الثلاثاء , مارس 2 2021

كلمة السفير أحمد بن حلي – نائب الأمين العام لجامعة الدول العرب، الجلسة الأولى: التحديات الراهنة التي تواجه الأمة العربية لمؤتمر رؤساء المجالس والبرلمانات العربية.

كتب : إبراهيم جابر إبراهيم

أستهل حديثي بالقول بأن وجودكم اليوم معنا في بيت العرب، وفي هذه الظروف العصيبة لحالة الواقع العربي، وفي هذه المرحلة التي اهتزت فيها الرؤيا نحو المستقبل، وفي هذا المناخ الذي تكتنف الغيوم مسالك طريق السلامة أمامنا، أقول إن حرصكم على حضور هذا المؤتمر هو بالإضافة إلى أهميته الخاصة نوع من الاطمئنان للقلوب المضطربة والنفوس القلقة، والمتوجسة من الحالة التي آلت إليها الأوضاع العربية، وما يجرى في وطننا العربي من أحداثٍ مؤلمة، واستعصاء لحل أزماتنا، وما يتخللها من تدخلات وتجاذبات إقليمية وتدخلات خارجية في شؤوننا. ومع ذلك لا ينبغي أن تفقدنا غلالة التشاؤم قوة اليقين في قدراتنا لاتخاذ الخطوات الجسورة لتخطى هذا الواقع بكل تضاريسه وتعاريجه الوعرة.

ومن هذا المنظور، اسمح لي السيد الرئيس أن أكون أكثر وضوحاً وأكثر صراحة، والموقف يتطلب ذلك، أودُ أن أتوقف عند بعض العناوين التي أطلق عليها المنظمون لهذا المؤتمر بالتحديات، لأتناولها من منظور أنها تحديات جسيمة مشحونة بعوامل الضغط والإلحاح فلا تحتمل الغوص في تحليل أسبابها بقدر ما هو مطلوب طرح أساليب لمعالجتها في هذه الجلسة الخاصة بالتحديات العربية:

أولاها: إصلاح ذات البين في العلاقات العربية البينية، باعتبارها المنطلق الأساسي لما سيأتي بعد ذلك، وتنقية أجواء العلاقات العربية وإزالة الغيوم التي تسود أفقها ما بين بعض الدول العربية، والعمل على استعادة المبادرة والفعل للموقف العربي الواحد، وهو ما يتطلب التحرك الميداني من قياداتنا، وأنتم جزء من هذه القيادات بحكم مواقعكم، وكما كان يفعل آباؤنا في السابق عندما توجد أزمة يتحرك العقلاء لحلها، وتكثيف الزيارات الميدانية، واستعمال الدبلوماسية العامة عبر شخصياتٍ عربية مرموقة أو مجموعة حكماء لإجراء الاتصالات واستكشاف الحلول لمعالجة أزمات عربية معينة ما بين هذه الدولة أو تلك، وكذلك التشاور حول المسائل التي نريد كعرب وكدول وكمجموعة طرحها جماعياً، بعيداً عن إرباك الموقف العربي بطرح مبادرات غير مدروسة أو مواقف غير ناضجة وليس بشكلٍ تلقائي وبدون تحضير، والعمل على إرساء أساليب وأطر توائم ما بين المصالح الوطنية لكل دولة والمصالح الجماعية المشتركة، وإزالة الشكوك وهى أحد النقاط السوداء وعدم الثقة التي تطرأ في السماء العربية من حينٍ لآخر، وعدم السماح للاختلاف في الرأي أن يتحول إلى خلافات تسئ للعلاقات العربية وتنعكس سلباً على المواطن العربي.

ثانياً:  ويتأثر هذا المحور بمضمون الرسالة الإعلامية العربية، خاصةً بعد أن أصبح المشهد الإعلامي العربي مزدحم بالعديد من الفضائيات والإذاعات والصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، وتحول الإعلام إلى مشارك أساسي في تشكيل الرأي العام العربي وفي صناعة القرار، ومن هنا تأتى أهمية عملية ترشيد الخطاب الإعلامي العربي ليلتزم بحرفية المهنة وصدق الكلمة وبقواعد السلوك الأخلاقي والإعلامي وبالحس الوطني والقومي في تناوله للعلاقات العربية – العربية.

ثالثاً:  إبقاء القضية الفلسطينية مهما كانت المشاكل والأزمات، لأن بقاء القضية الفلسطينية على رأس الأولويات العربية، وفى دائرة الاهتمام الدولي، خاصةً بعد أن فشلت جميع المساعي والمبادرات بما فيها المبادرة العربية لإيجاد حل سلمى للقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي ودخلت القضية حالة الجمود بسبب اختلال المعادلة مع قوة الاحتلال الإسرائيلي المحصنة ضد أي محاسبة أو عقاب من المجتمع الدولي، وأيضاً بسبب الوضع الفلسطيني والعربي. وهذا الواقع يتطلب أفكار خلاقة ومقاربات جديدة لكسر هذه المعادلة المختلة، وبدون شك تمثل البرلمانات العربية روافد هامة للدبلوماسية العربية في تحريك هذا الواقع لنصرة القضية الفلسطينية، وتوفير سبل الدعم الكافي لصمود الشعب الفلسطيني.

رابعاً:  استعادة زمام المبادرة في معالجة الأزمات الحادة التي تعانى منها عدد من الدول العربية مثل ما هو جاري في كلٍ من سورية واليمن وليبيا والصومال، هذه الدول المهددة بوحدتها وكياناتها، والعمل على وقف النزيف في الجروح المفتوحة في الجسم العربي من خلال وضع هذه الأزمات على طريق الحل في الإطار العربي أساساً، مع الاستفادة من الدعم الدولي، كعامل مساعد للجهود العربية، والكف، وأقولها بكل صراحة وأمانة، عن تصدير أزماتنا العربية إلى المجتمع الدولي والمراهنة على الحلول الدولية، خاصةً ونحن ندرك الأجندات والمصالح التي تحرك القوى الدولية في مثل هذه الحالات وهى تستفيد وتستغل ذلك، ومدى استغلالها لهذه الأزمات.

أقول أيضاً إن جيلنا الحاضر مسؤول على الحفاظ على مقومات الدولة الوطنية التي ضحى من أجلها آباؤنا الذين أتوا بالاستقلال والحرية، وهذه المسؤولية تتطلب الاستجابة لمطالب الشعوب العربية في عملية الإصلاح والتغيير لإرساء دعائم الدولة الحديثة بطاقات شبابها ومكونات شعبها لابد أن يتصدر الشباب العربي بطموحاته اللامحدودة.

خامساً:إعادة النظر وبشكلٍ سريع في مفهوم الأمن القومي بأبعاده المختلفة العسكرية، الإنمائية، الغذائية.. الخ، وتشكيل مظلة أمنية عربية جماعية، والاستغناء عن المظلات الخارجية في التسلح وفي الدفاع، وفى التحكم في مفاتيح القرارات المصيرية المتعلقة بالحرب والسلم والأخذ بناصية العلم والتكنولوجيا في المجالات الصناعية الحيوية بما فيها الصناعات العسكرية وعلوم الفضاء الخارجي الذي نحن بعيدين وغائبين عنه، والطاقة النووية لاستخداماتها السلمية، وفي الردع النووي عند الحاجة الماسة لتحقيق التوازن والأمن الإقليمي.. لماذا نحن متأخرون في هذا المجال؟ وأين نحن من ذلك؟ من علوم الفضاء، الطاقة؟

لقد تأخر الركب العربي عن القافلة العلمية الدولية، ليس فقط مقارنةً بالدول المتقدمة، وإنما بأقراننا من الدول النامية أو الصاعدة، ولذلك لابد من الهرولة للالتحاق بقافلة العلم.

ويؤلمني أن أقول إن هناك مؤشرات تلمح إلى أن الجامعات العلمية في الدول العربية مهددة بتعرضها لصعوبة الاعتراف بالشهادات التي تصدرها إذا ما تواصل المستوى المتردي على هذا المنوال.. فهل نحن مدركون لخطورة هذا التحدي؟!

سادساً: مواجهة تنامي موجات الإرهاب المتتالية، ودحر الفكر المنحرف والمتطرف، وأهل الردة، وإنقاذ الشباب العربي من مصادرة ربيع أحلامهم ومستقبل أوطانهم من قبل هؤلاء بائعي الأوهام وسماسرة السماء وتجار الدين، وتجفيف المستنقعات التي تفرخ الإرهاب، ووأد النعرات الطائفية والانغلاق التي تتغذى على ما يفرزه الإرهاب من آفات على حساب التعايش السلمي بين مكونات الشعوب واستقرارها.

سابعاً: متى نعلن أن هناك مشروع عربي يتمثل في تحول الدول العربية إلى قطبٍ فاعل في عالمنا على غرار الأقطاب الجديدة التي تتشكل حالياً من حولنا، الاتحاد الأوروبي، الآسيان، أمريكا الشمالية، البريكس.. الخ. وهذا الهدف يتطلب الإسراع في بناء تكتل اقتصادي قوى عربي وتنفيذ المشاريع العربية الكبرى وفي مقدمتها الانتهاء من تنفيذ منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى هذا العام 2016 للشروع في مرحلة الاتحاد الجمركي وصولاً إلى السوق العربية المشتركة عام 2020. وانجاز المشاريع التكاملية الأخرى الخاصة بالربط بين الدول العربية كالربط الكهربائي والربط البرى بالسكك الحديدية والربط البحري بين الموانئ العربية ومشروع ربط شبكات الانترنت العربية Internet ومشروع مبادرة سمو الأمير الشيخ صباح أمير دولة الكويت بشأن توفير الموارد اللازمة لدعم وتمويل مشاريع القطاع الخاص للصناعات الصغيرة والمتوسطة في الوطن العربي والذي استفاد منه حتى الآن 12 بلد عربي بمبلغ يقارب من مليار دولار. هذه المشاريع الكبرى تعانى حالياً من التأخر في الانجاز، لذلك لا يجب تركها في يد الخبراء وحدهم ولابد من هزة سياسية للانتهاء منها (مثل مشروع الربط العربي الذي لا يزال في طور الدراسة منذ أكثر من 3 سنوات) خاصةً ونحن كمجموعة عربية منخرطون وملتزمون حالياً في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة 2016-2030 التي حددتها الأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، ولعبت المجموعة العربية دوراً بارزاً لإدخال الأولويات العربية ضمن الأهداف الـ17 والغايات المحددة بـ169 غاية.

ثامناً: دعم النهوض بآليات العمل العربي المشترك وفي مقدمتها جامعة الدول العربية من خلال تأكيد القرار السياسي لتحديث ميثاق الجامعة والالتزام بتنفيذ قراراتها، وتمكينها من المقومات الضرورية للاستجابة للمتطلبات العربية ومواكبة قريناتها من المنظمات الإقليمية والدولية الأخرى.

تاسعاً: بلورة موقف استراتيجي عربي لضبط العلاقات مع دول الجوار الجغرافي للوطن العربي من خلال حوار صريح وجدّي لنزع فتيل الاحتقان والتوتر في المنطقة، وطرح كافة المشاكل العالقة على طاولة البحث بغية تحقيق التوازن الإقليمي، ومصالح كل طرف بعيداً عن أسلوب الهيمنة وبسط النفوذ على حساب المصالح العربية العليا والاستقرار في المنطقة.

عاشراً:بحث طبيعة العلاقات العربية مع القوى الكبرى في العالم، أخذاً في الاعتبار المتغيرات التي طرأت على العلاقات الدولية منذ خمس سنوات، واندلاع موجة الصراعات في المنطقة العربية وفى أوكرانيا والتي أدت إلى عودة العالم لنوعٍ جديد من الحرب الباردة بين القوات الكبرى وأصبحت المنطقة العربية أحد ساحاتها الساخنة، وخطورة هذا التطور أنه لا توجد خطوط حمراء لا ينبغي تجاوزها كما كان الحال خلال الحرب الباردة قبل عام 1990 من القرن الماضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: