الإثنين , سبتمبر 21 2020

قدمي لم تعد تقيم جثتي…شعر رشيدة المراسي/تونس

(1)

أعود بيتي الطفولي أنفض الغبار عن أسنانه اللبنية

مازلت أرابط في الربع الأخير من الليل
ذلك الموعد الهجين من كل نهاية مشوّقة
ألقي بسلال قمامة الذاكرة عند قدم الجبل المتهاوي في أرذل الصمت
أعود بيتي الطفولي أنفض الغبار عن أسنانه اللبنية
أستعيد دفء ليالي الشتاء عند موقد حكايات جدتي حليمة
لأعيد تدوير البطولات القديمة في مغزل صوفها
عن قسوة جدي ومهارة عصاه الغليظة على ظهر أبي
حتى صار رجلا كريما تحبه كل النساء
وعن مواسم الهجرة إلى بلاد الحلم العسير
وحين يغشاني صمت الحزن ويباغتني سؤال الحيرة في انتظار أجوبة مقنعة
عن سر البطولة والرجولة والكرم وعالم الرذيلة
أركن رأسي بعناية في حضنها لأحلم بأبي واقفا كعادته
عند باب بيتنا الصغير وهو يقلّب محتويات حافظته ليوزّع علينا ما تيسّر
من قطرات عرقه المعطّرة بحقول الحنطة وبساتين الزيتون والصفصاف
…….
(2)
قدمي لم تعد تقيم جثتي

من أين لي أن آتي إليك بكل تلك الورود
التي قدّمتها لك كعربون وفاء في زمن الجحود..
قدمي لم تعد تقيم جثتي
والطريق الطويلة صارت أبعد من خطوتي الصغيرة
المسافات التي كنت أطويها بطرفة عين الشوق أكلتها ذئاب الطريق
تلك الذئاب التي لم أرها يوما حين كنت أرتع في غاباتها الجبلية،
كنت مشغولة بألعابي وكانت هي مشغولة بمشاهدة الطفلة الأسطورية بشغف
ذراعي بُترت في يوم غائم، وقد نسيت أن من طبع الذئاب الغدر
غابت الشمس وبكت السماء، حين هممت بجمع شتات ألعابي وتهيّأت للرحيل
كان الله وحده يعرف، أن نهاية المريد دوما يسبقها الحنين إلى الحضرة
وحين تعلو رائحة البخور ينتشر زفير الاحتراق
ينزل الحزن وتهطل الدموع
مباركة عظامي أيها التراب، مباركة دمائي يا دود الأرض،
فالرحيل بقلب مكسور دين عظيم في ذمة السماء
ولكن الأرض ما أنكرت يوما أهلها..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: