السبت , سبتمبر 19 2020

إبراهيم نوار يكتب …إنتخابات رئاسية مبكرة في الولايات المتحدة

قبل نهاية الشهر المقبل، نوفمبر 2019، أي قبل عام تقريبا من موعد انتخابات الرئاسة الأمريكية في نوفمبر 2020 سيكون قرار الاتهام لمحاكمة دونالد طرامب ، الرئيس الإنتخابات رئاسية مبكرة في الولايات المتحدةحالي جاهزا للعرض على مجلس الشيوخ. 20 صوتا فقط من أصوات الجمهوريين، إضافة إلى أصوات الديمقراطيين والمستقلين، يمكن أن تطيح بالرئيس، وأن تدفن للأبد فرصته في الفوز بفترة رئاسية ثانية.

عندما يكون قرار الاتهام جاهزا بعد تصويت مجلس النواب، المرجح أن يمرره بسهولة، نظرا للأغلبية التي يحظى بها الديمقراطيون، سيكون على طرامب ان يتخذ قرارا إما بالاستقالة وتجنب المحاكمة كما فعل ريتشارد نيكسون عام 1974, او الاستمرار في خوض المعركة داخل مجلس الشيوخ كما فعل بيل كلينتون عام 1998.

اذا صوت مجلس الشيوخ بأغلبية الثلثين (67 صوتا) بتأييد الاتهامات الموجهة للرئيس، فإن إسم دونالد طرامب سيلحق به العار في تاريخ الولايات المتحدة والعالم. أما إذا فشل الديمقراطيون في حشد التأييد اللازم لإدانة الرئيس، فإن قطار حملتهم الانتخابية المقبلة سيخرج عن القضبان، وستكون خسائرهم فادحة، على كل المستويات.

إنها اذن انتخابات رئاسية مبكرة ستجري على الأرجح قبل نهاية العام الحالي، أو ربما في أوائل العام المقبل. إجراءات مساءلة الرئيس تتدحرج بقوة مثل كرة الثلج، التي قد تأخذ طرامب داخلها وتدفنه، لكنها أيضا مثل كرة اللهب التي قد تشعل النار في معسكر الحملة الانتخابية للحزب الديمقراطي وتحرقه.

في المقال التالي، المنشور في العدد الأسبوعي من صحيفة (القدس العربي) أناقش باختصار الظروف المحيطة بإجراءات مساءلة طرامب، وما قد تؤدي إليه.

“مساءلة ترامب هل تفتح الطريق لعزله أم تحرق فرص بايدن؟

إبراهيم نوار

التحقيقات التي يجريها حاليا مجلس النواب الأمريكي بشأن اتصالات أجراها مع دول أجنبية لمساعدته في تقديم معلومات تلطخ سمعة المرشح الديمقراطي، الأوفر حظا حتى الآن، ليكون المرشح الرسمي للحزب في انتخابات 2020 قد تتدحرج وتكبر مثل كرة الثلج، لتدفن ترامب معها، لكنها أيضا قد تشتعل، مثل كرة لهب تحرق الحملة الانتخابية للديمقراطيين، وتطيح بفرصهم للفوز. مساءلة الرئيس، في الدستور الأمريكي، مسألة معقدة وطويلة، غير ذات قيمة إلا بشروط، ولذلك فإن ترامب يتحداها علنا.

في تاريخ الولايات المتحدة، جرت ثلاث محاولات لعزل الرئيس، عن طريق اتهامه بخيانة الأمانة، والحنث باليمين الذي أقسمه، وتهديد الأمن القومي للولايات المتحدة. الأولى كانت عام 1868 حين تم توجيه اتهامات إلى الرئيس أندرو جاكسون، والأخيرة كانت عام 1998 حين تم توجيه اتهامات إلى الرئيس بيل كلينتون. في الحالتين فشلتا. المحاولة التي وقعت عام 1974 وتسببت، بشكل غير مباشر، في استقالة الرئيس نيكسون، لم تصل إلى مجلس الشيوخ، وفضل نيكسون وقتها أن يستقيل.

رئيسة مجلس النواب الحالي، الديمقراطية المخضرمة نانسي بيلوسي قالت إن المجلس قرر أن يسلك طريق مساءلة الرئيس تمهيدا لعزله، على أساس ثلاثة اتهامات هي الحنث باليمين، وخيانة الأمن القومي الأمريكي، وخيانة سلامة العملية الانتخابية، وهي جرائم يعاقب عليها الدستور بعزل الرئيس من موقعه.

وقالت إن ترامب ارتكب هذه الجرائم، عندما تحدث هاتفيا مع رئيس أوكرانيا فيكتور زيلينسكي، وطلب منه تزويده بمعلومات، من شأنها تلطيخ سمعة بايدن وإبنه، الذي كان يشغل عضوا في مجلس إدارة شركة غاز أوكرانية، منذ عام 2014 حتى نيسان/أبريل الماضي. واستخدم ترامب سلاح المساعدات للضغط على الرئيس الأوكراني للاستجابة له، وذلك بتجميد مساعدات قيمتها 400 مليون دولار قبل فترة من المكالمة، ثم سمح بالإفراج عنها بعد أن وعده زيلينسكي بالتعاون معه.

الواقعة التي أشعلت الموقف، تتشابه إلى حد كبير مع واقعة كان طرفا فيها جو بايدن، الذي تدخل في تحقيق بشأن أعمال إبنه هانتر، الذي كان عضوا في مجلس إدارة واحدة من شركات الغاز الأوكرانية (2014-2019) في الوقت الذي كان فيه بايدن يتولى ملف أوكرانيا في إدارة أوباما. بايدن الأب وهو نائب للرئيس، تدخل لوقف التحقيقات، بل وطلب من رئيس أوكرانيا في ذلك الوقت بيترو بروشينكو، عزل المدعي العام الأوكراني فيكتور شوكين، الذي كان يتولى التحقيق في القضية؛ فكان له ما أراد. وقد تردد بقوة، أن بايدن، هدد الرئيس الأوكراني بتجميد مساعدات أمريكية، تصل قيمتها إلى نحو مليار دولار.

العلاقة بين ترامب وخصومه، انحدرت بسرعة إلى مستوى شديد الإنحطاط، يتم فيها استخدام ألفاظ ومصطلحات سوقية. في الوقت نفسه كشفت التحقيقات، عن وجود خصومة حادة بين الرئيس، وبعض أجهزة الدولة، ومنها المخابرات الوطنية. أحد رجال هذه المخابرات، هو مصدر البلاغ الذي تلقاه مجلس النواب، بشأن المكالمة الهاتفية التي أجراها ترامب في تموز/يوليو الماضي مع الرئيس الأوكراني. هوية صاحب البلاغ ما تزال سرية. لكن من الواضح أنه (أو أنها) كان لديه سلطة الاستماع إلى محادثات الرئيس مع قادة الدول الأجنبية. ومن الطريف أن ترامب قرر، بعد أشهر قليلة من توليه الرئاسة، عدم السماح لأحد بالاستماع إلى مكالماته مع شخصيتين رئيسيتين في العالم، هما فلاديمير بوتين، ومحمد بن سلمان.

صاحب البلاغ كشف عن أن مكالمات ترامب مع قادة الدول الأجنبية، يتم نقل سجلاتها الإلكترونية إلى (سيرفر) كمبيوتر سري مجهول المكان، لا يستطيع أحد الوصول إليه. التطورات اللاحقة أظهرت أن اتصالات ترامب بقيادات الدول الأجنبية، بخصوص موضوع بايدن والتحقيق الذي كان يجريه المحقق الخاص روبرت موللر، في شأن تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية السابقة، تضمنت أيضا سكوت موريسون، رئيس وزراء أستراليا. كذلك فإن المدعي العام وليام بار الذي عينه ترامب، طلب المساعدة من مسؤولين في مخابرات دول أجنبية منها إيطاليا وبريطانيا، لإجهاض تحقيق موللر، ولتلطيخ سمعة بايدن.

القائم بأعمال رئيس المخابرات الوطنية في الولايات المتحدة جوزيف ماغواير، قدم شهادته لمجلس النواب وراء أبواب مغلقة، وكذلك غيره يقدمون شهاداتهم حاليا. قائمة الشهود التي استدعتهم لجان مجلس النواب التي تتولى التحقيق (لجنة المخابرات، لجنة الرقابة النيابية، لجنة الشؤون الخارجية، ولجنة المخصصات) تتضمن كيرت فولكر، المبعوث السابق للرئيس ترامب المسؤول عن ملف أوكرانيا، الذي قدم استقالته بعد أيام من موافقة مجلس النواب على البدء في إجراءات مساءلة ترامب. كما تتضمن السفيرة ماري يوفانوفيتش، سفير الولايات المتحدة إلى أوكرانيا، التي جرى استدعاؤها على عجل في ايار/مايو الماضي، قبل انتهاء مدة خدمتها في أوكرانيا. كما طلب المجلس حضور وزير الخارجية مايك بومبيو، واتهمه بمحاولة عرقلة العدالة، ومنع عدد من موظفي الخارجية من تقديم شهاداتهم.

التحقيقات سوف تستمر عدة أسابيع، بعدها يتم التصويت داخل اللجان على التقرير النهائي، المتوقع أن يتضمن الاتهامات الموجهة إلى الرئيس. بعد ذلك يتم عرضه كاملا على جلسة عامة لمجلس النواب للتصويت عليه. ونظرا لأن الديمقراطيين يستحوذون حاليا على الأغلبية، فإن من المتوقع أن يتم إقرار التهم الموجهة للرئيس. وطبقا للدستور، فإن التقرير يصبح بعد إقراره بمثابة قرار الإتهام، الذي تجري على أساسه محاكمة الرئيس أمام مجلس الشيوخ.

العقبة التي سيواجهها الديمقراطيون في هذه المرحلة، هي أن الجمهوريين يسيطرون على المجلس، وأن الموافقة على الاتهامات، تستلزم الحصول على ثلثي أصوات الشيوخ. في الوقت الحالي يستحوذ الجمهوريون على 53 مقعدا في مجلس الشيوخ، والديمقراطيون على 45 مقعدا، إضافة إلى مقعدين للمستقلين. الموافقة على قرار الاتهام، ومن ثم عزل الرئيس فورا تستلزم 67 صوتا. هذا يعني أن الديمقراطيين يحتاجون موافقة 20 عضوا من الجمهوريين، إضافة إلى كل أصواتهم، وصوتي العضوين المستقلين في المجلس. فهل سيضحي الجمهوريون برئيسهم؟ أغلب الظن لا. إلا إذا، وفي السياسة دائما نقول إلا إذا. عندما يدرك الجمهوريون أن الرأي العام الأمريكي يساند بقوة عزل الرئيس، وأنهم إذا صوتوا ضد ذلك فقد يفقد بعضهم مقاعده مع خسارة الانتخابات، فإن عددا كافيا منهم، سيصوت مع عزل ترامب. هذا سيتوقف على اتجاهات الرأي العام، الذي يتحرك شيئا فشيئا لتأييد عزل ترامب.

إذا سقط قرار الاتهام في مجلس الشيوخ، فسيقع الديمقراطيون في مأزق، بعد كل المجهود الذي بذلوه في الإعداد لتوجيه الاتهامات إلى ترامب، والتعبئة التي قاموا بها في أوساط الناخبين. هذا من شأنه أن يرتد عكسيا على الحملة الانتخابية للمرشح الديمقراطي، سواء أكان جو بايدن أو بيرني ساندرز أو إليزابيث وارين أو غيرهم. الديمقراطيون سيفقدون مصداقيتهم، وسيسقطون فجأة في خندق الدفاع، وسيتحول ترامب إلى حمل وديع حاول الديمقراطيون الأشرار اقتناصه!

لعبة المساءلة الدستورية للرئيس، على أمل عزله، خطيرة وذات حدين. نعم يمكن، في حال ضمان أغلبية للتصويت مع قرار الاتهام في مجلس الشيوخ، أن تنتج أثرها المطلوب مباشرة وبطريقة قاطعة. ولكن الحال حتى الآن ليس كذلك. الأسوأ بالنسبة للديمقراطيين، في حال خسارة التصويت على قرار الاتهام في داخل مجلس الشيوخ، أن قطار حملتهم الانتخابية، التي ستبدأ رسميا مع الانتخابات الأولية التي تمتد من شباط/فبراير إلى حزيران/يوليو، سيتعثر، ومن المرجح أن يقع خارج القضبان، فيخسرون الكثير في الانتخابات المقبلة.

هذا المأزق الذي قد يقع فيه الديمقراطيون، سيضعف قوة التيار المعادي لسياسات ترامب، وربما يؤدي أيضا إلى تراجع حظوظ الديمقراطيين في مجلسي البرلمان. ولهذا، ربما يكون من الأفضل لهم، التركيز على انتقاد أسلوب ترامب في الحكم بالدليل والبرهان. هذا رئيس يدعو إلى العزلة في بلد قام على أكتاف المهاجرين، وهو دعا إلى التصدي للمهاجرين بإطلاق الرصاص على أرجلهم، وإقامة موانع مائية على الحدود، مليئة بالتماسيح والثعابين، لتأكل من يحاول العبور! الديمقراطيون يتعين عليهم إدانة انتهاك القيم الديمقراطية الأمريكية، والوقوف بشدة ضد سياسات العزلة القومية، والحروب التجارية التي يشنها ترامب على خصومه في الصين، وعلى حلفائه في الاتحاد الأوروبي وكندا والمكسيك واليابان وغيرها.

الديمقراطيون يجب أن يحذروا من خطورة الحروب والمواجهات العسكرية، التي يمكن أن تنشأ بسبب سياسة الضغوط القصوى، التي يمارسها ترامب ضد كوريا الشمالية وضد إيران. الأهم من كل ذلك أن يقدموا للناخبين خطابا إيجابيا عن برامجهم لإعادة بناء الولايات المتحدة لتكون فعلا أرض الفرص الواعدة والنجاح الباهر.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: