الأحد , سبتمبر 20 2020

مذكرات فاشل !… بقلم: النجاشي المقداد/ موريتانيا

مذكرات فاشل !
قبل أعوام من الآن ولدت في يوم ليس ب المثير ولدت على الشهور التسعة أو زادوا قليلا ، ثم بدأت مسيرتي تتخبط و تزحف ب بطأ دون تدوين ما يفيد حتى الآن ، كان مساء الأحد حسب ما أعتقد و الرابعة تحديدا لم أكن أدرك لون السماء و لا شكل الغيوم لأنه في بطن أمي كانت الأيام و الأحوال متشابهة مجرد سماء سوداء و فراش مريح مطرز بخلايا حريرية مع خدمة غرف راقية و جولة تتوافق مع حركات أمي ، إزداد الكوكب بشخص و بدأت بعض الأحلام تتعايش في دماغي و تكبر مع كبري ، و تتلاشى مع عجزي و حزني ، لم تكن المنطقة الجغرافية التي ولدت فيها مضيئة أو مثيرة ، لا أضواء ديسكو أو حانات و لا راقصات باليه أو حفلات ل التعري ، لم يتكلم والداي عند ولادتي ب الفرنسية ولا الإنكليزية أو التركية و لا حتى العربية ، نعم إنها الحسانية لغة الأدخن ، عندما أذن والدي في أذني عند ولادتي إشتممت رائحة الكسكس وعندما أمسكتني الممرضة لم أصب بالإندهاش أو الرضى كان وجهها شاحبا و ملتوي ك منعرجات المستقبل المجهول ، همست بعض شعيرات رأسها الأشعث لتخبرني أن الأمور لن تكون بخير ، بدأت أكبر و أكبر و مع كل عام كنت أدرك أن العالم كبير على عكس ما كنت أتوقع ، فقد كنت أتخيل أن حينا هو كل ما يوجد و أن قبيلتنا هي الساموراي الباقي على وجه الأرض ، كنت أظن أن البحر يبتلع الشمس عند الغروب و كنت أصدق أساطير جدتي المحكاة إلا أنني لم أضع تميمة في حياتي ولم أزر كاهنا أو مشعوذا و لم أؤمن بخزعبلات لحجاب كما أنني لم أرقي و لم أسترقي طول عمري ، كنت طيبا للغاية و لم أعتقد يوما أن هناك أكثر تعقيدا من إطفاء التلفاز أو معاقبتي بعدم اللعب و كانت أعظم أمنياتي أمتلاك هاتف ، كنت أحب التسوق و الذهاب للأماكن المكتظة ، أحببت دولتي و رئيسي منذ نعومة أظافري و حفظت النشيد عن ظهر قلب ووقفت يوميا في ساحة مدرستي أحتراما لعلمنا الذي يرفرف بالحرية كما وتعلمت رسمه ، كنت أعتبر أن لونه الأصفر يعبر عن الذهب و الأخضر يعبر عن النبات و الزرع ، لطالما أعطيت ل النقود أحترامها كذلك فلم أرمها أو أتلفها طول حياتي حتى أنني قررت يوما أن أزرع شجرة نقود لعلها تثمر وتغنيني ثم أدركت أن الأرض لا ترحم ما دفن تحتها ، كنت أكره القنوات الإخبارية في الحقيقة كنت أكره كل ما يمت للواقع بصلة ، كان ملهمي الأوحد آنذاك هو النمر المقنع و المحقق كونان و مسلسل القناص حتى أنني كنت أبكي لبكائهم و أفرح لفرحهم ، كنت أكره الموسيقى و أحب الأفلام الهندية و خاصة ما يقدمه شاروخان ، كنت مولعا بالنهايات السعيدة ولا أتخيل غيرها ، و أسرح بالتفكير إلى حد بعيد ، مارست التجارة عندما بلغت 8 سنوات و كان الزبائن هم أسرتي الكريمة تعاونوا معي و شجعوني و أبدو إعجابهم بأفكاري و طموحاتي و كنت بدوري أحلم بالثراء لدرجة أنني أبتعت محصلة لألملم فيها نقودي ، لكن كلما بلغت الخمسة آلاف كان يأتي أحدهم و يأخذ ما جنيته دون ترك دليل ، إكتشفت فيما بعد أنه أبي و قام بفعلته تحت تهديد الفقر و في أيام لا يحسد عليها ، كانت الحياة بسيطة و جميلة على حد سواء نستيقظ و ننام نضحك و نبكي ثم ننسى و نعود إلى سابق ما كنا ، كل شيئ بدى كأنه نمط مرسوم بدقة و مستقبله هو نفسه حاضره أي روتين بلا تغيير ، كنت أكافئ على النجاح و أكافئ كذلك على الفشل ، لم يكن هناك فرق بينهم بالنسبة لي إذ أن المكافأة هي نفسها ، كنت ضليعا في العربية منذ صغري و محبا للقراءة حتى أنني كنت أقرأ المجلات و الصحف و الورقة المصحوبة مع الدواء و قد قرأت الدستور الموريتاني كذلك حتى أغلفت البسكويت ، أراد لي أبي أن أصبح طبيبا و أردت أنا أن أصير رائد فضاء ، كنت من المعجبين ب أعمال ناسا و المتابعين لرحلاتهم و أحلامهم و نظرياتهم ، كنت مؤمنا في قرارت نفسي أن هذا الكون الفسيح يحمل بين ثناياه أناسا غيرنا و كنت أصدق ب وجود الفضائيين ، أردت دائما أن أصعد على تلك المركبة بأي ثمن لكن لم أظن يوما أن هذا الثمن هو أعوام من التعليم التي لا وقت يسمح لي بها ولا ظرف ، كان عمي يخبرني أن بعض مواهب العظماء تفتقت ب الصدفة و أن بعض الحوادث تنتج قدرات خارقة و أعطاني أمثلة كثيرة على ذلك و لأنني كنت مولعا بالتفرد إلى حد كبير و حالما أن أكون ذا شأن قررت ذات يوم أن أضرب برأسي عرض الحائط حتى تتفتق موهبتي و ما تفتق إلى رأسي ، ثم أدركت أنني أمتلك موهبة بالفعل وهي الغباء ، كنت غارقا في الخيال إلى أبعد حد و مصدقا لكل ما يقال حتى أنه كانت لي تفلسفاتي الخاصة ، مثلا كنت أظن أن النجوم أبناء القمر و أن أمهم الشمس المطلقة و أن أحمرارها ناتج عن الغيرة من الغيوم على عشيقها ، نعم و في الأيام شديدة الحرارة كنت أعاتب القمر و أنصحه بالرجوع إلى الشمس حتى تعود الأمور إلى نصابها ، لطالما كنت ذلك الفتى الإجتماعي الذي يشارك في الندوات و الحركات الشبابية ، أذكر أنني شاركت في حفلة نهاية السنة و كانت عبارة عن مسابقة بين قسم سنة ثالثة إبتدائية و سنة رابعة إبتدائية و كانت الأسئلة ثقافية و لا تمت للبرنامج الدراسي بصلة و كان من بين الأسئلة سؤال إستعرض فيه المدير كل ثقافته الا وهو ( من هو محرر العبيد في الولايات المتحدة الأمريكية ) ثم دهشت أن لا أحد يعرفه سواي ، نعم قرأت ل مارتن و أيكس و كنت مهتما بكل ما هو غريب إلا أن المكافأة المدرسية لم تكن كما توقعتها لقد أعطوني و ببرودة أعصاب بكط من لورك ، لكن لم أغضب أو أحزن بل ضممته بتجراتي و بعته مع وضع ضريبة التفكير عليه و أشترته جدتي فيما بعد بكل رحابة و أمتنان ، و قد حدث نفس الشيئ معي في الإعدادية عندما أقام أستاذ اللغة العربية و أتحفظ على إسمه ، مسابقة بين قسمنا و قسم آخر في ألفصحى و توعد الفائز بجائزة قيمة إلا أنه ذهب بالأوراق ولم يعد و بعد عام على المسابقة سأله أحد الأصدقاء عن الفائز فأخبره أنه أنا و بدوري اردت الحصول على ما وعدني به ف أبتسم أبتسامة الشر و أعطاني طبشورا أبيض كمن يحاول تسميم أعدائه ، كل ما في الأمر أننا نعيش في حيز كبير لكن ما تفتأت أعمالنا تصغر و تصغر ، لطالما مقت كبار السن و بصقت عليهم في تفكيري و كانت لي أسبابي الخاصة إلا أنني أردت أن أكبر بدوري حتى يمقتني من هم أصغر كذلك . أحببت الشعر و النثر و قرأت ل نزار و قيس ابن الملوح و قرأت المعلقات السبع و درست القرآن الكريم باكرا و كتب أخرى لا يتسع المقام لذكرها ، و لا زلت أكبر بتباطئ تارة و بوتيرة سريعة أخرى و اليوم أبلغ ما أبلغ و أعرف ما أعرف و أجهل ما أجهل و لا زلت فاشلا كما أول يوم. …. أقول قولي هذا و أستغفر الله لي و لكم.
النجاشي المقداد من موريتانيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: