الأحد , سبتمبر 27 2020

اسكندر منسي

كتب:مصطفي بيومي

التمثيل مهنة لا تُورّث ولا تجدي فيها الوساطة والمحسوبية، فهي تحتاج إلى الموهبة والدراسة والقدرة على التأثير والإقناع، والحكم في نهاية الأمر لذائقة جمهور المشاهدين ومدى تقبله للوافدين الجدد. الممثل الجيد لا ينجب بالضرورة ممثلا، لكن الامتداد قائم عندما تتوافر في الابن شروط ومواصفات الإبداع، وهذا ما نجده في حالة اسكندر منسي، ابن الممثل القدير الرائد منسي فهمي. كلاهما موهوب متمكن، ولا اعتبار هنا لمحدودية الأدوار التي تُسند إليهما، وحجم الشهرة التي يتمتعان بها.
اسكندر ليس نجما ذائع الصيت، ووجهه أشهر من اسمه. ممثل محترف جاد، يؤدي واجبه على الوجه الأكمل، ويقدم عشرات الأدوار الصغيرة المتميزة. مثل الكثيرين من أبناء جيله، والأجيال السابقة واللاحقة، يملك إمكانات لايُستثمر إلا أقل القليل منها، والعلة تتجاوز الإطار الفردي إلى المناخ الموضوعي الرديء.
……………………
البداية في “سي عمر”، 1941، مترجما وهميا للنصاب قاريء الكف الذي يزعم أنه هندي، وفي العام التالي يقدم مشهدا شهيرا مع عبد الفتاح القصري في “لو كنت غني”، فهو من يدّعي الجنون لابتزاز عبد الفتاح، قبل أن تُكتشف حيلته فيعيد كل ما سلبه وأكثر. يتكرر ظهوره مع نجيب الريحاني في “لعبة الست”، 1946، بائعا في المحل التجاري، وفي “أبو حلموس”، 1947، حيث سليمان أفندي الموظف في الدائرة الفاسدة، وأحد مستقبلي الريحاني بالغناء والسخرية.
بداية كهذه تحدد مسار اسكندر عبر أكثر من ثلث قرن، فهو صاحب الأدوار الصغيرة محدودة المشاهد، يؤديها بإتقان واقتدار، ويندمج في منظومة متكاملة متجانسة ممن يشبهونه ويماثلونه. يبرع في تجسيد شخصية الموظف التقليدي وبخاصة في ساحة الحسابات، كما في “ظلموني الناس”، 1950، “لن أعترف”، 1961، “العبيط”، 1966.
الاستثناء النادر هو خروج اسكندر من الدائرة السابقة، فهو أسير هذا العالم في الغالب الأعم من أعماله، والتنوع محدود غير جوهري، كأن يكون ناظر العزبة الفاسد في “سيدة القصر”، 1958، أو سكرتيرا لنقابة فراشي المحلات التجارية في “الفانوس السحري”، 1960، وهو أيضا الأخصائي الاجتماعي الذي تُسلب سجائره من السجناء في “30 يوم في السجن”،1966.
داخل هذه الدائرة، يصل اسكندر منسي إلي ذروة الأداء الممتع عندما يجسد شخصية المدرس الطيب الصعيدي، صاحب اللهجة المختلفة في آذان طلابه وطالباته، ما يدعوهم عادة إلى السخرية والتهكم. هكذاهو في “الجسد”، 1955، و”المراهقات”،1960، و”الست الناظرة”، 1968.
أدق ما يمكن قوله عن اسكندر إنه “واحد من الناس”، يذوب في مجموعة من البشر تشكل جزءا أصيلا من روح المكان، كما هو الحال في “السفيرة عزيزة”، 1961، وهو ينخرط كذلك في الكتلة الشعبية العريضة التي تعيش يوما بيوم، ولا تتحمل الأعباء الإضافية غير المتوقعة. مصطفى في “أعزالحبايب”،1961، موظف صغير يعيش في الفيوم مع زوجه، سهير الباروني، وأولاده. لا يكره حماته الطيبة، أمينة رزق، ولا يضيق بزيارتها، لكن إقامتها الدائمة لا تتوافق مع إمكاناته المادية المحدودة :”فهميها كده بالذوق إن حالتنا على قدنا”.
……………………..
مرقص أفندي، زميل حسين، عماد حمدي، وصديقه المقرب في “أم العروسة”، 1963، أشهر أدوار اسكندر منسي وأقربها إلى قلوب الملايين من مشاهدي الأفلام المصرية عبر شاشات التليفزيون. موظف مصري صعيدي قح، وصديق مخلص شهم مؤتمن. يعتمد عليه حسين في مهمة جمع المعلومات الضرورية عن العريس الذي يتقدم لابنته، وهو أيضا من يسعى بخبرته الروتينية العميقة ومعارفه لمتابعة الإجراءات المعقدة لصرف سلفة استبدال المعاش. موقفه الأهم يتمثل في إنقاذ زميله وصديقه من تهمة الاختلاس، التي تعني السجن والتشريد :”إيه العملة السودة اللي عملتها دي يا حسين.. وعهد الله ما ليك حق واصل.. انت نسيت إن عندك وِلد.. عايز تخيب أملهم وتضيع مستقبلهم.. على كل حال ربنا ستر.. دفعتلك الفلوس اللي ناقصة من عهدتك من جيبي.. ولما تقبض الاستبدال ابقى سددهم”.
مرقص مصري مسيحي، كما ينم اسمه، والموقع الذي يحتله في حياة حسين يكشف بشكل فني غير مباشر عن طبيعة العلاقات السائدة بين المسلمين والمسيحيين في مصر، قبل تصاعد الاحتقان ووصوله إلى التوتر المقيت والصدام العنيف في سنوات تالية، بفعل سياسة السادات وتحالفه المشين مع الاتجاهات الدينية الفاشية. لا إشارة واحدة طوال أحداث الفيلم عن الانتماء الديني للصديقين، ذلك أن البطولة للهم الاجتماعي في المقام الأول.
الإعجاب باسكندر منسي لاينبع من مواقفه الإيجابية المحمودة، فكل وأي ممثل آخر يستطيع أن يردد كلماته ويسلك سلوكه، لكن التقدير الأعظم لأسلوب الأداء الصادق كما يتجلى في لهجته الصعيدية المتماسكة، وفي معايشته المقنعة السلسة بلا ادعاء لشخصية الموظف الصغيروالآليات التي تحكم انفعالاته وطريقته في التعبير.
في “الحفيد”، 1975، الجزء الثاني من “أم العروسة”، لا يظهر مرقص أفندي إلا في مشهد واحد قصير غير مؤثر، يناول فيه سماعة التليفون لزميله حسين، ثم يقهقه بعد انتهاء المكالمة. لا يُذكر اسمه، ولا فارق بين وجوده وغيابه. ما الذي تغير في مصر؟. استنباط الإجابة المؤلمة ليس صعبا.
…………………..
فيلمان فحسب هما اللذان يتخلص فيهما اسكندر منسي من أدواره التقليدية المعهودة، فإذا به الطبيب الكبير مفتش الصحة في “صراع الأبطال”، 1962، ووكيل النيابة في “المتمردون”، 1968، والفيلمان من إخراج توفيق صالح.
هل يملك اسكندر المؤهلات الشكلية والنفسية للتعبير عن الوظيفتين المرموقتين اللتين تقترنان عادة بالقوة والهيبة والسلطة؟. الإجابة بالنفي، وهنا تكمن فلسفة المخرج الكبير في الاختيار. الدكتور مازن تابع منسحق لقوى اجتماعية متسلطة تسّخره لخدمة مصالحها، وشخصيته سلبية متهافتة مقارنة بالطبيب الشاب الثوري شكري، شكري سرحان. ليس أدل على ضعف وهشاشة مازن من مقولته الساخرة، الكاشفة عن جوهر رؤيته :”ما حدش بيموت من الجوع.. الناس بتموت من جهل الدكاترة”.
الطبيب مفتش الصحة أقرب إلى الموظف التقليدي منه إلى عالم الأطباء أصحاب الشخصيات القوية المستقلة، فهل من يفوق اسكندر في تجسيد شخصية كهذه؟. الرؤية نفسها تنطبق على وكيل النيابة في “المتمردون”، فلا شي فيه من القوة والهيبة وجلال النيابة. إنه متواطيء منذ البدء، ومجيئه إلى المصحة يبدو إجراء شكليا لا يعني شيئا إلا تسويد الأوراق والتمهيد لتنفيذ مخطط تآمري. يخاطب الدكتور عزيز قائد التمرد، شكري سرحان، في نبرة تؤكد العداء المسبق بلا تحقيق :”انت اللي بتتكلم باسمهم؟.. مش أحسن تبطلوا حالة الشغب دي عشان نشوف مصالحكم.. “، ولا ينتظر ردا فيملي على كاتب النيابة :”ونصحناهم بالعدول عن حالة الشغب فرفضوا”.
يتوجه بعدها باتهام صريح لا ينهض على أساس :”انتو بالطريقة دي بتعطلوا التحقيق”، ثم يضيف وهو في طريق العودة إلى السيارة :”واُقفل المحضر في الساعة”.
وكيل النيابة “موظف” لا ينتسب إلى قيم المهنة وتقاليدها الراسخة، والأسلوب الذي يؤدي به اسكندر هو الأمثل للكشف عن غيبة القانون واليأس من إنصاف العدالة.
………………
في “زائر الفجر”، 1973، يقدم الموهوب اسكندر واحدا من أنضج وأعمق أدواره السينمائية، ويشكل مع إحسان شريف، زوجه حميدة، ثنائيا متجانسا يعبر بأفكاره وسلوكه عن قطاع عريض من المجتمع المصري. مدبولي وحميدة زوجان عجوزان يجاوران القتيلة، ماجدة الخطيب، التي يدور التحقيق حول ملبسات قتلها، وعلاقة الزوجين معها قوامها التوتر والصدام المتكرر. الزوجة أشجع وأجرأ، متماسكة قوية الأعصاب، أما مدبولي فإنه جدير بما تقوله عنه الزوجة في نبرة محايدة تخلو من التحامل وتعمد الإهانة :”طول عمره خواف”.
مدبولي ليس متهما، لكنه يرتعد ويرتعش مسكونا بالخوف والقلق. العجز عن التحكم في عصاه، التي يتكرر سقوطها من يده، علامة على تهافت شخصيته وإيثاره الابتعاد عن شبهة المواجهة وأشباح المشاكل، وهل يملك صغار الموظفين إلا أن يكونوا خائفين؟.
…………………
يتوقف اسكندر منسي عن العمل في سنواته الأخيرة، ويتقاعد مضطرا بعيدا عن المهنة التي يهبها عمره. ليس أول الساقطين في دائرة الإهمال والنسيان، ولن يكون آخرهم بطبيعة الحال. على مشارف الثمانين يغادر في هدوء، ويترك تراثا محترما جديرا بالبقاء والإعجاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: