السبت , سبتمبر 19 2020

نعيمة الصغير

كتب :مصطفي بيومي

لا شك عندي أن التمثيل أمام الموهوبة القديرة نعيمة الصغير عبء ثقيل، فهي تشبه قطارا خارق السرعة يدهس عند انطلاقه كل ما يواجهه، ولا شك عندي أيضا أن الكاميرا تحبها وتنحاز إليها ولا ترى أحدا سواها. طلتها كفيلة بجذب الأنظار والقلوب، فإن تكلمت أو تهيأت للكلام يطغى حضورها فتسيطر وتهيمن. عملية الإزاحة هذه تمنح الرائعة نعيمة سلطة وسلطانا، لكنها سخية معطاءة لا تضن على المحيطين بها بحق المشاركة في إطار التعاون القائم على الحب والبساطة، واللامبالاة أحيانا.
الجميلة نعيمة طاقة كوميدية مذهلة فاحشة الثراء، ومن علامات تفردها أنها لا تحتاج إلى الموقف المكتوب لتبدع وتتألق، فهي تصنعه بمجرد ظهورها كأنها عبد الفتاح القصري. ملامحها الشعبية الغليظة، بدانتها اللافتة التي تخلو من التناغم، صوتها الأجش مثل رجل عنيف؛ هذه جميعا مفردات تتحالف لتشكل ممثلة فريدة لا تشبه أحدا من سابقيها.
الشر عندها ذو مذاق مختلف، تحيط به إطارات المرح التي تكسر حدته، وتوحي بأنه مؤقت لن يدوم، أو أنه عمل ترتزق منه ولا تجد له بديلا.
صديقة اللصوص معذبة أطفال الشوارع والقوادة الماكرة والأم المستهترة، الزوجة المسيطرة والحماة الشرسة، التابعة شبه الصديقة والخاطبة، الطيبة أحيانا بلا ذرة من السواد؛ هذه وجوه نعيمة الصغير.
…………………
سيدة في “المشبوه”، 1981، أم اللصوص وصديقتهم وصاحبة الفضل في تصريف بضائعهم المسروقة. المكان الذي تقيم فيه أشبه بالمخزن الفسيح، وإليه يلجأ بيومي وحمودة وماهر، سعيد صالح وفؤاد أحمد وعادل إمام، بعد عمليتهم التي تتعرض لتدخل مفاجيء من الشرطة. ليس أدل على وضعية سيدة من الحوار الذي تتبادله مع بيومي:
“- أول ما شفت في العملية واحدة ست اتشاءمت.. ابعد عن النسوان وانت تكسب.
– ولما انت بتتشاءم من النسوان بتتعامل معايا ليه وتبيعلي المسروقات؟
– وانتِ نسوان يا جدع؟”.
امرأة تفوق الرجال في القوة والصلابة والشهامة، ونظراتها للمصاب المتألم ماهر تكشف عن عاطفة صادقة لا شأن لها بالعمل وحساباته المادية، وهي من ناحية أخرى تحترم القواعد والأعراف التي تحكم عالم اللصوصية. عادلة بمعايير المهنة التي تنتمي إليها، ويتجلى حبها لرفاق العمل في الحس الإنساني الذي تتعامل به مع ماهر. تقرضه عند الحاجة، وترعي قصة حبه مع بطة، سعاد حسني. كم هي رائعة نظرات التعاطف التي تتأمل بها لقاء الحبيبين، كأنها الأم الروحية.
تدخن الشيشة بشراهة، ولا يعرف الخوف طريقه إليها عند اعتقالها مع المشبوهين. صحيح أن مهنتها كريهة مرذولة بالمعايير الأخلاقية، لكن المشاهد لا يكرهها بقدر مايتعاطف معها ويلتمس الأعذار، وما أكثر اللصوص الشعبيين الظرفاء الذين يحظون بالحب والاحترام في المجتمع المصري.
يختلف الموقف تجاه “الكاتعة” في “العفاريت”، 1990، ذلك أن التسامح النسبي مع اللصوص التقليديين لا متسع له مع خاطفي الأطفال الأبرياء ومستغليهم. امرأة عنيفة قاسية، شرسة بلا قلب في قهر ضحاياها الصغار. لا تتورع عن الزج بهم في ساحة ترويج المخدرات، فضلا عن السرقة والنشل والتسول. الجديد في أداء نعيمة، وهي على مشارف الستين، ظهور وجهها الأنثوي الرقيق الناعم، أو الذي يسعى ليكون رقيقا ناعما، عبر العلاقة التي تجمعها مع “المعلم” الشاب الذي يصغرها كثيرا. من البدهي أن تكون صاحبة المبادرة، ومن المنطقي ألا يستجيب!.
ليست امرأة بالمعنى الشائع للكلمة، وما أدق تعبير بيومي في توصيفها :”وانتِ نسوان يا جدع!”.
شر إجرامي من طراز مختلف تقدمه الممثلة القديرة في “سونيا والمجنون”، 1977، و”شفيقة ومتولي”، 1978.
عدلات في “سونيا والمجنون” قوادة محترفة ماكرة، تخطط بإتقان ودأب للإيقاع بسونيا في براثنها، وتراهن على الفقر المدقع الذي يحول دون المقاومة الجادة والنجاة من الاستجابة لنداهة الدعارة. نبرات صوتها ونظرات عينيها وإيقاع حركتها، مفردات متجانسة تؤكد احترافها للمهنة سيئة السمعة، والأدوات نفسها تستثمرها “فلة” في “شفيقة ومتولى”. المشترك الراسخ في أداء نعيمة، مع الفوارق الشاسعة بين الفيلمين، يتمثل في غياب المباشرة الفجة الرخيصة، والنجاح في عمل القوادتين رهين بالضغوط النفسية التي لا تخيب.
………………..
الآثار السلبية للشر تطول الغرباء في أعمال السرقة واستغلال الأطفال والدعارة، أما الأم والزوجة والحماة فضحاياها الشراسة العدوانية من الأقربين: الابنة والزوج وزوج الابنة.
أم إحسان شحاتة في “القاهرة 30″، 1966، نموذج للأم الرديئة غير المؤتمنة على ابنتها، فهي من تزين لها السقوط وتشجعها على التفريط الأخلاقي لأسباب مادية خالصة. تاريخها قبل الزواج والأمومة يفسر سلوكها غير السوي، والزوج المستهتر، توفيق الدقن، يدعم الانهيار ويسعى إليه حتى ينجح في إفساد ابنته ويجني الثمار. زواج إحسان، سعاد حسني، من محجوب، حمدي أحمد، صفقة شكلية لإضفاء الشرعية الزائفة على علاقة العشق التي تجمع العروس مع قاسم بك، أحمد مظهر. الجميع مدانون جديرون بالاحتقار والازدراء، والمثير للدهشة بحق ما تقوله أم إحسان بعد إتمام الزيجة التي لا صلة لها بالزواج :”الحمد لله إني عشت وشفتك يا إحسان يا بنتي مستورة في بيت العدل”.
كلمات ترددها في حماس ينبيء بالجدية والصدق، وأداء نعيمة يوحي بأنها تصدق ما تقوله عن “الستر” و”بيت العدل”. ليست أما سوية كالأمهات، واندماجها في الكذب على هذا النحو يؤكد أنها قوادة بارعة كما هو الحال في فيلمين سابقين.
العلاقة مع الزوج شحاتة متكافئة متوازنة، فكلاهما سيء يليق بالآخر، وتتألق نعيمة مع غياب الندية في العلاقة الزوجية. الزوجة القوية المتغطرسة ساحة توهجها، فهي عندئذ “الرجل” الذي يقود ويتحكم. نجد هذا التوجه في عدد غير قليل من الأفلام، ومنها :”لا تسألوني من أنا”، 1984، “البيه البواب” و”خليل بعد التعديل”، 1987.
أزواجها هؤلاء مختلفون موزعون بين الإذعان الكامل وإدمان الخمر للتعايش والتبعية المعتدلة، ولا شيء يجسد الحضور الطاغي لنعيمة مثل المشهد الذي يجمعها بالزوج المارق محمد رضا في “البيه البواب”. تبدو رجلا عملاقا آمرا واثقا من قوته غير المحدودة، ويرتعش الزوج ذو الجسد الضخم كأنه طفل يرتعش. في العينين ولغة الجسد قوة وسلطة، ومن يقاوم طوفانها هذا؟.
في “الشقة من حق الزوجة”، 1985، تتحكم نظلة في زوجها عبد المقصود، عبد الله فرغلي، وابنتها كريمة، معالي زايد، وتسعى إلى الهيمنة على زوج ابنتها سمير، محمود عبد العزيز، وعندئذ يفضي سلوكها العدواني المتسلط إلى الصدام والطلاق وصناعة مشاهد كوميدية لا تُنسى، قوامها التلقائية والعفوية وإتاحة الفرصة لموهبة نعيمة الكامنة.
يمكن القول إن فيلمها هذا هو الأشهر في تاريخها السينمائي، والدليل العملي على إمكاناتها الضخمة التي تحتاج مساحة لا تُتاح لها إلا قليلا. مبارزات فنية ممتعة مع محمود عبد العزيز، وسلاسة في الأداء تبهر المشاهد فيندمج ويذوب كأنه ينصت من شرفة بيته لما يدور في شقة الجيران.
تتخلى نعيمة عن هذا كله في “كراكون في الشارع”، 1987، فهي الأم الشعبية الطيبة والجدة الحنون والحماة المحبة لزوجة ابنها بلا غل أو ضغينة. لا متسع للكثير من المرح في ظل الهموم والانكسارات، وبكاؤها صادق موجع وهي تتشبث بالبقاء في المقابر مجاورة للزوج، كأنها تنتظر الموت والراحة. نعيمة هنا تشبه الحياة تماما، تضحكك وتبكيك.
……………………..
التابعة التي تشبه الصديقة المشيرة كاتمة الأسرار في “الزوجة الثانية”، 1967، السجانة في “حب في الزنزانة”، 1983، صاحبة القهوة النشيطة الساخرة في “السكاكيني”، 1986، الجارة الثرثارة شبه الخبيثة في “جري الوحوش”، 1987، الخادم الصريحة خفيفة الظل لاذعة العبارات في “ليلة عسل”، 1990، وعشرات الأدوار الصغيرة الأخرى، بمثابة التجسيد العملي لموهبة كبيرة لا تحظى، إلا قليلا، بما تستحق من تواجد فاعل مؤثر. البطولة ليست مطروحة في ظل القوانين التي تحكم صناعة السينما، لكن الدور المناسب كما هو الحال في “الليلة الموعودة”، 1984.
الخاطبة أم إمام تملأ الفيلم بالحيوية والمرح وصناعة البهجة، وفي انتقالها من الشر إلى الخير تتسلح ببساطة وبراءة من لا يرى بينهما فارقا، ذلك أن متطلبات المهنة هي الحكم والفيصل. تغري زبائنها باقتدار خاطبة محترفة لا تمثل، وتقبل الأجر والعطايا في بساطة أخاذة تقتحم بهاالقلوب وتفرض الابتسام. إنها عنصر أصيل في المباراة الكوميدية البعيدة عن الابتذال، وتحشد كل مخزون موهبتها لتبدع وتمتع.
ممثلة قديرة متمكنة تزيد أفلامها على المئة، وتمتد رحلتها مع السينما لأكثر من ثلث قرن. شخصيات متنوعة متناقضة، واجتهاد مخلص لملامسة الصدق في التعبير والمعايشة والابتعاد عن ميكانيكية الأداء.
………………..
على مشارف الستين تغادر نعيمة الصغير في هدوء، وبعد أكثر من ربع قرن على الغياب تبقى حية عظيمة الحضور، تتطلع إليها العيون والقلوب لمراودة الضحكات البريئة والتحرر من عكارات الحياة وهمومها المتراكمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: