الجمعة , سبتمبر 25 2020

د.أمين السعدني يكتب ….بلا اندفاع

اختلاف وجهات النظر بين الناس أمر طبيعى ، بل إنه مطلوب، للوصول إلى حلول مرضية وبدائل مقبولة، ولكن أن يصل (الاختلاف) إلى حد (الخلاف) بل الانقسام والتناحر، فهذا ما لا يقبله عاقل، وقد يشى ذلك بشىء من فلسفة المصالح الشخصية، والتى ليس شرطا أن تكون مادية بشكل صارخ.

فبنظرة سريعة إلى التاريخ المصرى الحديث، نجد أن النظام الملكى قبل ثورة ١٩٥٢ كان له مؤيدون، رغم اتفاق الغالبية على مساوئه، وكذلك فإن النظام الناصرى بعد الثورة كان له أعداء، رغم إجماع الأغلبية على محاسنه.

وفى عهد السادات توزعت الانتماءات بين سعيد بنصر أكتوبر ومعارض لفكرة السلام، بين موالين للسوفييت على خط عبد الناصر القديم ومستبشرين بالعودة إلى الحضن الأمريكي، بين مرحبين بتحالف السادات مع الحركات الإسلامية لمحاربة الفكر اليسارى، وتمسك البعض بالتراث الناصرى فى عدائه المعروف لتلك الحركات، بين مصفقين لأفكار الانفتاح ومتشائمين من دلالاتها الاقتصادية.

حتى مبارك الذى ثار كل الشعب على حكمه فى ٢٠١١ فى أكبر رفض عرفه التاريخ المصرى، لم يعدم من دافع باستماتة عن نظامه، وفى أخريات عهده، كانت شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) قد بدأت فى الإنتشار فى مصر، وهو ما ساهم إلى حد كبير فى إشعال الثورة.

وبعد نجاح مرسى فى انتخابات الرئاسة التى تلت الحكم العسكرى الانتقالى، كانت شبكات التواصل الاجتماعى قد اتسعت فى المجتمع، وقد ساهم ذلك فى بروز فكرة الانقسام، وظهورها بسهولة على شاشات التواصل، فهؤلاء مع الإخوان، وهولاء ضد نظامهم فى الحكم.

وفى عهد السيسى ، تزايدت أكثر فعالية وسائل التواصل الاجتماعى، وهى فى ذاتها لم تكرس لأفكار الاختلاف، ولكنها أظهرته فحسب، أى صورت الاختلاف الاجتماعى، وعكست صورته على الشاشات فحسب، ولكن فى المرحلة الأخيرة تحول الاختلاف إلى خلاف، أى (مع) على طول الخط أو (ضد) على طول الخط، فإلا ما رحم ربك، تجد الغرض المسكون بهوى النفس هو ما يبعث الآراء، سواء فى النقد أو التطبيل.

فإذا أيدت الرئيس فأنت طبال ومنافق، وإن اننقدته فأنت خائن وعميل، وإن قلت كلمة طيبة فى حق الإخوان فأنت إخوانى ورجعى، وإذا آخذتهم فأنت مرتد وكافر، وإذا تحدثت عن قدسية القوات المسلحة فأنت من عبدة حكم العسكر ولاعقى البيادات ، ولو انتقدت بعض مماراساتها فأنت جاسوس وصهيونى.

حتى الحديث عن محمد على صاحب الفيديوهات، تسبب فى ازدياد التناحر الاجتماعى، وموضوع سد النهضة جعل البعض لا يرحبون بفوز رئيس وزراء أثيوبيا بجائزة نوبل للسلام، واعتداء تركيا على شمال سوريا، جعل البعض ينظرون إلى الحدث بعاطفية غير مدروسة… إلخ.

أنا لا ألوم الجاهل على انقياده، وتسليم عقله لأولئك الذين يعرفون، ولكن من يفترض أنه من العارفين، فإن معرفته يعيبها الهوى، وتشوبها الشخصنة، وبالتالى يعتورها نقص قد يحيلها إلى جهل مطبق، هو أسوأ من جهل الجاهلين بالفعل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: