك النافذة تبتسم من بعيد فتنير ليلي … لا ليست خلف تلك النافذة هذا النور الخافت ليس نور غعينيها .. بل هي هناك في خلف النافذة التي تقابلني .. هذه الموسيقى التي اسمعها .. هي صوت ضحكتها … يااااه من لونا التي خريطة وطن … وسماء لا ترضى روحي الا ان تحلق في فضائها حتى يوقظ روحي وتخلصها من وجع الجنوب. .
في حوالي الحادية عشرة ليلاً جاءت إنجيليا لتجلس على البلكونة ، فرحت جداً بقدومها، وطلبت منها أن تسمعني ما كتبت ، فراحت تقرأ لي واقرأ لها نتناقش في نصوصها وهلوساتي حتى وقت متأخر من الليل، تركتني وغادرت وبقيت وحدي على النافذة حتى تنفس الفجر وفاح عطر الصباح ، وولدت الشمس من جديد لتخبرني بأن يوم آخر فر من رحلتك ، وأصفع روحي بالسؤال لماذا الوقت الآن يسير بسرعة رهيبة ؟ وعشر ساعات في المطار مرت كأنها عمر كامل.
كم جميل هو السهر بصحبة الخيال وأنت تنتظر رحلة أخرى ووجوها أخرى.
*******
” يتبع “”
من كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة الصادر عن دار الغاية للنشر والتوزيع 2018

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: