الخميس , سبتمبر 24 2020

غالب راشد يكتب …..الدولة الكردية … إسرائيل الثانية

قبل 30 عاماً، لم يكن أحد يجرؤ على تخيل نشوء كردستان شبه مستقل في العراق أو بروز الأكراد كحليف يعتد به. وهذا ما يحصل اليوم. واليوم فـي الغرب ثمة إقرار بمشروعية حق الأكراد في دولة خاصة بهم ،
فالأكراد المنقسمون ما بين تركيا والعراق وسوريا وإيران، يبحثون منذ انهيار الدولة العثمانية، وتقسيم حدود الشرق الأوسط، عن إقامة إقليم كردستان الكبير، ولكنهم فشلوا من قبل في الوصول إلى هدفهم نتيجة تمسك أنظمة الدول التي يعيشون فيها بوحدة أراضيها.
غير أن المشهد تغيّر بعد الاحتلال الإمريكي للعراق عام 2003 فحقق الأكراد مبتغاهم في إقليم مستقل مستغلين الوضع في البلاد بعد الغزو الأميركي حتى أصبح الإقليم بؤرة الدولة الكردية الكبرى المستقبلية فاستغل أكراد سوريا الذين لا يزيد عددهم عن المليونين الحرب الإرهابية على الدولة السورية وانشغال الجيش العربي السوري في الدفاع عن الدولة ومحاربة المسلحين القادمين من وراء الحدود والبحار هذا الوضع وعمدوا الى السيطرة علىالمناطق والبلدات والقرى الكردية ويضعون أسسا لحكم ذاتي مستقبلي. وما شهدته الأيام الأخيرة مدينة الحسكة في الشمال الشرقي من سوريا من هجمات عنيفة قامت بها قوات ” الأسايش ” الكردية على نقاط الجيش السوري وبحماية أمريكية إلا مؤشرا جديدا آخر عن النوايا الانفصالية للأكراد السوريين بعد أن منحتهم الحكومة السورية إدارة وحماية مناطقهم وتزويدهم بالسلاح ، فوجّهوا سلاحهم إلى ظهر الجيش والدولة السورية
والأكراد السوريون يشكلون أقل من 10% من سكان البلاد يعيش معظمهم في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا في القامشلي وراس العرب، وفي بلدتين صغيرتين في محافظة حلب شمال سوريا هما عين العرب (كوباني) وعفرين (جبل الأكراد) والمناطق المحيطة بهما، وهم يشكلون اليوم الغالبية في هاتين المنطقتين. ويبلغ عدد القرى والبلدات الكردية في محافظة الحسكة 453 قرية تشكل نسبة 26.38% من إجمالي القرى مقابل 1161 قرية عربية وتشكل نسبة 67.62% من إجمالي القرى و48 قرية مختلطة من العرب والأكراد
وتسهم محافظة الحسكة بشكل كبير في تربية المواشي وإنتاج الصوف والألبان وغيرها من المنتجات الحيوانية.
أما الثروة المائية فتزخر المحافظة بالموارد المائية وتشكل 52% من الموارد المائية السورية.
وبالنسبة للموارد الطبيعية، فأغلب استخراج النفط الخام والغاز الطبيعي والكبريت يأتي من هذه المحافظة .

إن المؤشرات الراهنة تبين أن الأكراد هم أكبر المستفيدين حتى اللحظة من موجة التغيير والتدمير التي اجتاحت منطقة الشرق الأوسط منذ غزو العراق. وفي ظل الوضع غير المستقر في العراق وسوريا تزداد أهمية الورقة الكردية في معادلة رسم النفوذ الدولي في منطقة الشرق الأوسط، وظهور فيدراليات ومناطق حكم ذاتي في الدول التي يشكل فيها الأكراد مكونا رئيسا في النسيج الاجتماعي قد تغير في المعالم الجيوسياسية للمنطقة، وتؤثر على موازين القوى نظرا لجغرافية تلك المناطق ولثروات الدول الأربع التي يتمركز فيها الأكراد.

وعليه فإن في حال قيام دولة كردية مستقلة في المستقبل في المناطق التي يعيش فيها الأكراد في الدول الأربع تركيا والعراق وإيران وسوريا سيكون بمثابة قيام دولة إسرائيلية ثانية في المنطقة فالأكراد تربطهم بالكيان الصهيوني الغاصب علاقات قوية ومتينة تعود إلى منتصف القرن الماضي وتحديدا الى عام 1943 أي قبل قيام دولة الاغتصاب وتعمقت بعد قيام الدولة العبرية، وقامت إسرائيل بمساعدة الأكراد فى معاركهم مع الأنظمة العراقية منذ أيام الملكية وما بعدها، وقد أمدتهم أكثر من مرة بالسلاح والأغذية والمعونات الصحية، والأموال، وان ممثلين من الموساد الإسرائيلى زاروا المواقع الكردية فى شمال العراق فى فترة الستينيات، وكانت الاتصالات بينهما تتم عبر طهران فى ظل حكم الشاه وعبر العواصم الأوروبية وخاصة فى باريس ولندن. وأن زعيم الأكراد الراحل مصطفى البرزانى زار اسرائيل مرتين والتقى هناك بالقيادات الاسرائيلية وقيادة الموساد فى فترة الستينيات. 
هذه الحقائق وغيرها كشفت عنها الوثائق والصور التى خرجت فى السنوات الأخيرة والتى ظهرت فى كتب وتقارير من بينها كتاب شلومو نكديمون وهو يهودى أمريكى تابع هذا الملف الكردى الاسرائيلى فى كتابه.. الموساد فى العراق ودول الجوار، انهيار الآمال الإسرائيلية الكردية.
وعلى أثر المعارك التى خاضها مع الجيش العراقى عام 1961 طلب من اسرائيل أسلحة وذخائر وأدوية لمعالجة الجرحى الأكراد وتقديم المساعدة لإنشاء محطة إذاعة كردية جديدة وكانت الاتصالات مع اسرائيل تتم عن طريق ثلاث قنوات أولها المخابرات الايرانية، وثانيها نشاط الأكراد فى أوروبا مع السفارات الاسرائيلية وثالثها علاقة البرزانى بصديقه القديم موريس فيتشر سفير اسرائيل فى روما.
يقول نكديمون فى كتابه أن البرزانى رأى ضرورة الاتصال بإسرائيل بشكل مباشر منذ عام 1963 لتساعده فى تحقيق حلم الأكراد فى بناء حكم ذاتى بعد أن فشل مع الحكومات العراقية، ولتحقيق ذلك استعان بالاسرائيلين الذين تربطهم علاقات جيدة مع اسرائيل فى ذلك الوقت.
أصبح ملف الأكراد فى اسرائيل له أهمية خاصة وفى 15 ابريل 1965 عقد رئيس الحكومة الاسرائيلية ليفى اشكول اجتماعا حضرته وزيرة الخارجية جولدا مائير ورئيس الاركان اسحق رابين ومائير عميت رئيس الموساد الذى طرح قضية الأكراد والأعمال الخاصة التى تقوم بها اسرائيل وخلص الاجتماع الى قرار نص على ضرورة منح الأولية للقضية الكردية. 
وبعد خمسة أيام من هذا الاجتماع أبلغ مصطفى البرزانى اسرائيل عن طريق ايران أنه معنى بالاجتماع مع مبعوث اسرائيلى رفيع فى كردستان وايضا على استعداد لإرسال مبعوث رفيع من قبله للاجتماع بممثل اسرائيل خارج كردستان، وبعد عدة أشهر وبالتحديد فى أوائل عام 1966 التقى البرزانى بالمستشار الاسرائيلى ليشع رونى، وبعد هذا الاجتماع تواجد الاسرائيليون فى محور رواندوز الحاج عمران شمال العراق بقيادة تسورى ساجى.. وتوالى ضباط اسرائيليون المجيئ الى المنطقة وأقامت اسرائيل للأكراد مستشفى ميدانى تحت ادارة الدكتور برلسنر، وأصبح الطريق مفتوحا الى اسرائيل أمام القادة الأكراد عبر ايران، 
وذكر شلومو نكديمون فى كتابه انهيار الآمال الاسرائيلية الكردية أن البرزانى احتفل مع الاسرائيليين فوق جبل كردستان بدخولهم القدس عام 1967 بذبح كبش علق فى رقبته شريطا من لونين الازرق والأبيض رمزا للعلم الاسرائيلى وكتب عليه: هنئوا اسرائيل لاحتلالها بيت المقدس. فرحا بانتصار إسرائيل في حرب 1967.

وفي نيسان (أبريل) 1968 قام الملا مصطفى البارزاني بزيارة إلى إسرائيل حيث هبطت طائرة أقلته من إيران، في مطار اللد وكان بصحبته الدكتور احمد والمفتي وخمسة حراس شخصيين مسلحين، واجتمع مع رئيس الدولة، زيلمان شوفال وحضرهذا الاجتماع ولبكوب، وقد رفض البارزاني كل التوسلات بأن يتخلى عن مسدسه الشخصي المحشو بالعتاد، وقال لبكوب لتبرير الموقف : هل شاهدتم كلباً يتخلى عن ذنبه؟ وقد نصح الرئيس الإسرائيلي، مصطفى البارزاني أن يتخلى عن فكرة الحكم الذاتي، وأن يعمل من أجل إقامة دولة كردية مستقلة وقد قابل أيضاً وزير الدفاع موشيه دايان، كان من المفروض أن تبقى الزيارة سراً لكن أمر الزيارة تسرب وانتشر خاصة بعد مقابلة جرت بين البارزاني ومحرري الصحف الإسرائيلية .
وفى عام 1972 كان الأكراد ينقلون معلومات شاملة حول الجيش العراقى الى كل من المخابرات الايرانية والاسرائيلية عثر على وثائق تؤكد علاقة الأكراد بالسفارة الاسرائيلية فى باريس
وقدإمنحت سرائيلالملا مصطفى البارزاني رتبة (لواء) تقديرا لجهوده في تسفير اليهود العراقيين الى فلسطين المحتلة .
وقد اعترف مناحم بيجين وهو رئيس لحكومة اسرائيل عام 1981 فى 29 سبتمبر من نفس العام أن اسرائيل ساعدت الأكراد بالأسلحة والمال وأن الخلافات التى كانت تقع بين الفصائل الكردية تسبب لها الازعاج.
وفي سبتمبر 2014، عقب هجوم داعش في شمال العراق، أعلنت الوكالة الإسرائيلية غير الحكومية إيسرايد عن تقديم المساعدة العاجلة للمسيحيين والإيزيديين في كردستان العراق، إلى جانب اللجنة اليهودية الأمريكية.
ولا يختلف أمر أكراد سوريا عن أكراد العراق فابتدأ المؤلف بالحديث عن (حسني البرزاني) أو (البرازي) وهو زعيم من أصل كردي، تمكن من جمع رأس مال كبير جداً، أوصله في نهاية المطاف إلى منصب رئيس الحكومة في سوريا عام 1942 وكان ذا صلة وثيقة بـالأمير (بدير خان) وكبار رجال الدبلوماسية الإسرائيلية وكان واثقاً من أن الإسرائيليين يحفظون له أفضالاً عديدة في الماضي القريب، حيث قدم تسهيلات لهجرة يهود بولنده إلى فلسطين عن طريق دمشق .

وفي أوج حرب 1948 فكر حسني البرازي الإطاحة بالرئيس السوري القوتلي ورئيس حكومته جميل مردم، وإنه بالتنسيق مع بدير خان، طلب أن يقوم الإسرائيليون بدورهم في هذه العملية، بأن يقوم الجيش الإسرائيلي بإثارة التوتر على الحدود لجذب قوات الجيش السوري نحو الحدود بعيداً عن العاصمة دمشق، وبالتالي إتاحة الفرصة له بدخول المدينة بكتيبة دبابات والاستيلاء على السلطة بسهولة . ووعده إذا ما نجحت الفكرة، سيعمل على التوصل إلى اتفاقية سلام مع إسرائيل، وترسيم الحدود الدولية وإن هناك شركاء في الانقلاب من بين الأقليات، الأكراد، الدروز، الشركس . وحين عرض بدير خان ( عميل إسرائيلي ليس بالمفهوم الكلاسيكي للعملاء، وإنما كان يقوم بتكليف من إسرائيل بأعمال سياسية حساسة على افتراض أنه سينال مقابلها مساعدات إسرائيلية للنضال الكردي، وقد قام بدير خان بعدد من المهمات السياسية في عدد من العواصم العربية مثل دمشق والقاهرة وبيروت بتكليف من إسرائيل، وإن هذه المهام لا زالت طي الكتمان لسبب ما ) الموضوع على ساسون في وزارة الخارجية الإسرائيلية لم توافق إسرائيل على التدخل في إحداث انقلاب في سوريا . وتحدث الكاتب عن دور حسني الزعيم و محسن برازي، وكلاهما كرديان، وكانا يسعيان للتصالح مع إسرائيل، وإسقاط القوتلي، ولو أنه يعرج فيقول إن إسرائيل لم توافق على انقلاب حسني الزعيم في كانون الأول 1948(ديسمبر)، واستلام الزعيم السلطة في 30 آذار (مارس) 1949، وينقل الكاتب على لسان شمعون وبن غوريون بأنهما أقرا بأن إسرائيل قد ارتكبت خطأ بعدم استجابتها لطلب حسني الزعيم، رغم إن الزعيم أعلن صراحة رغبته التفاوض مع الصهاينة . وفي 14 آب 1949 أطاح انقلاب عسكري بالزعيم والبرازي وتم إعدامهما . 
يقول الجنرال بالاحتياط ميخائيل هرتسوغ الباحث في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأوسط، للجزيرة نت إن “تقسيم العراق وسوريا إلى دويلات متنازعة يخدم مصلحة إسرائيل” التي يندرج دعمها للدولة الكردية المستقلة علانية ، ضمن رغبتها في تعزيز الكيانات السياسية المستقرة والمنفتحة عليها وعلى الغرب. 
من جانبه رحب رئيس المجلس الوطني الكردستاني في سوريا شيركو عباس بدعم إسرائيل للدولة الكردية، وقال إن “الأكراد لم يناصبوا يوما العداء لها، وإنهم المحرك للديمقراطية في الشرق الأوسط”.

وقال عباس لموقع “ميدا” الإسرائيلي في تاريخ 31/ 6 /2014 إن تاريخا ومآسي مشتركة تجمع الطرفين، معتبرا أن “دعم إسرائيل للأكراد سيساهم في بناء حدود آمنة لها”.
ويساهم عباس في تفسير الدعم الإسرائيلي السري والعلني المتزايد للأكراد بتحذيره إسرائيل من التردد في دعم الأكراد أو الانتظار، داعيا إياها إلى اغتنام الفرصة “لتحويل سوريا والعراق إلى كنفدراليات من خلال مد يد العون للأكراد”.
إن فكرة تقسيم العراق وسوريا الى دويلات واقاليم طائفية او اثنية تدخل في صلب العقيدة الاستراتيجية المحبذة لنشوء كيانات سياسية اثنية للآقليات يمكن ان تتلاقى مصالحها مع المصالح الإسرائيلية في المنطقة.
انه يمثل موطىء قدم بالغة الاهمية بالنسبة للاستخبارات الإسرائيلي في المواجهة الدائرة مع إيران على خلفية برنامجها النووي، او بالنسبة لمواجهة الخطر الجديد الذي يمثله الجهاديون والإسلام الراديكالي المتشدد في العراق وسوريا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: