السبت , سبتمبر 19 2020

عصام نبيل يكتب …..في عزاء منتحر

السرداق كان مهولاً، ولا أعرف لماذا كف المقريء عن التلاوة فيما تحول صوان العزاء إلى ساحة للثرثرة وتدخين السجائر واحتساء المشروبات، ولأكثر من ساعة وأنا أتنقل بين المقاعد ملولاً استرق السمع لهذا وذاك، شربت خمسة فناجين من القهوة فشعرت بالغثيان ولم ينقذني منه إلا بائع مخبوزات مر بين مقاعد المعزيين يعلن عن بضاعته الطازجة والمطعَّمة بحبة البركة والسمسم، فطلبت من الفرَّاش شايًا لأبتلع ما ااشتريته من مخبوزات، وكذلك فعل كثيرون، ورغم انشغالي بالطعام إلا أنني سمعت المسن الذي يجلس إلى يساري يقول للرجل الذي يجلس إلى يساره كيف تجرأ الفقيد أن يربط عنقه بحبل ويعلِّق نفسه بسور الكوبري فيتدلى منه منتحرًا، فأجابه الأب المكلوم: “ابني محمد قرر التخلص من حياته بعد عجزه عن تدبير نفقات زواجه من حبيبته منى التي ترك لها خطابًا فى موقع الحادث، قال لها فيه إنه تخلص من حياته التي لم يتصوَّرها بدونها”.

لم أكن أتخيَّل أنها على تلك الدرجة من السوء، وشعرت بغصة في حلقي، فبرغم طزاجتها وحبة البركة والسمسم إلا أنها رديئة وخشنة، ولولا الشاي ما استطعت ابتلاع قضمة واحدة منها، ولأن الجوع لا يرحم طلبت من الفرَّاش أن يأخذ الكوب الفارغ ويأتيني بشاي جديد، وأشرت له على مقعد بعيد وقلت له أنني سأجلس إليه، وحين انتقلت إلى المقعد قال لي رجل أربعيني متجهمًا: “شكر الله سعيك”، فأجبته لكنه لم يفهم مني كلمة واحدة لأن فمي كان محشوًا بالطعام، وجلست إلى جواره منتظرًا أن يأت الفرَّاش بالشاي، فالتفت إلي الرجل وقال: “هل كنت تعرف المرحوم؟!!”، فقلت له أنني أحرص على تقديم واجب العزاء فيمن أعرفهم ومن لا أعرفهم، فالواجبات الاجتماعية مقدسة لدي، فترقرق الدمع في عين الرجل وقال لي بصوت متهدج: “زوجته دخلت الغرفة ووجدته يتدلى من السقف”، وانفجر الرجل في البكاء وبذلت جهدًا حتى استطعت أن أهديء من حدة حزنه، وقدمت له قطعة من المخبوزات رفضها في البداية لكنه قبلها بعد إلحاح مني ونصحته ألا يأكلها بدون شاي أنها خشنة جدًا.

غادرني الرجل وجلس مكانه آخر في مثل عمره تقريبًا، فدعوته إلى مشاركتي طعامي فأجابني بأنه أكل مثلها بصعوبة وبدون شاي رغم خشونتها، وفجأة عرج بي إلى موضوع جانبي لا علاقة له بصنوف المخبوزات الإفرنجية والشرقية اللتين كنا نتحدث عنهما، لكنني استمعت له وهو يرصد تاريخ علاقة الصداقة التي جمعته بالمرحوم، وقال لي أنه مثل الأهالي الذين استيقظوا على انتحاره تحت عجلات المترو القادم من المرج، وخاض في شرح ما آلت إليه جثته، فامتعضت واستأذنته بحجة أنني مضطر لدخول دورة المياه لأنني مصاب بمرض السكري، ولو انتظرت أكثر من ذلك ستحدث مهزلة تكررت معي في مناسبات عديدة.

انتهيت من تناول المخبوزات كلها ولم أكن لأستطيع لولا ثلاثة أكواب من الشاي، الطريف أنني جلست إلى جوار شقيق المرحوم ثانية، فربت على كتفه بحنو، فانتفض واقفًا ليصافح رجلاً تجاوز السبعين، وترك له مكانه إلى جواري وانصرف، فنظر إلي الرجل قائلاً: “أنا عم المرحوم”، فدعوت له بالرحمة، فحدق الرجل في وجهي طويلاً وقال: “فجيعة والله يا أستاذ، شاب في عمر الزهور يلقي بنفسه تحت عجلات قطار السكك الحديدية؟!!”، فسألته: “القطار أم مترو المرج حلوان؟!!”، فأجابني بضيق: “قطار السكك الحديدية بمنطقة جراج إمبابة يا بني آدم”.

التزمت الصمت حتى يتسع المجال لعم المرحوم الذي قال الكثير عن انتحار ابن أخيه، وأنه كان يعاني من مرض نفسي، وأنه ذهب به إلى كل الأطباء والشيوخ لمعرفة حالته.

تركت عم المرحوم الذي لم يكف عن الثرثرة لأكثر من ثلاثين دقيقة، وجلست إلى جوار صبي لم يتجاوز العشرين بعد، ودون أن أطلب منه التعارف قال لي أنه عماد مرقص ابن المرحوم، فشددت على يده متمتمًا بعبارات الدعم النفسي لشاب صغير في مقتبل العمر، وسألته عن المرحوم فقال: “والدي كان يعمل مندوب مبيعات في شركة لبيع قطع غيار السيارات، وأقبل على الانتحار بعد مروه بأزمة مالية نتيجة طرده، الأمر الذي جعله يذبح نفسه بسكين داخل حمَّام شقتنا، بمنطقة الرمل”.

قبل أن أغادر الصوان ابتعت الجريدة من بائع الصحف الذي يفترش الأرض تحت مقعد المقريء، وفي البيت أحضرت ورقة وقلمًا ودونت نعيي بنفسي لأرسله في الصباح إلى الجريدة، واتصلت بنفسي لدعوة من أرغب بوجودهم في وداعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: