السبت , سبتمبر 19 2020

عادل عبد الظاهر يكتب : الثانوية الطامّة ومسارات التعليم !

أسلوب من الحياة
نحياه، فريد من نوعه، ليس في التَمَيُّز، وإنما في التمييز !

وكما ذكرتُ في
مقال سابق، هو نتاج ميراث طبقي طويل، لا زال يجثم على صدورنا، ويرهقنا.

تمخض ذلك الميراث المُرّ عن مجموعة من العُقَد ومُركّبات النقص والشعور بالدونية،
ما لا نستطيع بسهولة التحرر منه، إنقاذا لأنفسنا.

أحد تلك
المُركّبات الدونية هي الثانوية العامة، التي أصبحت مرضاً مزمناً، وبرزخاً مظلماً،
إما أن ينتهي بنا إلى نجاة وفوز أو إلى هلاك و ضياع.

فمن كان الهلاك من
نصيبه فعليه أن يكون جاهزاً بصكوك الشفاعة والغفران ليفتدي مستقبله من الضياع، وهي
الصكوك الحاكمة في كل زمان، المتمثلة في آلاف مؤلفة من ورق البنكنوت الذي يُمكّن
من الالتحاق بالتعليم الجامعي الخاص، وهناك يحصل على كل ما يريد ويتمنى من
المستقبل “السوبر” الذي يطمح إليه، مهما كان فاشلاً أو مهملاً أو غير
كفء، فمالُه يشفع له أينما توجهت خطاه.

الجميع يرى في ما
يسمى كليات القمة أو كليات السيادة نجاة من احتقار المجتمع لمن هم دونها، مما يضطر
كثيراً من الأسر التي لا تتفق مواهب واستعدادات أبنائها مع مسار التعليم الجامعي
إلى الزج بهم زجاً في هذا المسار رغماً عنهم، حتى وإن كان الابن أو الابنة يمتلك
مواهباً أفضل في مجالات مهنية أو حرفية.

لقد فطر الله خلقه
حين خلقهم على المواهب العملية الحرفية، بنسبة قد تتجاوز التسعين بالمائة، بينما
القلة الباقية منهم مفطورة على التعليم النظري، الذي يسمونه خطأً وزوراً
“التعليم العالي”.

وهذا ما فطنت إليه
الدول المتقدمة، فأوْلَت المسار الحرفي في التعليم اهتماماً كبيرا، وجعلت توظيف
لتلك الفئات استكمالاً حتميا لذلك المسار، فهي تملك البنية الصناعية التي تستقبل المتخرجين
من التعليم المهني، حتى أن الشاب عند بلوغه الثامنة عشرة يصبح انساناً مكتمل
الرجولة، قادراً على تحقيق ذاته، فاعلاً في مجتمعه.

ولكنه تاريخ من
تاريخ من القهر الاجتماعي يحتل كل كياننا، حتى أصبحنا نستقل العمل اليدوي ونحتقره
وأهله، حتى هان العمل الحرفي ذاته، فلم نعد نمتلك الجدية اللازمة لتطويره، وإيجاد
مجالات العمل الجاهزة لاستقبال خريجيه، فأصبح كل حرفي يعتبر مهنته عاراً لا ينبغي
أن يرثها عنه أبناؤه، وأصبح منهم من يفخر بأن ابنه أصبح طبيبا أو مهندساً أو
محاسبا أو ضابطاً أو مستشارا، حتى أضحى المجتمع ينظر إلى تلك الصيرورة على أنها
“إنصاف” لهم من الله بعد طول كد وتعب وظلم، كما يعتبرونها نجاحاً في
ارتقاء للسلم الاجتماعي بعد طول هوان.

إن تمييز مسار
الثانوية العامة هو نوع من تعويض الشعور المريض بالنقص، وهو محصول لميراث من تقديس
العمل الببروقراطي، المرتبط بالطبقة العليا في البناء الاجتماعي منذ أن كان الحكيم
المصري القديم ينصح ابنه بأن يصبح “كاتباً”، مُعدداً مزايا العمل في
البلاط الملكي، وعيوب العمل في أعمال الزراعة والبناء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: