الأربعاء , سبتمبر 23 2020

سيد كراويه يكتب …فى حرافيش نجيب محفوظ

فى حرافيش نجيب محفوظ بذل جهد كبير لكى يقول أن اشتباكات الفتوات بالنبابيت دا المشهد الأخير والمكثف الدرامى لأحداث وخلفيات ووقائع أعمق وأغنى كثيرا ، حتى هذا لم نتعلمه ، فنحن نناقش حرب أكتوبر 73 مختزلة فى النبابيت ، الحقيقة أن مصر كانت تمور بأحداث وتنفجر فيها مكونات تحتية عميقة سياسية واجتماعية وثقافية كان قد تم كتمها والتغطية عليها بأحلام وأمانى كثير منها لم يكن واقعيا ، حتى على مستوى مثلا تجهيز سلاح لضرب العدو فقد فرضت 67 على الأرض والواقع المادى أن تبتعد بك المسافة بطول وعرض سيناء وهذا لم يكن قائما قبل 67 حيث أنك كنت ملاصق حدوديا وطائراتك فى دقائق – كان من الممكن – أن تكون فوق كثافته السكانية ، ومدافعك ذات العيار المتوسط كانت تطول مدنه وكيبوتزاته ، والبحث عن وسائل إيصال نيرانك الى الداخل والعمق الإسرائيلى كان قضية مهمة ومحورية فى أى تخطيط عسكرى ، كما أنه كان صعبا وعسيرا ، فى خضم الإعتصام والمظاهرات المطالبة بالحرب سألت أحد الطلبة المتحمسين لهذا الحراك : تفتكر إن مسائل حرب وجيوش ودماء وخسارة ومكسب أراضى وسط اوضاع وصراعات عالمية لانملك معرفة حقيقية بها أمرا ممكن تقرره المظاهرات والإعتصامات وطلبة جامعة أعمارهم وخبراتهم تدور حول العشرين عاما ؟ فكان جوابه : ومين قال إننا بنطالب بالحرب الآن ؟ نحن نطالب بإعداد بلد تستطيع أن تكسب الحرب ، بلد لديها حريات لإطلاق قدرة الناس على المبادرة والمقاومة ، بلد تملك المعرفة وحق المعرفة ، بلد تقضى على لامبالاة مواطنيها وخوفهم .. كانت بلاد تمد الجيش بمليون وأكثر من ابنائها – خصما من قوى إنتاجها – يرتدون الكاكى على الجبهات ، ويصادرون حقهم فى بدء بناء مستقبلهم الشخصى ، بجانب جهاز خدمة للمجهود الحربى مدنى منتشر عبر عمق البلاد ، ومطلوب منه تمويل هؤلاء الجنود على الجبهة من السلاح والغذاء والعزيمة ،بلاد كانت تخوض مخاض عظيما لمحاولة ميلاد جديد على أنقاض كارثة 67 التى كشفت أن القائم جالب الكارثة لم يعد يمكن القبول باستمراره ، فى نفس وقت التشبث باستمراره ودوامه وزيادة قبضته ، كان هناك مجتمعا وشعبا ينتفض فى محاولة لبناء معادلة سياسية جديدة ، وكان هناك سلطة تتشبث بمنهج استمرارها بنفس السياسات المعادية فى صلبها للمجتمع والشعب باعتبارهم مجتمعا وشعبا سياسيين ، كانت حرب أكتوبر ( مشهد النبابيت بتاع الحرافيش ) هو لحظة التنوير نعم ، ولكنه لحظة تأسيس للقادم ، كل طرف من المعادلة ( داخليا وليس بيننا وبين العدو – أحيانا كان مابيننا وبين العدو مجرد دخان تتم فى ضبابيته تصفية معاركنا الداخلية ) لهذا فلم يكن كل مافى 73 بريئا ، لم يكن بريئا وحقيقيا الا الدماء وجهود وارادة النصر والتحرير ، ولكن كان هناك أيضا سياسات ومآرب ، وسادات وعثمان أحمد عثمان وسيد مرعى ، وهبات شبابية فى الجامعة والنقابات المهنية تطالب بكل الحرية للشعب وسواعد عمال وفلاحين مرهقة بتكليف 6 سنوات من إنتظار إزالة إحساس الحسرة والإنكسار .. كان من أنصع ماكتب من أدب سياسى فى هذه الفترة ، وفى وقت كان مازال غبار الحرب منتشرا وقعقعات المدافع والطيران وسيلان الدم قائما ، هناك ورقة بعنوان حدود أكتوبر قيمتها ليس فى القدرة الفذة على التنبؤ بمآلات الحرب ، ولكن ـ تاسيس هذه الرؤية على منهاجها ورؤيتها السياسية للواقع المصرى من خلال كتاباتها من سنوات قليلة سابقة لإنجاز ” حدود أكتوبر ” أبحثوا عنها لتعرفوا أن العقول المصرية الشابة وقتها كانت تملك الكثير .. قبل أن ينطلق الحرافيش بنبباتيهم ليفرضوا معادلاتهم على الواقع .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: