الإثنين , مارس 8 2021

مُنظّرُ الأخرة ….نص أدبي للكاتب حيدر الناصري

على مرمى حجرٍ من بيتِ الله، زقاقٌ ضيقٌ يتسعُ لسيارةٍ فارهة، شيخٌ يرتعدُ مرتدياً ملابساً باليةً بلونِ الكاكي، ربما هي أسمالٌ للجنودٍ خلعُوها كخلعهم أَعِنّةَ الوفاء في احتدامِ المعارك، او لشهيدٍ لم يحظَ أهلهُ بجثمانهِ فاستلموا نعشَهُ ملابساً فقط، رأسهُ يهتزُ من الضّعفِ، يعتمرُ طاقّيةً من الصوفِ حوافها تهالكتْ، حشرَ قدميهِ اليابستينِ بنعلٍ بالٍ، أصابعُ رجليهِ تطلُ من جوربٍ قديم.
أمامهُ رجلٌ ذو خدودٍ لامعةٍ وعيونٍ صافيةٍ كصفاءِ حياتهِ، أسنانهُ تشعُ كبياضِ الثلجِ، يداهُ ناعمتانِ، زينَ اصابعهِ بأحجارٍ مطوقةٍ بالفضةِ، يلوحُ بها أمامَ وجهِ الكهلِ الغارقِ بالهمِ، كررَ نصائحهُ ذاتها لهُ بأن يطيلَ الوقوفَ ليلاً أمام السّماءِ، وأن لا يبخلَ بحدرِ دموعهِ على جلد خدهِ العجفِ، ويكثرُ الأنينَ وتوسلاتهُ، وعندَ انبلاجِ الصّبحِ يكونُ ايذاناً بخلاصهِ.
الهرمُ زادَ ارتعاشهُ طولَ الوقوفِ، وسائقُ الرّجلِ الأنيقِ يضربُ حوافَ بابِ السّيارةِ بأصابعهِ والمصلونَ يخرجونَ تباعاً ويمرونَ بالواقفينَ، صوتُ بوقِ السّيارةِ قطعَ وصايا السّماء، تهاوى الكهلُ بين كتلِ الوحلِ، والمُنظّرُ ولجَ سيارتهِ محثاً باقي المصلين على مساعدتهِ وارجاعهِ للبيتِ، فورائهُ ليليةَ عصيبةً يحتاجُ بها إلى الراحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: