ثقافة وفنون

أشرف الريس يكتب عن : ذكرى ميلاد إلياس مؤدب

يوافق اليوم الذكرى السنوية الـ 103 لميلاد الفنان الكوميدى خفيف الظل ” إيليا مهدب ساسون ” الشهير بإلياس مؤدب و هو الفنان الرائع خفيف الظل الذى الذى ارتبط به الجمهور من خلال منولوج ” الحبيب المجهول ” الذى كان يُغنى فيه مقطع ” جيتك من أخر لبنان مشغول الفكر و حيران.. و حياة عيون الخلان لأشرب من نهر الغزلان .. نظرة واحدة تشبك قلبى بها العنتين .. كلمة واحدة تصير معاهدة بين قلبين ” فمن خلال هذا المونولوج الذى جمعه بالفنانة ليلى مُراد و إسماعيل ياسين دخل مؤدب إلى قلوب المُشاهدين و استقر بها و احتار الكثيرون منهم فى جنسيته بسبب إتقانه اللهجة الشامية إتقاناً مُتميزاً حيث ظنوا أنه إما سورياً أو لبنانياً لكن إلياس مؤدب لم هذا و لا ذلك بل كان مصرياً ذو أصولٍ سورية حيثُ ولد لأب سورى يهودى حاصل على الجنسية المصرية و أم مصرية يهودية و لكنه استطاع ببراعة شديدة و اتقانٍ مُنقطع النظير أن يؤدى الشخصية الشامية خفيفة الظل التى ظهرت فى أفلام الأبيض و الأسود و كان واحدة من أهم ( السنيده ) لكبار النجوم الكوميديين على راسهم الأسطورة إسماعيل يس وهو أيضاً من إكتشف و تنبأ بموهبة الطفلة المُعجزة ” فيروز ” و رغم ان هذه الموهبة الكبيرة لم يتم استغلالها و تقديمها بطريقة جيدة تتيح لها تقديم كل ما فى حقيبته من موهبة إلا أنه استطاع أن يترك وراءه بصمة مُهمة فى تاريخ السينما المصرية بالرغم من نهايته المُحزنة ! .. ولد مؤدب فى 6 / 2 / 1916م فى مدينة طنطا بمُحافظة الغربية وسط أسرة يهودية مُتوسطة الحال و كان يعمل عائلها فى مهنة تصليح الساعات ثُم انتقلت الأسرة إلى العيش فى القاهرة فى حى الضاهر عندما بلغ مؤدب عامة الرابع و لكن رغم الحالة الاجتماعية المُتوسطة للأسرة فقد تعلم مؤدب فى مدرسة الليسيه الفرنسية و خلال هذه الفترة كان يعمل مع والده فى محل تصليح الساعات فى منظقة العتبة و بسبب قُرب السكن من شارع عماد الدين ” مقر الفنون فى ذلك الوقت ” و قد أحب مؤدب الفن و واظب على العُروض المسرحية و فى عام 1932م قرر ترك العمل فى محل الساعات و الدخول إلى عالم الفن من خلال تقديم لون جديد من المونولوجات و هو المنولوج الفرنسى فى ملهى ( الأوبرج ) و ذاع صيته فى شارع عماد الدين حتى شاهده المُمثل و المُخرج الكبير ” بشارة واكيم ” و الفنان ” إسماعيل يس ” فى ذلك الوقت و أتاحا له فرصة للعمل فى فرقة ” ببا عز الدين ” و كانت هذه الفرقة من اشهر فرق شارع عماد الدين فى ذلك الوقت و أنطلق مؤدب بعد ذلك و عمل فى العديد من الملاهى الليلة و فى إحد الأيام ذهب المخرج الكبير و مكتشف المواهب في ذلك الوقت ” حسن الإمام ” إلى إحدى ملاهى شارع عماد الدين و عن طريق الصُدفة كان مؤدب يُقدم مونولوج فى هذا المكان يجمع بين اللغات الثلاثة ( العربية و الفرنسية و الإنجليزية ) و أعجب حسن الإمام بهذه الموهبة الفريدة من نوعها و بالفعل قدمه فى عام 1947م للسينما المصرية من خلال فيلم ” الستات عفاريت ” مع ليلى فوزى و إسماعيل يس و محمود المليجى و زينات صدقى ثُم انطلق قطار مؤدب الفنى و السنيمائى فشارك فى 20 فيلم سينمائى كان أغلبهم أفلام جمعته بصديقه المُقرب الفنان إسماعيل يس و كان أشهرها ” حبيب العمر ” مع فريد الأطرش و سامية جمال و إسماعيل يس عام 1947م و ” الستات عفاريت ” مع ليلى فوزى و محمود المليجى و إسماعيل يس عام 1948م و ” الروح و الجسد ” مع كاميليا و محمد فوزى و كمال الشناوى و شادية عام 1948م و ” عنبر ” مع ليلى مُراد و أنور وجدى و عزيز عثمان و إسماعيل يس عام 1949م و ” كلام الناس ” مع شادية و إبراهيم حمودة عام 1949م و ” منديل الحلو ” مع تحية كاريوكا و عبد العزيز محمود و مارى منيب عام 1949م و ” شارع البهلوان ” مع كاميليا و إسماعيل يس و كمال الشناوى عام 1949م و ” ليلة العيد ” مع إسماعيل يس و شادية و محمود شكوكو عام 1949م و ” عينى بترف ” مع تحية كاريوكا و كارم محمود و محمود المليجى عام 1950م و ” ست الحُسن ” مع سامية جمال و ليلى فوزى و كمال الشناوى و هدى سُلطان عام 1950م و ” فلفل ” مع إسماعيل يس و لولا صدقى و ماجدة عام 1950م و ” البطل ” مع إسماعيل يس و تحية كاريوكا عام 1950م و ” سيبونى أغنى ” مع صباح و إسماعيل يس و سعد عبد الوهاب عام ” 1950 ” و ” قسمة و نصيب ” مع عزيزة أمير و يحيى شاهين و تحية كاريوكا عام ” 1950م ” و ” فايق و رايق ” مع كارم محمود و إسماعيل يس و تحية كاريوكا عام 1951م و ” قطر الندى ” مع شادية و كمال الشناوى و إسماعيل يس عام 1951م و ” البنات شربات ” مع أحلام و إسماعيل يس و سراج منير عام 1951م و ” بيت النتاش مع شادية وإسماعيل يس وعبد الفتاح القصرى عام 1952م و قد عرض آخر أفلامه عام 1954م بعنوان ” النمر ” و كان ذلك بعد وفاته بعامين .. كان عام 1948م هو عام شديد السواد على كل يهود مصر بسبب إعلان دولة إسرائيل و لم تخل أصابع الإتهام من الإشارة لكافة اليهود المصريين دون تمييز ! كونهم جواسيس لصالح هذا الكيان و الدليل الوحيد على ذلك أن قوام هذا الكيان هم أصحاب الديانة اليهودية فى كل العالم و بالتأكيد لم يسلم مؤدب مثله مثل الأخرين من هذا الإتهام و لكنه أعلن مُنذُ اللحظة الأولى بأنه مصرى الجنسية و لا يعرف بلد سواها و كذلك رفض بشكلٍ تام السفر لإسرائيل كما فعل أيضاً فى نفس الوقت المُمثل ” شالوم ” و غيرهم من يهود مصر و رغم إعلان موقفه لم يسلم مؤدب من الإتهامات بالتجسُس و بالفعل فى عام 1952م تم إلقاء القبض عليه و التحقيق معه بتُهمة الجاسوسية و تم التعامل معه كمُتهم ! و فى النهاية لم يُسفر هذا التحقيق عن أى إتهام بعد مُكوثه لقرابة ال 3 أسابيع فى غُرفة مُغلقة لا تدخْلها الشمس نهائياً و كان العساكر ينادونه طيلة فترة التحقيق بـ ” اليهودى الجاسوس ” ! علاوة على التعذيب الذى تعرض له كى يعترف بشيئٍ لم يقترفه لأنه لا يعلمه من الأساس ! و حاول صديقه اسماعيل يس التوسط له و لكنه وصله تهديداً من أحد الجنرالات يُحذره من ذلك و يُهدده إن عاوده سيكون شريكاً له فى تلك التُهمة ! و بعد خُروج مؤدب بريئاً بعد أن دعاه أحد المُحققين و قال له ” إحنا مُتأسفين يا أستاذ إلياس على المُدة إللى قضيتها معانا ! لإنك طلعت بريئ من كُل الشكاوى الكيدية إللى كانت ضدك ” ! و نظر له مؤدب شاخصاً و لم يستطع أن يرُد عليه من هول ماسمع و بعد خروجه ذهب على الفور إلى إسماعيل يس و ظل يبكى بحُرقة و يقول له ” أنا إتشتمت بأمى و إنضربت على ضهرى بالحزام و انداس على وشى بالجزمة و كرامتى ضاعت ياسُمعة و فى الأخر يقولولى انهم مُتأسفين ” ! و ظل إسماعيل يس يُلطف من روعه و لكن للأسف لم يستطيع مؤدب الإندماج مرة أخرى فى مُجتمعه بعد هذه الإهانة التى تعرض لها و حزن حُزناً كبيراً جعله يبيع كُل مُحتويات منزله بأبخس الأثمان ليترُك مصر و يذهب إلى مدينة حلب مسقط رأس عائلته ليتوفى محسوراً بعد أقل من شهرين فى 28 مايو عام 1952م و قد ذكر أحد أقاربه فى مجلة ” الشبكة اللبنانية ” عام 1978م بأنه كان يبكى بشدة كُلما تذكر سنوات طفولته و صباه و شهرته فى مصر و كان هذا البُكاء يصل فى كثيرٍ من الأحيان للإغماء الشديد و حين تتم الإفاقة له يظلُ يُردد ( إللى مزعلنى و حازز فى نفسى إن مصر بلدى و حافضل أحبها و أعشق تُرابها لكن طفشت منها و ماقدرتش أعيش فيها عشان الظُلم إللى شوفته من شوية عساكر جهلة مابيفرقوش بين الوطنى و الجاسوس ).. رحم الله إلياس مؤدب و أسكنه فسيح جناته و لاسامح و لاغفر لمن تسبب فى حسرته و وفاته بتلك الصورة المليودرامية المُحزنة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى