الأحد , فبراير 28 2021
أخبار عاجلة

رياض محرم يكتب ….بين الثورة والثورة المضادة

مازالت القوى السياسية عندنا ممسكة بتلابيب لحظات تاريخية معينة متخندقة حولها لا تريد أن تفارقها، فثوريى يناير جامدون عند لحظة التنحى يوم 11 فبراير وما زالوا يتعاتبون بتركهم الميدان بعد تولى المجلس العسكرى لإدارة مقاليد البلاد مستخدمين نفس أساليب وشعارات النشوة الثورية لتلك اللحظات والى التظاهر فى الشوارع معتمدين أساليب “سيزيفية” لم تحقق شيئا، وما زال الإخوان يعيشون فى يوم 29 يونيو 2013ولم يتحركوا عنه قيد أنملة حول شعارات عودة الرئيس الشرعى والدستور والمجلس، كذلك فإن أنصار النظام القديم “الفلول” يعيشون فى يوم 24 يناير ويحلمون ليس بعودة نظام مبارك فقط ولكن رموزه أيضا، وحتى العسكريين ما زالوا يحلمون بتواريخ متعددة من الهيمنة المطلقة على الحكم وكذلك الناصريين والوفد وكل القوى السياسية على إطلاقها الجميع يتمترس عند لحظة معينة، كل هؤلاء يحلمون بتوقف الزمن عند هذه اللحظة لا يفارقها والعودة بالتاريخ بأكمله الى تلك النقطة، ولكن التاريخ لا يعود القهقرى ولا يكرر نفسه وكما قال ماركس فى “الثامن عشر من برومير” (يلاحظ هيغل في مكان ما أن كل الوقائع والشخصيات المهمة في التاريخ البشري تحدث مرتين. نسي هيغل أن يضيف: في المرة الأولى كتراجيديا وفي المرة الثانية كمهزلة).

لاشك أنه قد جرت تحت الجسور مياه كثيرة ووصلت الحريات المسموح بها الى مأزق، فالقمع والإعتقالات والتضييق على المعارضة وصلت الى حدود غير مسبوقة من التردى فى سقف الحريات مغلقة الطريق على إمكانية أى تحرك ثورى مخلفّة درجة عالية من اليأس والإحباط فى صفوف الثوار وإبتعدت كثيرا تلك الأهداف العظيمة من العيش والحرية والعدالة والكرامة وتحول الحلم “بإقامة دولة العدالة الإجتماعية بقوانين ضريبية تصاعدية  وفرض الحد الأدنى لأجر عادل يرتبط بمستوى الأسعار وتوفير التعليم المتقدم والحق فى الصحة” الى كابوس ، وعلى الجانب الآخر إكتشف الإخوان “خاصة شبابهم” عبثية ما يقومون به من مظاهرات “تقلصت بشدة إمكانية القيام بها أو الحشد لها” ولم يعد لإعلامهم تأثير يذكر وفقدوا معظم قياداتهم خلف القضبان وتبخرت جميع محاولاتهم فى إمكانية تحقيق مصالحة أو قبول مجتمعى بهم بعد أن أبحروا بعيدا فى مواجهة الدولة والمجتمع ما دفع قطاع لا يستهان به من شبابهم الى معسكر الإرهاب والتكفير والتفجير مع مزيد من الخلافات والإنشقاقات الداخلية  فى تكرار لتاريخ طويل من المحن التى مرّوا بها نتيجة مواجهات غبر مدروسة مع كل الأنظمة، معتمدين دائما على تصدير المظلومية والإضطهاد، غير أنهم بعد أن تحقق لهم “التمكين” فى السلطة كان أداؤهم كارثيا من إقصاء لجميع القوى السياسية والإستئثار بالحكم واللهاث وراء أخونة أجهزة الدولة مع التقرب من السلفيين بتبنى معظم مقولاتهم الطائفية والمعادية للمرأة والحريات والتلاعب بالأمن القومى فى سيناء والإفراج عن مئات التكفيريين والجهاديين “منهم محكومين بالإعدام” وصولا الى الإعلان الجمهورى المشؤوم الذى يحصن قرارات مرسى فى الماضى والحاضر والمستقبل بنفس حساباتهم الضيقة من خلال إقامة تحالفات سياسية رجعية مركزين على قضايا أخلاقية والإنشغال بخطر الإباحية، بل أنهم تبنوا نفس سياسات مبارك النيوليبرالية الإقتصادية والإجتماعية ودخلوا فى معاداة لكافة القطاعات الحية للمجتمع من القضاة والمثقفين والإعلام والأقباط والجيش والشرطة وكافة أجهزة الدولة.

الثورة المضادة هى رد الفعل التالى على الثورة بعد إمتصاص الصدمة الأولى، وتملك الثورة المضادة من الأدوات المؤسساتية أضعاف ما تملكه الثورة (المؤسسات الأمنية والإعلام والقضاء وشبكة رجال الأعمال وباقى أجهزة الدولة) طالما لم تتمكن الثورة من الإستيلاء على تلك المؤسسات وتطويعها لصالحها، وفى حالنا فإن غياب القيادة أو الحزب أو الأيدلوجية لم تمكن الثورة من تحقيق نجاح حقيقى اللهم الاّ فى إزاحة رأس النظام وترك السلطة تتأرجح فى الفضاء، لكن مؤسسات الدولة العميقة لا تكفى وحدها لهزيمة الثورة “والاّ لكانت إستطاعت من قبل وقف زحف الثورة” فتلك المؤسسات تحتاج لكى تنتصر الى كسر الروح الثورية وتبريد الشارع أولا ووقف الغليان الإجتماعى (خصوصا من الطبقات التى لها مصلحة فى الثورة وعلى رأسها العمال والفقراء)، وهو ما يتم تطبيقه حاليا بضرب الحالة النفسية لمن صنعوا الثورة، لقد كان تفجر الحالة الثورية مرتبطا عضويا بثقة الثوار بالنفس وبالجماهير ويملأ رئتيهم الأمل فى صنع مجتمع جديد خالي من الفساد والإضطهاد والإستغلال والظلم ولابد لإنتصار الثورة المضادة من تصفية هذه الحالة.

لعل أهم أساليب الثورة المضادة هو الدعوة للهدوء والإستقرار ووقف المطالب الجماهيرية والإحتجاجات ولا يمنع التدخل لفرض ذلك بالقوة بعد إقناع الجماهير بأن ذلك هو سبيل النجاة من حالة الفوضى والإنفلات (والتخويف بمآل سوريا والعراق)، ثانيها هو غرس فكرة أن من يمكنه السيطرة على الوضع هو قائد قوى وحكيم وبذا تنتفى الحاجة الى دور الفرد فى التغيير (خصوصا فى حالات الفوضى الحقيقية أو المفتعلة وغياب قيادة ثورية حقيقية)، فى تلك الأوضاع يبدأ الإجماع فى التفكك وتهتز الثقة بالنفس ويتم تغليب دور القائد الملهم لحساب الواقعية وليس الثورية، ولعل من الآليات الأساسية للثورة المضادة القيام بحرب إستنزاف ضد طاقة الجماهير بصنع ستار دخانى كثيف حول العمل الثورى يضع تلك الجماهير إسر قضايا هامشية عوضا عن القضايا الكبرى فيتم تقديم بعض المجرمين الصغار قربانا على مذبح السلطة لصرف النظر عن المجرمين الحقيقيين تحت ستار مكافحة الفساد ويتم التضحية بالحريات والتنازل عنها حتى يمكن السيطرة على الواقع مع تكرار إسطوانة هيبة الدولة والتركيز دائماعلى أن تلك المشاكل موروثة من نظم قديمة ويحاول النظام التغلب عليها وإيقاف النزيف، وإستمرار هذه الحلقة الشريرة لصرف الأنظار عن عملية السطو على ما تبقى مما أنجزته الثورة وإستخدام أقصى درجات العنف ضد الثوار والعمل على تشويههم وإتهامهم مرّة بالصبيانية وأخرى بالعمالة لجهات أجنبية وإرهاقهم طول الوقت بالمطاردات والقبض والإعتقال والزج بهم فى السجون بأحكام قاسية أو بوضعهم تحت التحقيق لفترات لا تنتهى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: