السبت , أكتوبر 31 2020

إطلالة على كتاب مواويل وليالي للكاتب العراقي حسين الجاف

 

كتب :عدي العبادي  

تمتد تجربة الناقد واللغوي والشاعر العراقي الكردي حسين الجاف الى مرحلة السبعينات اي ما يعرف بالعصر الذهبي الذي برز فيه جميل من عمالقة الابداع العربي وكان اشغال حيز في تلك المرحلة يعد مغامرة فقد حدثني احد الكاتب القدماء قائلا كنا نخجل ان نرسل موضوع او قصيدة الى الجريدة وينشر وجنبه  قصائد لشعراء كبار امثال بدر شاكر السياب او نازك الملائكة لا يمكن لإعمالنا  ان توضع مقارنة مع جيل من العمالقة لكن حسين الجاف استطاع ان يقتحم هذا العالم فكان أول ولوجه له في مضمار الادب  من خلال ديوانه (أباطيل) استمر في تجربته الابداعية  حتى اليوم  ليصل منجزه الى ثمانية عشر كتاب متنوعات في حقل الادب من هذه الكنوز كاتبه الذي عنونه ( مواويل وليالي ) ومن العنوان الذي هو عتبة الدخول الى عالم النص لكشف مدلولاته نجد الكاتب وضع بناء نصي متصل حيث تشير المواويل الى الطرب كما هو معروف والليالي على السهر لتتوحد فكر العمل في داخل الملتقي الذي ينتهي اليه الخطاب اي المواويل والليالي وفي متن الكاتب علامة فارق حيت انه عبارة عن مواقف ونوادر وطرائف لشخصيات نخبوية عاصرها أو جايلها أو شاءت الظروف أن يختلط بها الكاتب وهم من مختلط الأوساط الثقافية والاجتماعية والسياسية العراقية طوال عقود من حياته لكن الكاتب يعتبرها  نكت بل هي نوادر حقيقية لشخصيات معروفة جمعها وقدمها بطريقة فنية وكانت اغلبها لشخصيات ادبية شعراء وعلماء يقول في احد الطرف

*********************

في زمن ما اوئل الخمسينيات فاضت منطقة الاعظمية نتيجة هطول امطار غزيرة جرفت الزرع والضرع ونظرا لانعدام وسائل التصريف الصحي في وقتها للمياه الفائضة كانت المياه قد ارتفعت لاكثر من مترين فدخلت البيوت المنخفضة وتسبب في ألحاق الضرر البالغ ببنائها ومحتوياتها ونظرا لارتفاع منسوب الماء في الشوارع تعذر بسبب ذالك عبور المارة والمستطرقين من هذا الجانب الى الجانب الاخر فستغل بعض الحمالين هذا الوضع ليكتسبوا منه من خلال نقل للمارة  بين الجانبين وكان الشيخ العلامة امجد الزهاوي من سكان ذالك الحي وعند خروجه من داره حالة امر المياه الفائضة وشعر باستحالة العبور الى الجانب الاخر دون الاستعان بالحد الحمالين الكثيرين المنتشرين على جانبي الشارع فتقدم احدهم الى الشيخ الجليل عارض خدماته بقوله تفضل شيخنا اصعد على ظهري حتى اعبرك الى الجانب الاخر من الشارع ووسط دهشة الشيخ وربما استغرابه ايضا امتطى ظهر الحمال وسط غرابة المشهد كله وطرافة طلب الحمال الظريف منه ركب الشيخ ظهر الحمال اضطرار اتفاديا للبلل واتساخ هندامه فما لو عبر الشارع على قدميه خائضا غمار مياه الامطار التي اكسبها الطمى والغرين لون قرمزيا وبيدو  ان الحمال الطريف كان من محبي النكتة والمواقف الهزيلة فقال للشيخ وهو يحمله على ظهره ضاحكا شوف شيخنا ثوابي واوصلك على الطائر الميمون الى الجهة المقابلة فرد عليه الشيخ مازحا وكان انسانا فاضلا وعالما متواضعا جليل القدر رفيع المنزلة ومن حبي الطرائف والدعابة وهو يتلوا عليه اية من الذكر الحيكم ( الحمد لله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقربين )

وعندما استشعر الحمال الفطن مكمن الهزل فيما ردده الشيخ من الاية المباركة وهو يمتطي ظهره مرتدين العمامة والجبة وفي مشهد سريالي

يفيض بالغرابة والطرافة رجل العالم شهير يكلل هامته جلال ووقار العلم ورفعة المنزلة في موقف غريب طريف غير عادي بالمرة ولما تلقي الحمال القوية البنية اشارة الممازحة الصادرة من لدن الشيخ الجليل بيت له في نفسه امرا ثم غابت الشيخ قائلا مولانا وانا ساكمل بقية الاية الكريمة واقول ( وانا الى ربنا لمنقلبون ) وعلى اثر ذالك نفض الحمال الشيخ الجليل من على ظهره طارحا اياه ارضا لغرق الرجل في لجه الماء المتصاعد لتبتل ملابسه وتتسخ وسط دهشت الشيخ من فعلة الحمال الظريف فضحك الشيخ بقوة وكان الشيخ عارفو فضله

*************************************************

هذه احد اشتغال الجاف التي وظفها ونلاحظ كيف انه وضع لمسته الفنية على الطرفة وسردها لنا بتشويق وقد ادخل استعارات حداثوية محول الموضوع الى لوحة فنية كما كان يعبر عن احاسيس شخصيات الحكاية وإبعاد ردود الأفعال عندهم من خلال رؤيته كون بدع في مجال السرد الفني فجعلنا داخل الحديث متعايشين للموقف انه عمل درامية وهو حدث حقيقي لكن حسين الجاف استطاع ان يرممه ويصوغ يقول الناقد الدكتور جابر عصفور رائد الحداثة في مصر الشاعر ليس مطالب بفكرة جديدة يمكن الاشتغال على الفكرة القديمة لكن عليه ان يقدمها بطريقة جديدة أي يبتكر لغة وهذه لا تكون لخير المبدع الذي يملك آليات بناء النص كخيال والإبداع وهندسة المادة الادبية  والقضية التي يتحدث عنها المبدع والاحساس الذي يتفرد به عن سوها وكل هذه العناصر اذا اجتمعت شكلت موضوع ناضج واهم هذا العناصر الخيال الذي يجعل الكاتب يصور لنا المنتج الابداع بروعة ويعتبر الخيال عنصرا جماليا مهما في كل مادة إبداعية سواء قصة أم شعر أم رواية الخ واعتقد هو اهم جانب على اعتبار انه يميز المبدع عن سواه فمن يملك الخيال غير المبدع الذي يحوله ويطره في مادته الإبداعية و هناك مدخلات من الخيال هما الخيال المتعارف عليه مستهلك كل ادواته و خيال من بنات أفكار المبدع أي ما تسمه بالشطحات أي يخترع لنا خيال لا نعرفه كما يخترع لغة خاص تكون به وفي ما مضى كان الشاعر مقيد ليس بالوزن والقافية بل حتى الخيال فلا يمكن ان يقول شيئاً منافياً للعقل وكانت الإمكانيات محدودة فالذي يعيش في الصحراء لا يستطيع ان يعبر عن الحضارة لأنه لا يملك روح التمدن والانسان المدني لا يقدر ان يصف ما في الصحراء لعدم معرفه بكل الجوانب ولكن في زمن التقدم اصبح الكاتب يملك أكثر من خلال الاطلاع بسبب الثورة المعلوماتية ونجد خصوبة وعمق الخيال في نقل الطرفة التي ابداع الجاف بتوصيلها للذائقة العامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: