السبت , سبتمبر 26 2020

قراءة نقدية عن نص ا. محمد الدمشقي للناقد القيس هشام صيام

الجزء الأول من :-
قراءة متواضعة لنص ( لغة أخرى ) للأديب السامق أبن أرض الياسمين
محمد الدمشقي ..،

لنتفق على شيئين مهمين في تلك القراءة قبل الولوج في عباب رؤى حروفها جميلات الحضور الإبداعي الموشاة بالشجن الوجداني ..

الأمر الأول :- أنها دراسة مستفيضة لنص شمولي مس الوجدان تحتاج لتأنٍّ في القراءة لأنها لحرف وفكر لا يمكن المرور عليه دون سبر جيد لماهيته عبر تلك المعاناة الحياتية الخاصة والعامة وقدرته على التحليق ووشم دفاتر حضور جديدة على جبين الزمان ..،

فالياسمين وما به من قوة تجعل منه ملاذا آمنا لرؤى فكرية إبداعية شملت ذوات تجمع عينات من المجتمعات العربية تعبر عنها وتنصهر في بوتقة واحدة كل هذا نجاحات مبهرة توضع في كفة آثار هذا الآدمي الذي يحمل على عاتقه وضع لبنات لسرح من الرؤى والذوات المبدعة التي يشار إليها بالبنان وهذا في حد ذاته إنجاز كبير في عالمنا الافتراضي وواقعنا الحياتي ويكفي أن الياسمين أصبح محورا فكريا إبداعيا في واقع الحياة وهذا يحسب لأديبنا المبدع محمد الدمشقي ..،

والثاني :- أن هذا النص عامر بالترميز الذي شرش في خافق السطور بأريحية شاهقة ولهذا لا يجب أخذ كل ترميز بالرؤية الظاهرية له ولكن بالغوص الجيد في المعنى الباطني للرمز وإلا فقدنا طرف الخيط الذي منه سنعبر عباب النص بكل راحة وأمان…

فالنص رسالة لتغيير الخطاب الحضاري لتلك الشعوب التي لا تستطيع وشم رؤيتها بعلامات الاستفهام ليس لأنها لا تستطيع لخواء ألبابها ولكن لتلك القيود التي تكبل شفاه تلك الإجابات التي تعج الحناجر بأصدائها ..،

النص يناجي الوطن والحبيبة وكل مفردات اللحظة في صورة أنثى القصيد مع تغيير في مفردات الخطاب في كل رسائله ليختلف بها نوع التوجيه مع وجود قوي لأدوات ربط دقيقة تحلق بالرابطة العضوية للنص بكل شموخ ..،

من كل هذا وجب علينا رؤية ما يريده أديبنا بكل هذا الترميز المصور لأنه نص شمولي يعبر عن الكل من خلال وضع الجزء تحت المجهر كعينة ومن خلال وضع صور منبثقة من الترميز لتسقط على معاني أشمل من معناها الظاهري ..،

وعذرا لإطالة القراءة ولنعتبرها دراسة لروح حالمة بفجر جديد تسعى إليه في دأب فاستوجب هذا من شخصي المتواضع أن يحاول بجهد متواضع سبر كل أنملة من فسيفساء النص بدقة لأنني في محراب إبداعي يحتاج أن أشعل بمحبة على مذبحه شموع تضيء كل موضع حرف في جداريته ..،

لغة أخرى ..

هنا …
بين شظايا الأسئلةِ المتناحرة،
التي نبشوا قبورها
و فراغاتِ الإجاباتِ
الهاربةِ من عطشِها …
الى نزفٍ أبكم
لا رمالَ يدفنُ فيها رأسَهُ
و لا بحرَ يرمي إليهِ …
جثثَ نسيانِه ،
بين أكوامِ الكلماتِ و الحمائم ِ المحترقة،
و القوافي المقيدةِ بظلِّها
و أكمامِ الشعرِ الباليةِ
التي… لا تسترُ كتفَ الآه
مهما صمتَ الليل ،
و لا تطفئُ غربتَهُ المختبئةَ
خلفَ أصبعِها

في وضعية النفس الحائرة التي تحمل ألف سؤال تحاجج به علامات استفهام مريدة تدهس شتلات الإجابة فتوئدها قبل أن تصبح نبتة في مهد الطين
يتهادى الخفق الشعري لهذا النص بين عباب السطور …،
الترميز شاهق الحضور فنحن نتعامل مع نص حمل الترميز لواء لرؤاه بحذق ..
… ليحلق في ساحات الترميز في ضربة البداية لفظ
” شظايا”
للتعبير عن مخاض متنامي لعلامات الاستفهام من مسبب – الأسئلة – فالشظية نتيجة لانفجار قنبلة أو دانة مدفع أو لغم وضع بليل ..،
هنا يتعرق الترميز رموزا جديدة من مسامات حضوره ليلد صورا تأخذ العقل …،
فالأسئلة هنا هي هذا المسبب السابق ذكره وتم وضعها في معية تصوير لتراشق دانات مدافع للتعبير عن خلاف الرؤى من جهة واحتدام النزاع والتعدي والحرب الدائرة بين الفرقاء من جهة آخرى …،
فتلك المعارك لم تكن لتتواجد سوى في وجود هذا الخلاف الضارب في القدم والذي تأججت نيرانه من بين الرماد الناعس الذي ينتظر شهقة الريح ..،

عزز هذا التأويل لفظ ” المتناحرة ” وأكده تعبير محلق مدهش هو :-
” نبشوا قبورها ”
فالنبش هنا خرق لهدنة تلك الرؤى التي كانت في وضعية السكون وليست السكينة ولكنه السكون الذي نضع له احتمالات عودته العاصفة في أي وقت ..،
فالسكينة مع لفظ ” القبور” تتيح للمتلقي معني الموت التام – انسلال الروح وبقاء الجسد في سلام وانعدام مؤثراته على واقع الأحياء – هنا يكون النبش إخراج جثمان لا حول له ولا قوة ولا نملك باستحواذنا عليه سوى إثارة الهلع والفزع وفقط ولكن القول و التأويل بحالة السكون هنا تمنح المتلقي رؤية واضحة مع لفظ القبور فهنا القبر ليس القبر المتعارف عليه ولكنه تلك البقعة الصماء من عقلنا الجمعي التي تم تحيّد هذا الخلاف ووضعه بها ولم يتم رأب صدوعه أو حلها جذريا …،

ومن هنا في هذا القطف الشعري المائز نلمح – ونحن في دهشة من أمرنا – هذا الاستدعاء لموروث اجتماعي عرقي ومذهبي وإيدولوجي ورؤى سياسيةمختلفة لم ينصهر أي منها في بوتقة الفكر الجمعي لهذا الشعب وهذا الأمر منح رحى الاقتتال الوقود الخارق للعادة الذي جعلها تدهس الدرب بكل ما فيه – الكل دون تمييز تم دهسه – على مرأى ومسمع ..، ٠
في تصوير رائع تجسدت فيه في البداية الأسئلة – الرؤى المختلفة – وهي معنوية الحضور لهيئة تحمل الدمار – السلاح – عند تراشقها ثم تم تقطيع التجسيد لتصبح جزءا من كل – نتف من شظايا هذه الدانات المتراشقة – للتدليل على هذا الدمار الذي صنعه هذا التراشق والذي جعل تلك الرؤى المتناحرة تتوالد بالانقسام كالاميبا – كائن بدائي وحيد الخلية يتكاسر بالانقسام (حقيقة علمية) – فتنتج عنه رؤى جديدة غاية في الصلف والكراهية أعنف بضراوة من الرؤى السالفة التي خرجت من سكونها لتتحول لخلايا سرطانية صغير – شظايا – تفتت عضد الوطن ..،
وهذا يتوافق بدقة مع الصورتين المرمزتين السالف ذكرهما في تناغم رائع مع صور ترميزية الحضور وشمت بها السطور في ألفاظ مثل ” فراغات .. عطشها .. نزف .. أبكم” في ملاحقة ترميزية للفكرة وضعت بمهارة ..،

في بداية تدشين الصور هناك مقارنة لفظية رائعة نراها ماثلة بين رمز أساسي في الصورة الأولى وهو ” الأسئلة ” وآخر عميق التأثير في التصوير هنا وهو رمز ” الإجابات” تلك المقارنة خلقت بديعا لغويا وانزياحا رائعا جمع ما بين الصور المرمزة بدقة توضح الأمر في ذهن المتلقي وتحفزه للولوج في النص ..،

هنا كان الحضور القوى للفظ فراغات يتيح للمتلقي رؤية تلك الطاولة التي يجلس عليها الفرقاء يقارعون بعكاكيز اللستفهام بعضهم البعض في نباح سوفسطائي عقيم مرير النكهة ضلت به أصداء الإجابات هو تراشق وفقط دون حلول تنتشل تلك العقول الغارقة من البئر الأشر …
…. وكيف يكون وقد تم قطع حبل دلو النجاة ..،
يؤكد هذا التصوير حضور لفظ ” عطشها ” يسبقه لفظ ” الهاربة ” في سياق لا يمكن نزعه مما سيعقبه من تعبير رائع هو ” نزف أبكم ” …،
هنا كان التصوير في أبهى حضور له مع تجسيد واضح قاطع لتلك الإجابات – نتائج النزاع والتراشق – في مهية إنسان يفر من شر محكم مع حضور ترميز رائع ” عطشها”
فالعطش هنا ليس العطش المتعارف عليه ولكنه عطش الغارق في ضبابيه علامات الاستفهام المتناحرة الذي يتوق لإجابات تروي غليل نفسه فلا يجدها وكعادة النفس البشرية عندما تتعذر وتتلاشى الحقائق ويصبح البهتان والزيف هو الحادي للموقف هنا يبتعد عن النقاش – رحى الاقتتال والأجندات الخارجية والخلافات الايدلوجية المتنامية – ويلتزم الصمت – صمت العاجز – فالعطش ترميز هائل لحالة من ضبابية الموقف وتلاشي الحقائق الثابته – وحدة الوطن ولحمة شعبه – هنا يصبح الفكر جاف قحل ينتظر غيث تبعث به بقايا جذور الحقيقة التي أجتثت أشجارها ..،

وهنا يحضر في ذهني تأويل آخر – وهذا يعني قوة النص وتأثيره وعمقه – يحملنا للتأمل واستدعاء بعض من موروث الماضي الفكري لمجتمعنا العربي الأول – المعين – خاصة مع تعبير ” نزف أبكم ” ..،
ولنضع لهذا التأويل سؤالا اعتراضيا وهو
كيف ومن من نأخذ ثأرَنا ؟؟!
( كيف ؟) ضلت وضللنا معها في شعاب متداخلة كمتاهة فنحن لا نعي السبيل
إلى هذا ..،
( ومِن مَن ؟!!!) تفرق الدم بين الفصائل المتناحرة وعواء الأجندات الخارجية التي تنخر في كل بارقة أمل بنبال الغدر والفجيعة …،
هنا تظل أرواحنا الصريعة على مذابح الأوثان عطشى هاربة تهيم في الفيافي فارة من عطشها تطلب السقيا وقد جف حلقها فلا تستطيع سوى الصراخ بهمهمات تشي بالعطش ..،
كهذا الموروث العربي القديم للقتيل الذي يظل هائم يطلب الماء حتى يأخذ وليه بثأره هنا يؤكد هذا التأويل تعبير ” نزف أبكم ” كترميز محلق لهذه الحالة فالدم هو ترميز لهذا القتيل وتم حضوره في لفظ “دم” لأن العلاقة الدائمة بين القاتل وأهل القتيل ليست سوى علاقة دم سفيح بينهما ..،

وقد يأتي تأويل آخر يحمل لواء حضوره تعبير “رمال يدفن فيها رأسه” وتعبير
“بحر يرمي إليه جثثَ نسيانه ” ..،
فيصبح هذا الدم النازف تعبير عن هذا المواطن النازح والمهاجر من الوطن وهو متوافق مع لفظ ” الهارب” فهذا النزوح الممنهج نتيجة عدم القدرة على تقريب وجهات النظر بين الفرقاء واحتدام المعارك والحرب الطاحنة جعل المواطن يترك مراتع ومسقط رأسه ووطنه في نزوح واغتراب مرير وقد شرشت الخيمات اللاجئات
ما بين العظم والنخاع ..،
وتنائي ترف النسيان فكيف ينسى الحر مراتعه وكيف ننسى قتلانا ودياراً فقدناها ورحم المُزن حُبلى بدمعات الثكالى ..،
فقط كل شيء يسير على درب معبد بالشوك لا يملك به ترف التخفي والتظاهر بالبعد عن المعضلة الكبرى – محاولة استحضار سكينة وإن كانت زائفة – حتى وإن كان كالنعام الذي يدفن رأسه في الرمال وهو يظن النجاة وجسده معرض لطلقات الصياد القانصة ..،
تلك النجاة الجزئية لفكره وعقله الذي يحوي ربان السفين الخاصة به تمّت إليها الإشارة ها هنا في هذا التعبير شاهق الترميز غزير التأويل …،

في عودة إلى تلك الصورة البديعة التي لا يمكن المرور عليها دون سبرها في
لفظ ” بحر” وهذا الاختيار الرائع للفظ الذي خدم المعنى فهو مسطح مائي شاسع حمل بين خوافق وتينه كمعني حضور لشمولية الفكرة الخاصة بهذا النص عكس لفظ بحيرة مثلا التي كانت ستقزم الفكرة والمعاناة في خصوصية مشخصنة لناسج النص وفقط وهذا لأن البحيرة مسطح مغلق على نفسه في بقعة محددة الأبعاد ..،
وأيضا في حالة استقدام لفظ نهر كان سيتغير المعنى ثلاثمائة وستين درجة لأن النهر لا يستساغ إلقاء ودفن الجثث فيه فهو رمز للخير والنماء وأيضا لا يمكن أن تصبح حواريتنا معه عبر هذا الإلقاء حوارية حول النسيان ولكنه دائما وأبدا حوار الصديق الذي يحفظ الأسرار ويكتمها ولا ينساها فهو معين ذكريات – هكذا نشأت وتربيت مع نهر النيل وهذا مثال – ولكن البحر بكل ما به من جموح العباب مدفن عريق للجثث وبكل ما توارثناه عنه عبر الزمن والإبحار فيه من ضياع للسفن والبشر في متاهات النسيان وعدم العودة ..،
لكل هذا كان لفظ البحر دقيق الحضور بشدة وتناغم مع التصوير المجسد للنسيان بتلك الجثث التي تدفن في لحود غائرة في رحم هذا البحر مع تواجد تشبيه مصور لهذا الرحم الحاوي – البحر – باللحد في تجسيد لماهية سائلة في صفة المجسد الجمادي مما جعل هذا التصوير المرمز في أبهى صوره ..،
هذا ثبوت تأويل رائع للفظ نسيان يتناغم بدقة مع إلحاق الصفة البشرية بالرمز المجسد – جثث – وهنا نقول البشرية وليست لأي مخلوقات أخرى
اولا :-
لأنه يعود على ظروف مجتمعية خاصة بشعب يكابد صرف المعاناة الحياتية ..،
ثانيا :-
وهذا هو التأويل الناجم عن اللفظة فالإنسان كما نردد في مفردات العقل الجمعي اشتق من لفظ نسيان – لأنه منح تلك النعمة من الله عز وجل – وهذا من ضمن المعاني التي وضعت للفظ ( إنسان) من هنا يأتي التأويل أن تعبير ” جثث النسيان” عائدة على هذا الإنسان الذي يعيش على تلك الأرض المنكوبة بالصراعات والحروب عبر التعبير والطرح بصفة هي ملكية ومنحة منحها له الديان ليتكيف ويعيش ..،
وأيضا كتعريف من تعاريف معنى لفظ إنسان في الذاكرة الجمعية للبشرية

” الكلمات” ” الحمائم”
ثم لفظ ” محترقة ” الذي يختم به القطفة الشعرية والذي يتناغم مع ضربة بدايتها في لفظ ” أكوام” ..،
هنا يجب التوقف والتأمل المدقق السابر للقطف من الخارج والداخل ..،
هذه القطفة الشعرية الشاهقة جعلت أفكاري تتناحر كما تلك الشظايا ولكن تناحر المحبة للحرف هذا التناحر جعلني أرنو لتأويل جديد للفظ البحر – هذا التعدد في التأويل والرؤى يؤكد أهمية النص واتساع أهدافه – فهذا البحر في حضور روح المجاز من أثر تلك الخفقة على وجداني أجده بحرا من بحور الشعر خاصة مع هذه التفعيلة التي تينع في عمق بعض المقاطع لتتمازج أصداء جرسها المشجن بعذوبة وتحليق الرؤية الترميزية المصورة في النص ..،
مع هذا الترميز الرائع الذي مزج بين الكلمات بكل ما تحويه من مرثية وجدان جمعي وغوغائية أبواق تدعو للاقتتال وفتق عرى اللحمة الوطنية وأوراق صدئة السطور تتعاور سن القلم فتخرس الأحبار ويسقط حمل حروفها عن مساكنها…،
وتلك الحمائم بكل ما تملكه من نقاء وتعبير عن السلام والأمن وهي تحترق في أتون المتحاربين وهي ترقص رقصة احتضار أخيرة ترفرف فتذكي النار بزفرات أجنحتها الكسيرة فتساهم في احتراقها دون أن تدري ..،
وهذا يعبّر بدقة عن الصراع الدائر بين مشعلي النار – الموتورين والحاقدين من الداخل والخارج – والمواطنين الذين لا حول لهم ولا قوة أصحاب الحاضر السفيح والغد المضبب الغير واضح القسمات وفي هذا كله الكل خاسر والضياع للوطن الذبيح …،
وهذا ما اختزل في ضربة بداية القطفة في لفظ ” أكوام” والذي يعني بدقة هذه المخالطة بين الرؤى جميعها التي تشعل نار الحرب والتي تحاول رأب الصدع وكلاهما يسير في تخبط في اتجاه الهاوية فهذا التكدس الذي يتيحه لذهن المتلقي لفظ أكوام يعني اختلاط الحابل بالنابل وعدم وجود رؤية منهجية تدعو للخلاص ..،
ثم يأتي لفظ” المحترقة” ليخرج بنا من المقدمات – أكوام الكلمات – لنتيجة واحدة وهي الفناء فلا يكفي الاشتعال للفناء ولكن لفظ الاحتراق يشي بالتفحم ورائحة الموت التي تنجم عن الشواء …،
هنا الوحدة العضوية ما بين ضربة البداية لفظ “أكوام” والنهاية لفظ “محترقة” فالأكوام كمعني يراود عقلنا خاصة في هذه الحالة الفكرية التي صاحبتها كصفة للكلمات والتي تتيح لنا معرفة أنها أكوام من النفايات الغير مفيدة – رؤى كالغثاء والصالح منها لا حول له ولا قوة فهو أيضا غير مفيد – وهي كغيرها من النفايات سريعة الاشتعال وتصل بنا إلى تلاشى السلام الاجتماعي والنفسي المرمز له بلفظ الحمائم
……،
من هنا نلج لتلك القوافي التي تحمل في رحمها رمزية لعقم الرؤى فالشعر كما نعرف ونعي هو تاريخ وديوان العرب وهو تأريخ للماضي وحامل لواء تغيير الحاضر ومخاطبة الغد عبر نجابة استقراء المستقبل من ماهية أحداث الحاضر والأمس ..،
لهذا فتلك القوافي – الرؤى العامة لواقع الحال – نتيجة كل ماكان أصبحت مهيضة لا تقوى على حمل همة ولا تُقوّي ظهرا ولا تُقيّم نظرة لغد ..،
فالقوافي رمزية رائعة لهذا الشعب الذي لم يعد يملك الديناميكية التي تجعله يجتاز تلك اللجةا لمعتمة بل هو مقيد في وتد شرش في ظله …،
مما يعني عدم التقدم للأمام ويؤكد في تصوير رائع معنى هذه القيود في هذا التجسيد الرائع للقوافي المجازية شاهقة الترميز وتجسيد الظلال لتصبح أوتادا عملاقة يقيد بها هذا الشعب …،
في تصوير بديع لا ينتهي مداه بل يذهب بنا بتعبير رائع ” أكمام الشعر البالية” التي تخدم على المعنى السابق بعمق وهي تأخذنا على جناح تصوير مشهدي رائع للشعر وقد تم تحريره لثوب نرنو إليه – ننتظر منه لملمة مواجعنا والتعبير عنها – فنجده مهترئ الأكمام في تصوير بديع جدا للمشهد ..،
ثم يأتي تعبير ” لا تستر كتف الآه” ليعبر عن التعري الذي يوحي بالتشرد والمعاناة لأنه تعرٍّ جزئيّ والتعرّي الجزئيّ في تلك الحالات يعبر أكثر عن الضيم والمكائد والضياع في واقع الحياة وهذا يتوافق وتفسير الأمام النابلسي لرؤية ارتداء الثوب الممزق في الأحلام فهي في تفسيره وجود من يحيك له المؤامرات والمكائد ويجب الحذر والحيطة منه …،
من هنا كان التعبير كمعني دقيق مع تلك الآه التي تعبر عن النفس الملتاعة في تصوير تم به تجسيد المعنوي ومنحه صفة من الكل المجسد وهي الكتف العارية الظاهرة من الثوب الممزق كمّه في تلك القطفة في تصوير رائع جدا ..،
وهو هنا تعبير عن سواد حالة الضيم والشجن وإن حاول أصحابها التخفي بها ولكنها واضحة للعيان يؤكد هذا المعنى تعبير ” مهما صمت الليل” والليل كما هو دوحة العشاق فهو أيضا مهد السهد والتآوه والعبرات الملتاعة هنا كان المجاز في أبهى صوره فالمفروض التعبير ( مهما صمتت الآه) و هنا تم استحضار المجاز العقلي والذي يأتي بالفعل لغير فاعله لوجود علاقة ما تجمع الأثنين والعلاقة هنا أن تلك الآهات المشجنة في معظم الأحيان لا تعتلي صهوتنا باحزانها سوى في المساءات المسهدة …،
وهذا ينطبق والجو العام للأحداث فهي مساءات تنتظر الفجر القادم ..

الله على هذا التصوير الرائع في تعبير ” خلف أصبعها”
فعندما نتحسر وتخرج منا الآهات المشجنة كثيرا ما نحاول منعها بأناملنا التي تغطّي الشفاه لمنع خروج صوت الآه ..،
هنا كان التعبير في أوج حضوره في مشهد تصويري متكامل وكأن تلك الأكمام
المهترئة تم وضعها في ماهية أصابع ليتوافق لفظ الصمت مع محاولة الحجب حد وضع الأصبع على الشفتين لمنع خروج الصوت – الآه – التي تحمل الاغتراب النفسي الداخلي والخارجي والحيلولة دون خروج هذه المشاعر التي تحمل الألم …،

هنا تلك القصائد التي لا تعبر عن الفكر الجمعي للشعوب ولا تعيره السبر الجيد بل تتركه على قارعة الطريق وتكتفي بالنظر إليه من بعيد دون معرفة حقائق
أحواله بدقة ..،

الله الله
كم هو تحليق غير معتاد بكل تلك القوة للترميز نجدها في هذا النص مع قوة ودقة الصور التي لا تجعلني أستطيع أخذ أنفاس الاستراحة فالصور متصلة ولود لا ألج أي منها سوى لألمح أخرى يغلفها هذا الترميز البديع الشاهق ..،
ولكن سيستمر شراع القراءة مبحرا بين عباب هذا النص الرائع ..
هنا تماماً
عند البقعةِ العمياء
من ضبابكِ الحائر ،
أقفُ مع تنهيدتي
على حافةِ القصيدة
و بجعبتي قلقٌ ثرثار
معتلُّ الآخِر ،

” هنا دائما ”
يتحول الخطاب في درامتيكيه من مخاطبة المواطنين إلى مخاطبة الوطن في صورة أنثى القصيد ويبدو هذا جليا في تعبير ضبابكِ الحائر ..،
من خلال صور مرمزة تحمل معاني واضحة المثول ..
” البقعة العمياء” “ضبابك الحائر” “حافة القصيد ”
هنا هذا الوقوف يبدو وكأنه وقوف المتسلل الغير مرئي الذي يملك مكانا يستطيع منه سبر الأمر بدقة وهو آمن ولو لحين …،
فالبقعة العمياء لفظ متعارف عليه أنه المكان الذي لا تراه العين من المشهد ومن يأتي أو يقف فيه يستطيع أن يكون في مأمن فلا تراه العين ..،
هنا كان الترميز الرائع لتلك الحالة التي يستطيع فيها نقد وسبر وفهم الأمر وبعث رسائله لكل الفرقاء ..،
ثم يأتي تعبير مركز جديد ” ضبابكِ الحائر” ليأخذنا لحالة من الدكن الملبد وانعدام الرؤية الواضحة التي يصف بها حال الوطن عامة تلك الحالة التي تتسم بالتخبط في كل اتجاه مما يجعل الترميز بالبحيرة دقيقا وبشدة ..،
مع تصوير شاهق تتحول به تلك الرؤى إلى كيان متكثف معتم الرؤية ثم إيجاد صورة مجسدة جديدة تحول هذا الكيان إلى إنسان حائر في أي مسلك أو اتجاه يتحرك ..،
” على حافة القصيد”
مع كل ما كان من ضربات شعرية متتالية تجمع الفكرة نجد هذا التعبير دلالي الثبوت الذي يبدو به أديبنا من خلال تجربته عبر هذه القصيدة – الأحداث – وكأنه يقف من أعلى سطح القصيدة – حافة – ويرنو إلى الصراع ونتائجه بعين طائر تسمح له بأن يجمع المشهد ككل فيعي فحواه بدقة ..، مع صنع صورة بديعة عبر الترميز بالقصيدة التي تعنى الأحداث – التي تشبه إلياذة ولكنها إلياذة وطن جريح – وتحويرها لكيان مجسد يحوي أحداث الصراع الناشب ثم ظهور صورة ولدت من رحم الصورة السالفة والتي تجعلنا نرى مشهدا دراميا كاملا لهذا الذي يقف ويرنو ويتعاوره التنهيد من أعلى بنيان بل أنه يقف على الحافة مما يصنع (تشويقاً) تتلعثم له أفئدتنا وهي تمر على السطور هلعا من السقوط الذي قد يكون أحد النهايات التي تتراءى في ذهن المتلقي لبطل المخاطبة ..،

“قلق ثرثار .. معتل الآخر ”
هنا في هذا المزج العجيب بين تعبير القلق الثرثار وترميز معتل الآخر ..،
هنا توقفت لبعض الوقت ألتقط انفاسي بعد التحليق بينهما ..
القلق الثرثار شيء متعارف عليه فالقلق في كل الأحيان يحدو صاحبه على الكثير من الكلام ما بين سؤال واستنطاق لحناجر غد خرساء وتيقن واستبيان للحاضر هذا هو ما نراه في حالات القلق وتم حضوره من خلال تصوير مجسد جزئي عبر استحضار صفة إنسانية لا تتاح سوى عن طريق الحوار وهنا تم التصوير الرائع مع منح القلق وهو شعور معنوي صفة الشفتين ..،
ولكن يظل هذا الترميز ” معتل الآخر” هو بيت القصيد الذي أبحث عن إجابة له ها هنا …،
راودني تأويل غريب عبر ما أتفهمه من خلا النحو والنحاهةعن الفعل المعتل كتعريف فالفعل المعتل لا يأتي عند رده من المضارع للزمن الماضي صحيح …،
(هنا وجدت ذهني يحملني إلى هذه المفارقة التي كان لفظ معتل بها ترميز يلد في ذهني عبر الفرق ما بين الفعل المعتل والفعل الصحيح ترميزا جديدا لا أستطيع أن أبتعد عنه أبدا وأراه يلازم فكري وهو ترميز جديد بالفعل الصحيح ظهر مع تمام سبر الترميز الأول ..،
هنا يجب أن نخرج عقب هذا كله خارج دائرة النحو ونسقط من الترميز – الفعل الصحيح – الذي تمخض عنه الترميز الأول – الفعل المعتل – هنا نأخذ هذا القطف الجديد من خميل الترميز في معية التورية ما بين معنى الفعل الصحيح كرمز والتورية الخاصة بمعنى كلمة صحيح التي تعود على كل تلك الأفعال الشائنة الفاسدة الغير صحيحة التي جنتها أيادي الفرقاء وأصحاب الأجندات الخارجية في الوطن ..،
هي ضربة شعرية قوية البراعة نطل من شرفاتها على مشهد نتعرف فيه على كل ما كان من الأفعال الغير صحيحة والتي جانبها الصواب والتي عقب حدوثها حدثت كل تلك النتائج والآثار التي قدت دثار الوطن …،

و حقيبةُ ذاكرةٍ مهترئة
منفيةُ العبق
و رشفةُ شعرٍ أخيرةٍ
لم تروِّجْ إلا لحزنِها
و لم تُستهلَكْ بعدُ
بالتصفيقِ و الدخان
و تنانيرِ المنابرِ القصيرة
و عباراتِ الثناءِ الدبقة

أردت تقسيم هذا المقطع في القراءة لأنه يحمل رسائل متعددة قاطعة الدلالة
عميقة التأثير تحمل معاني تم استحضارها من خلال معاني ظاهرية وهي
-الساحة الأدبية – للإسقاط على ساحة أعم وأشمل وهي الساحة الحياتية لدفاتر حضور شعب ووطن وهذا هو روعة الترميز الشاهق الذي يحتاج للغوص والسبر الجيد للتعرف على باطن الرمز الذي يحوي الفكرة الأساسية ومعناها..،
” حقيبة”
لفظ متعارف عليه بخصوصية وضع الأغراض التي نريد الحفاظ عليها فنجمع بها كل غالٍ وثمين وهي أيضا في حد ذاتها غرض نستعين به ..،
هنا تم الترميز بها وهي تحوي كل ما أسلفنا في عرضه عن أهم شيء تمتلكه الإنسانية وهي الذاكرة الجمعية للبشر وتم وضعها في معية المفرد ليس للتخصيص والشخصنة ولكن للخروج إلى معية الشمولية عبر خوض لجة الخاص لسبغ صورة هائلة تعني هذا التوحد بين الخاص والعام الذي يعني الانتماء والتمازج التام بين الفرد ومجتمعه وشمولية الفكرة لتصبح ذاكرة جمعية تحوي كل ما كان من منغصات وحوادث تاريخية وآنية تم تأكيد تلك الرؤى عن طريق استحضار لفظ مهترئة الذي أوجد تصوير مجيد لتلك الذاكرة – حقيبة – التي تداعت أنسجتها بفعل عادات الايام …،
تم هذا في قطف تصويري رائع بديع من الترميز عبر سحب صك التجسيد من الحقيبة ووضعها في إطار المعنوي لتصبح مركز تجميع حاضن لشرائط الذاكرة الإنسانية في بديع لغوي مائز ..،
مع وضع لفظ ” ذاكرة” وتنحية لفظ ” ذكريات” ..
.. وهذا لأن لفظ ذكريات يعود على المحتوى الذي سنضعه في هذا الحاوي
– حقائب – لهذا تم استخدام لفظ ذاكرة لأنها هنا تعني الحاوي للذكريات – فذاكرة الحاسوب مثلا تحوي كل الداتا الخاصة به (التي تساوي الذكريات عند البشر) وتلك حقيقة علمية مؤكدة – لهذا كان لحضور اللفظ بتلك الكيفية مؤكدا للفكرة ومالعنى
مع حضور تصوير رائع ” منفية الضوع” للتعبير عن ذبول تلك المحتويات – الذكريات – التي تحملها ذاكرتنا وذهاب أريجها …،
هنا تجسيد للذاكرة في معية زهرة وتحوير لمحتواها – الذكريات – في ماهية أريج الزهرة ثم وضع الضوع – وهو ما تحمله النسمات إلينا – في صفة مجسدة بشرية تم نفيها بعيدا عن رئات الوطن ..،
وقد يصبح هذا التعبير في تأويل آخر عبر لفظ ” حقيبة” ولفظ ” منفى” كترميز لهذا الشعب المهاجر بكل ماضيه – الذكريات – وحوادث أيامه وفقدانه للأمن وانفراط عقده في دروب التعاسة والشجن ..،
كل هذا نلمحه بدرجات متفاوتة في رحلتنا عبر تأويل الرموز في هذا النص
الرائع ..،
” رشفة شعر أخيرة ”
هنا تبدو ملامح نقد واضح تكتنف حواشيه مرارة تتوارى لتظهر والعكس ..،
في حضور للأنا الخاصة بأديبنا المبدع ورؤيته لسير بعض الحوادث التي تشي بمنطق اللحظة عبر مؤشرات خاصة جدا يتم الإسقاط بها على واقع كامل ..،
عبر تلك المشاعر التي تنساب في سبيلها لخارج حدوده عبر وشم السطور نزف شريانه في قصائد حزينة النكهة تعبر عن واقع دفاتر حضور الأيام ..،
مع نعتها بالأخيرة وهذا ليس فرض عين بنهاية النزف الوجداني بقدر ما هو ناقوس تنبيه بإمكانية انكسار الذات والانهيار…،
هنا تلك المشاعر المنسابة شعرا ما هي إلا نتاج لتلك الآه المغتربة داخل حدود الوطن المنسحقة مع كل ما يكتنفه من صراعات فهي تأريخ لتلك الظروف الصعبة ومن هنا فإن هذا الترميز الشاهق ب ” رشفة شعر أخيرة ” يعود على كل تلك المؤثرات التي يعاني منها أديبنا فالشعر بيت العرب وديوان تأريخ حياتهم والشاعر مرآة عصره التي تعكس كل ما به لهذا كان التلويح بالشعر والقصائد هو محض ترميز يسقط منه على حاضر أليم من خلال نقد للحالة الأدبية فيأتي الكل في محل ترميز …،
نعود للثورة البديعية في لفظ ” رشفة ” هنا تحوير المشاعر – الشعر من المشاعر – إلى محتوى سائل والوجدان الذي تنساب منه تلك المشاعر من صفة المعنوي للمجسد عبر تشبيهه بوعاء حاوي لسائل – الشعر – هنا مع هذا التصوير المحلق وحضور لفظ
” أخيرة ” يتغير ماهية معنى لفظ ” رشفة ” فالرشف هو تناول الماء – أو أي شراب – ولكنه لا يعني الانتهاء أو فراغ الكوب ولكن هنا يعني فراغ المعين – الوجدان – وهذا يؤكد تلك القدرة على وضع الألفاظ الدالة على المعنى المقصود بدقة وهذا أمر عظيم الأثر يغفل عنه البعض أثناء وضع الصور في النصوص ..،

” تروج ”
هذا الترويج لا يتأتى إلا من كيان يحمل ذاتاً واعية وهنا يحضر التصوير الذي تم فيه تحوير هذه الرشفة لذات تعي وتعرف كيف تروج لأفكارها ومشاعرها بين الحضور ..،
هنا يعود أديبنا الرائع للإسقاط بالتركيز على واقع مرير في قطف شعري رائع
الحضور عبر لفظ “تستهلك ” الذي سبقة ( لم) ليعني الثبات على المبدأ الذي يسير عليه ثم لفظ “التصفيق” و” الدخان ” و تعبير دقيق مائز ” تنانير المنابر القصيرة ”
الصورة الشعرية الكاملة للموقف العام – الظاهري – الذي يعبر عن فساد المجتمع الأدبي عبر هذا التصفيق وعبارات الثناء النزقة ذئبية اللعاب هنا لم يتركها هكذا كطرح يحتمل الصواب والخطأ ولكن وضع لفظ ” دخان ” لتأكيد فرضيته وكأنه يهمس في أذن كل مستنكر بتعبير متعارف عليه – لا يوجد دخان من غير نار – بمعنى أنه طالما هناك بالأذهان تلك الرؤى فمن البديهي أن يكون لها أساس وهذا كي لا يخوض في تفاصيل وحكايات بغرض التأكيد وهو في عجلة من أمره واكتفى بوضع تعبير ( تنانير المنابر القصيرة) للتدليل على فكرته بهذا التوصيف وكأنه يسترجع البيت المشهور :-
سواي بتخنان الأغا يد يلهو ويلعب
وبالبيض وذو البنان المخضب

هنا كان الإسقاط من خلال هذا المعنى الظاهر على المعنى العام الأشمل وهو انهيار الحياة المجتمعية بهذا التردي للمعاني وغياب الحقيقة وفساد الأمر والتحزب والشلالية فلا يوجد شيء مما هو متعارف عليه في المطلق ولكن صور معكوسة من مرآة المصالح الخاصة تخرق الأمن النفسي والعام في تلك المرحلة ..،
هنا كان الترميز في أبهى صورة وهو يحمل إسقاطا على واقع عام من خلال تلك الرموز التي تروي مشهدا مغايرا ولكنه كمعنى مشهدي ينطبق على الأمر العام في لوحة تحمل رتوشها واقع وطن ..،

و الشوارعِ المسرعة
و الأرصفةِ الضيقة
و الصحفِ التي تمسحُ زجاجَها
بغبارٍ مبتسم
و شهاداتِ الدكتوراةِ الفخرية …
و اللا فخرية
أكتبُ لكِ ما تبقى مني
كي تجدَني لغةٌ أخرى
تحتَ رمادِ الحربِ التي لا تقرأ
أو خلفَ جدارٍ كنتُ أبنيه
بيني و بيني
لأعزلَني
عن نظراتِ المرايا الساخرة
و الشيبِ الذي …
يريدُ أن ينقض
لغةٌ … تنصتُ إلى ألمِها
بلا مسكنات !!

الشوارع المسرعة :- ترميز رائع للبشر وتلك المكابدة الحياتية التي تحول بينهم وبين الوقوف الجيد على معالم الطريق – الحياة وما بها – فتكون إطلالة متسرعة نزقة ونصر رؤى مهيضة معلبة كحال التيك أوي لا طعم مستساغ ولا نكهة تشعر فيها بروح ربة الدار ..،

الأرصفة اضديقة :- ترميز شاهق علي تلك الألباب صاحبة الأفق الضيق فالرصيف مكان آمن نقف به ونتخير وقت العبور هنا كان الترميز المعاكس فنحن بضيق أفقنا نتخير العبور الغير آمن …،

” الفخرية واللا فخرية ”
الله الله الله
كم أنت حاذق يا دمشقينا وضعت كل شيء في سلة واحدة يقدر واقع حال أدبي مزري

لا تقرأ :- الترميز هنا في إسقاط على عدم الفهم مع حضور لفظ ” الحروب” الذي يحدد لحظة اللا فهم تلك ويحددها في معية هذا الواقع الذي فرضته قوانين هذا التناحر ..
المرايا :- هي هنا انعكاساس لحدود صورتنا ولكنها هنا ترميز هائل على رؤية أشمل هي حدود واقع أيامنا المهترئة المشظاة …،
هنا يبدو هذا الحوار الصامت – من خلال تلك المواجهة السريعة – الذي تمتطي به صهوة البطولة تلك النظرة الأحادية المعكوسة عبر المرايا لتبدو نظرة ثنائية تعبر عن هذا الفصام المجتمعي والمتناقض فتلك الذات الناظرة – كعينة من الكل – بداخلها صراع مشجن عنوانه المعاناة معجونة به لا ترى ولا تعي أبعد من لحطته الحياتية وانعكاساتها على المرايا تجعلها خارج إطار اللحظة وجرى العرف أننا ونحن خارج الأمر نراه بوضوح أكثر لهذا فانعكاساتنا – يؤكد هذا الأمر تعبير ( بيني وبيني) – التي سبرت حقيقة الأمر ونحن في غفلة من أمرنا مازلنا تسخر منا بشدة ..
تسخر من تمسكنا بقيم لم نعد تراها حولنا ..،
هي لقطة مشهدية معبرة ومؤثرة في المشهد الدرامي للرؤية ككل فهو مازال يتمسك بكل ما تربى عليه من قيم وموروث مجتمعي ثقافي لم تلوثه أداة الحرب ووعورة رؤى الفرقاء من حوله لهذا تم الترميز بتعبير ” لغة أخرى ” للتعبير عن أنه مختلف عن ما حولة حد الانعزال الاختياري ..،
” الشيب .. بلا مسكنات”
الشيب هنا ترميز لشيخوخة فكرية تعني نهاية الطريق وتم وضعها في إطار شيء يخشاه كفرد وبما أنه جزء من كل – مجتمع – والنص شمولي الرؤية فهنا تم الإسقاط المائز من الجزء للكل ببراعة ..،
الشيب هنا أراه يحمل تناصا مع قصة الخضر والجدار الذي يريد أن ينقض في القرآن الكريم ..،
فهنا الشيب يعني كل ما تراكم من رؤى وثقافة وقيم تم اختزالها في ترميز الشيب الذي يعني التجربة والحنكة والوقار هنا يصبح الكنز الذي يخبئه هو رؤيته الواضحة للأمور وماهية لفظ ” ينقض” تتغير فهو لا يعني الانهيار المتعارف عليه ولكنه الوقوف بقوة في مواجهة حقيقة الأمر – قوة المتمكن الواعي المتفهم لكل نقطة فيه
لهذا كان هذا الحضور المائز للفظ :-
” بلا مسكنات ”
المسكنات هي التي تمنع الألم ولكن يظل السقم كما هو فهي حادية للشفاء الزائف ..،
ولفظ ” لغة” هنا لا يأخذ منفصلا عن لفظ ” شيب” فهي هذا الكنز الذي أشرنا إليه سالفا التي سيغير بها واقع الأمر – على الأقل في واقع أيامه هو ومن حوله – عبر تلك الحنكة والتجربة التي لا تعرف أنصاف الحلول المسكنة التي تعطي أمانا وطمئنينة زائفيْن ..،

هنا في هذا المقطع ككل كان الترميز من خلال إيجاد ساحة تعج بالفرقاء هي الساحة الأدبية كرمزية يتم الولوج من لجتها القاتمة للإسقاط على واقع حياتي يعاني الفزع من أشتعال أتون الصراعات في واقع حضور وطن …،
سيغ بمهارة وحذق شعري فكري نرفع لأجله لأديبنا المبدع القبعة ..،

يتبع ..،

هشام صيام ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: