الأحد , فبراير 28 2021

يجب أن تعجَّل الدولة بضرب الفاسدين مهما كان حجمهم ….نص أدبي للكاتب أحمد عمر الشيخ

قال “ميكئيلْ” الذي ماتَ منتحراً – كما قيل- في حادثةٍ غامضةٍ ,, والتي لم يستطع “صابر” استيعاب حدوثها بأيِّ حالٍ من الأحوالْ..!!.
أصابهُ التشويشُ وهو يرشفُ فنجان “الماكياتو” وصورة ” ميكئيلْ تولديْ مدهنْ” تخترق خواطره.
(هل هي الأمورُ هكذا ؟!) .
استدارَ متسائلاً في الوجوده من حوله :
(“ميكئيلْ” الشاب الذي يملأ المكان من حوله صخبا وودَّاً ومزاحاً !! هل يُعقل أنْ يحرق جسده في ليلةٍ أسمراويةٍ شديدة البروده..؟!).
(أهكذا تنسابُ رواياتُ الحياة في كآبةٍ وعبثٍ وخيانه؟!.).
(أشعل في جسده النّار ؟!!).
(هكذا قالوا !!).
“ميكئيلْ” معلِّمُ “الكيمياء” في مدرسة”ابراهيم سلطان” ,, و الاشبه بموجةِ صخبٍ جريئه !!.
( إنها الحياة بكيميائها المعقدَّة وتفاعلاتها !!).
كرَّرَ ” ميكئيلْ” دوماً :
( يجب أنْ يكون التغييرُ جذرياً ,, والإصلاحَ يأتي بالعمل الدؤوب والنقد والنقد الذاتي …).
(إنه ميراثُ “*الجبهه الشعبيه”..؟!)
(يجب ضرب الخونة والفاسدين,, فهذه البلاد جاءت عبر دماء قوافل الشهداء.. منذ حرب التحرير إلى حرب السيادة الأخيرة !! ).
قال “ميكئيلْ” يلجُ الى موتهِ الحائِرْ.
…….
مرارةُ غياب “ميكئيلْ” تضرب بأطنابها في خلجاتِ “صابر”.
……..
تدق أجراس “الكاتدرائيَّه”.. ينظر الى ساعته.
( الخامسه إلا عشر دقائقْ..).
(كيف يمكن لشجاعٍ كهذا أن يرحل في ليلةٍ مطويةِ الأسرار والفجيعة ..؟! ويُقال انتحر !! هل ينتحرُ الأبطالُ ؟! الأبطالُ لاينتحرون !! بلْ يُقتلونْ غيله).
ضجَّتْ أعماقُ ” صابر”.
احترق جسدُ “ميكئيلْ” وارتحلتْ معه أمواجٌ هادرةٌ من غضبٍ وحبِّ وحراكٍ لا ينتهي,, وإيمانٍ مفرط بوطنٍ أتعبَ الكلَّ وتعِبْ معهمْ .
أبلى “ميكئيلْ تولديْ مدهنْ” بلاءً حسناً في الجولاتِ الثلاث من المعاركْ.
-وجدوه محترقاً في داره !!.
قال “تيدروسْ مسفنْ ” زميله في المدرسة وثالث ثلاثة هما “ميكئيلْ” و “صابر”.
هكذا وقع الخبرُ صاعقةً تدوى عبر سماءٍ ملبدة الأوجاع ,, و”صابر” يقبض على رأسه ملوماً مدحورا.
(وجدوه محترقاً في منزله ؟! ).
دوى الصوتُ الهاديء النبرات مِنْ حنجرة “تيدروسْ” كمطارقٍ مِنْ حزنٍ تدقُّ مسامير القلوبِ الواهية كخيوطِ العناكبْ.
يسترسلُ المطرُ القاني على أسفلت شوارع “اسمرا “الجاثمة في حيادٍ شائكٍ ومؤلمْ .
(ابتلعنا الحزنُ والفقد وابتلعناه !!).
دوتْ أعماق “صابر” ينظر إلى “تيدروسْ” القادم إلى طاولتهِ حيث جَلَسْ.
-أهلاً صابر.
قال “تيدروسْ” .
– مرحبا.
ردَّ “صابر”.
– شايْ..؟!.
سألَ “صابر” وراح يمسح ببصرِهِ لوحة معلقة على جدار المقهى، حين لاحت له فارغة وغير ذات معنى .
تشابهت الوجوهُ وبهتتْ معالم الطريقْ .
راحَ “صابر صالح بريرايْ” في حديثٍ متشعبٍ مع “تيدروسْ” وهما يمضيان في اتجاهاتٍ شتَّى .
***
بدّتْ ” *قوطيَّة” “حجي صالح” و”حليمه”متآكلة الأطراف والسقف والمتانة ,, حيث طلبَ ” حجي صالح ” مِنَّ “عمر عثمان” المعروف بـ” *فانكو” إصلاحها.
يُعدَّ “فانكو” أفضل من يشيّدُ الـ”قطاطيْ” ويقيمها في هذه الضواحي ,, وهو من القلائل المشهود لهم في البناء في كلِّ برِّ الـ”قاشّْ”.
تمايلتْ حَبَاتُ نسائم هواءٍ عليلٍ اهتزت معها خيوطُ الشَّمس الحارقة ,, وبدتْ لزوجتها في تلك الآونة من نهار “قلُّوجْ” ,, و”حجي صالح” و “حليمه عنجه” في حالةِ استرخاءٍ تفرضها دواعي القيلوله.
مرَّتْ ثلاثةُ أشهر على وفاة “عبدالنور” وأوان الحصاد بادي الترقُّبِ والمثولْ.
-المطر كان جيداً وكذلك الإستعداداتْ .
قال “حجي صالح بريراي” مغمضاً عينيه في إغفاءةٍ صغيرةٍ عازماً الطلب من “سعيد منصور” أن يأتي معه فجر الغدّ لرؤية ما وصلَ إليه حالُ”سنبلات الذُّره” وكذلك الـ”سِّمْسِمْ”، حيث يمتلك “حجي صالح” ثمانية هكتارات يزرعها “سعيد” مناصفه.
……
تنامَتْ أسرابُ النَّمل تتمشَّى على أرجل “العنقريبْ” فيما بدا “حجي صالح” كومةً من الحطب بسرواله الـ”*عرَّاقي” وفانلة داخلية بيضاءْ.
يتحشرج شخيرهُ المتقطَّع لينسابُ في خطٍ متموجٍ غير آخاذ.
أقامتْ “قلُّوجْ” في ذلك الموقع منذ عهد قيل أنه يمتدُّ إلى نحو مائتي عام، حيث حطَّ أحدُ الرعاة من قبائل المنطقة، فطابَ له المقامُ ليتزوج من إبنة أحد تجار السُّوق واسمه “موسى فايدْ ” ورزق منها بالعديد من البنين والبنات، لتضحي “قلُّوجْ” سكناً وحاضرةً زراعيةً شهيرةً طار صيتها في المنطقة ، وتغدو ملجاً كلَّ طالب رزق أو فارّ من قحطٍ ويباسٍ وضيقِ حالْ.
(بلد الخير) كما أطلق عليها الأهالي منذ ذلك الحينْ .
***
مضتْ “نور عبدالله” تتطوح في مشيتها ,, تلفها أنوثةٌ طاغيةٌ عُرِفنَ بها بناتُ تلك المنطقة بما يجعل الشبابُ يتنهَّدون عند رؤية ذلك الحُسنْ.
………
بدتْ ” تسنيْ” بساحاتها الفسيحة ,, أحياء “الثورة” ,, “طرزونا” ,, دوار”الجامع الكبير” و”السُّوق الشعبي” مربعاتٌ تستلقي عبر فوح العصاري وروائح الوجد المكنون في خلجاتِ قلوبٍ أنهكها الترّحالْ.
المدينةُ تقع على مرمى فاصلٍ من الحدود الإرترية- السودانية ,, وقد شهدت قوافلَ من النزوح المتكرِّرِ والعودةِ بعد التحرير ,, ودوامة شتاتٍ جديدةٍ خلال الحرب الإرترية مع إثيوبيا.
مضى نهرُ “القاش” يشقُّ صخبَ المدى وهو يبدو كشاهدةٍ تتربصُ بالعابرين منذ الأزل القصيّْ.
توقفتْ “نور” تلقي النظر بعينيها الكحيلتين والأشبه بظبيين بريين شاردين يلفُّهما السهوم ,, وثوبها يندلقُ عبرُ قامةٍ شهيةٍ يتوُّجها نهدان يتمدَّدان كطودٍ شامخْ .
“نور” التي أوقعتْ بقلوبِ شباب تلك المدينة ، يرتاحُ فوحها منساباً على إيقاعِ خُطى تشدَّك إليها منذ الوهلة الأولى كراهبةٍ أونبوءةِ حالمْ .
يتسابق الشبابُ في مَنْ يظفر بهذه الفاتنة إلى حدِّ الإعياء والتفكير والصبابة لدى أكثرهم رومانسية ورقَّة ,, والإحباط لدى مَنْ يئِسَ مِنْ أنْ ينالها ,, حيث تمَّ تدبيرُ المكائدِ وتصدَّى أشجع الفتيان في مِنْ يفاتحها بالأمر,, فحتى مَنْ هو مشهودٌ له بالجرأة والإقدام توقَّفَ عند أعتاب نظرتها وكأنَّ شللاً أصاب طلابها.
-هل …؟!.
لمْ يُكملْ “بخيتْ” عبارته متلعثماً حتى مضتْ “نور” إلى وجهتها وتركته مصلوباً يتابعُ ظلَّها وهي تمضي لا تلقي بالاً سوى إلى وجهتها.
تؤكِّدُ “نور” في سريرتها أنَّ هذه المدينة تضيقُ عَنْ طموحها ,, عازمة الذهاب إلى “أسمرا” للإقامة مع أخيها “أحمد” لإكمال عاميها الأخيرين في الثانويَّه.
تريدُ رؤية العاصمة مجدَّداً بعد أنْ جاءتها قبل أعوام ومكثت فيها عدة أيام سلبتْ لبَّها ولمْ تفارقها تلك اللحظات وهي ترى البنات والأولاد يسيرون بخطىً واثقة في جوٍ ربيعي جميلٍ ,, متأنقين في ثيابٍ زاهيه.
(ستخلعُ الملاءة وتلبس الـ”جينزْ” ).
عَزَمَتْ” نور عبدالله ” .
(وستنفض عنها غبار “تسنيْ” و”الخماسينْ” البغيضه ).
أردفتْ.
(ولنْ يرهقَ الحرُّ وصهدُ الشَّمس الحارقة جسدها البضّ الناعمْ ).
عدة قراراتٍ استقر رأيها عليها منذ زمن وألحتْ على أبويها بالأمرْ.
-لا بأس.. تقيم مع أخيها “أحمد”.
قالتْ “سلمى الحاجْ” مستأذنة “عبدالله الشريفْ” الذي أمَّنْ بدوره على ذلك ,, لتنطلق “نور” فجر أحد الأيام إلى “اسمرا” ,, حيث ” أحمد ” الذي استقبلها في محطة الحافلات بحي “عداقا حموسْ” .
طوقها بذراعهِ وقام باصطحابها إلى منزله وحجرتها التي خصَّصها لها وهيأتها “ساميه حسنْ”.
– لا تعتقدي أنْ لاأحد يعرفنا في” أسمرا” ,, لذا يجب أنْ تحسبي كلَّ خطواتك ,, فأنا مسؤول عنك هنا ,, وواثق أنكِ ستكوني عند حسن الظنّْ .
قال “أحمد”.
راحت النصائحُ تتوالى على رأسها الصغير المفعم بالبهجة في تلك اللحظة لوصولها إلى المدينةِ التي حلمتْ بها.
أنهكت النصائحُ رأسها الملموم الجميل ,, ولكنه أخاها الأكبر ,, وهو حريصٌ عليها بالضرورة.
– مافي مشكلة يا “أحمد” ,, سأكون عند حسن ظنّك .
قالت “نور” في ليلتها تلك ,, وراحت تحصي دوائر السقف الملوَّن الجميل في غرفتها الجديدة ,, وكانت أسرتها في سعةٍ من الرزق ,, حيث تجلب لهم أرباح بعض المحال في “تسنيْ” دعماً لها ولأخيها “أحمد” الذي يملك أيضا ” بقاله” كبيرة في سوق “*ماركاتو” وقد تزوج وانجبتْ له زوجه ” ساميه” بنتاً تبلغ الخمسة أعوام ,, “نجاة” التي بدا عليها حُسناً مُبكِّراً كما هي أمّها ,, والتي عدَّتها بدورها بأنها تشبه عمتها ” نور”.
عاملتْ ” ساميه “” نور” بمودَّة لتضحيا صديقتين بعد مضي وقت بسيط من مجيئها إليهمْ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: