الإثنين , سبتمبر 21 2020

ماسبيروا

كتب:مصطفي شريف 

– كانت أوروبا وبخاصة فرنسا اكثر احتفاء بحضارات الشعوب الأخرى، هذا الأمر الذي أتاح لماسبيرو الاطلاع على مجهودات سابقين عليه، ومغرمين او مولعين مثله

 بما اكتشفه آباؤهم من معلومات عن واحدة من أقدم الحضارات على الأرض، وقد دفع هذا الغرام العامة من الأغنياء إلى متابعة أخبار مصر القديمة وشراء البرديات المنقولة إليهم، واعطائها في نهاية الأمر الى متخصصين كي يترجموها لهم، مما وفر لماسبيرو مادة أهلته لأن يكون واحدا من أكثر النابغين في علم المصريات، وسارت حياته في هذا المسار
(جاستون كاميل شارل ماسبيرو ) Gaston Maspero
– مولده:
ولد جاستون ماسبيرو في باريس وتحديدا يوم23 يونيو عام 1846م…
ولد لأب غير معروف( يقال ان ولديه ايطاليين هاجرا الى فرنسا), لكن المؤكد أن السيد ماركو كاميللو مارسوزي هذا النبيل القادم من نابولي هو الذي تولي الانفاق علي تربيته وعلي تعليمه, فيما بعد في ليسيه لوي لوجران, دون أن يساوره أدني شعور بأنه يبعثر نقوده في الهواء, لأن الفتي ماسبيرو سوف يكلل رأسه بالفخر عندما يلتحق بالإيكول نورمال سوبريور, وهي المدرسة العليا التي أنشئت لالتقاط المواهب وتخريج رجالات الدولة, وسوف ينال جائزتها الأولي في التاريخ عدة مرات.

– فى عام 1858م وفى سن الثانية عشرة بدأ ماسبيرو في تعلم الهيروغليفية وسوف يتقن العربية فيما بعد ،
و فى عام 1867م و اثناء وجود ماسبيرو فى مدرسة الإيكول نورمال سوبريور قابل عالم الآثار أوجوست مارييت الذي أعطاه نصين هيروغليفيين اكتشفا حديثا بواسطة مارييت وقد طلب منه ترجمةالنصين من الهيروغليفية وهى ترجمة غير هينة, و قد أتم ماسبيرو العمل علي أكمل وجه في ثمانية أيام, كل ذلك وعمره لم يتعد الواحد وعشرين عاما،
فتلك الواقعة جرت عام1867 وهو اليوم الذي سوف يشهد بزوغا من نوع آخر لماسبيرو والذي سوف يشيع فيه اسمه كأحد أبرز الثائرين الشباب علي ما عرف باسم فرض الرقابة علي المكتبات العامة, ولقد أدي هذا الموقف إلي تعليق تعيين ماسبيرو ورفاقه إلي أن يتراجعوا عن مواقفهم لكن ماسبيرو رفض التراجع حتي, وإن كان الثمن أن يتم دراسته دون الحصول علي شهادة بارزة, وألا يكون نورماليانneiLamron يعني خريج الايكول نورمال سوبريور, ولقد كان لماسبيرو تعليق شهير في هذا الموقف, تعليق لا يخلو من دلالة… لن أبدأ حياتي بمثل هذا العمل الجبان.

– تأجيل الرحيل الى مصر:
كان بامكان ماسبير وهو فى سن الواحده والعشرون الرحيل الى مصر معتمدا على علاقته الوثيقة بالعالم مارييت الذي كان علي استعداد لأن يفتح له الابواب ، ولكن الاقدار اجلت هذه الرحلة لاكثر من عشرة سنوات، والسبب أن بابا آخر قد فتح أمامه، وهو رجل أعمال أرجنتيني يعيش في أورجواي وضع أمام ماسبيرو كل الامكانيات ليبحث في نقطة أن لغة بيرو القديمة, لغة مدونة, ماسبيرو سوف يمضي تسعة أشهر في تلك المهمة بعد أن أتقن الإسبانية, لكن عشقه للمصريات ولمصر غلبه، فسرعان ما عاد لأصوله ليتم دراسة حول الأسرة التاسعة عشرة في انتظار الخطوة الأكبر في حياته بالسفر إلي أرض أحلامه… إلي مصر.
وقد جائته الفرصة من حيث لا يدرك..!

ماسبيرو… والامبراطورة
– ففى عام 1869م تم اختيار جاستون ماسبيرو ، من قبل ايمانويل روجيه ــ بروفيسور الاركيولوجي واللغة المصرية القديمة ــ ليكون معيدا في المدرسة العملية للدراسات العليا, في نفس التوقيت وبالتوازي كان عليه أن يعد الامبراطورة أوجيني التي كانت تستعد للمشاركة في افتتاح قناة السويس ــ كان علي ماسبيرو أن يؤهل الامبراطورة أوجيني لزيارة مصر عبر سلسلة من الدروس الخاصة عن تاريخ وحضارة مصر, ولم يكن هذا كل شيء, فقد أوكل إليه أوجست مارييت القيام بأعمال أخري قبل أن يقدم له أكبر العون في مناقشة أول رسالة دكتوراه في السوربون, وفي فرنسا في علم المصريات الايجبتولوجي.

– زواجه :
فى هذه الاثناء تزوج ماسبيرو من “إيتي ياب ” السيدة الانجليزية التى تعيش فى باريس, وتنشر مقالات في مجلة تصدر في لندن, أثمر الزواج عن صبي وصبية وعيشة دافئة هنية لم تدم طويلا وقطعها موت مفاجيء للزوجة إثر الاصابة بالمرض لتموت في سبتمبر1873م وسوف يظل هذا القطع المفاجيء لمسار كان سعيدا, يمثل جزءا من حزن دفين يعاني منه ماسبيرو. وتؤثر هذه الوفاة على ماسبيرو الى ابعد حد ، الى ان ينصحه مارييت بأن طوق النجاة بالنسبه له هو العمل ، تزوج ماسبيرو فى مرحلة لاحقة من لويز اليستورنال والتى رافقته عدة مرات الى مصر وكان بينهما رسائل عديدة عندما كانت تتواجد بفرنسا ، جمعت هذه الرسائل البديعة فى كتاب .
– وبسبب اندفاعه الشديد فى العمل ينتخب ماسبيرو فى عام 1873م أستاذ كرسي علم الفيلولوجي والآثار المصرية بأغلبية واضحة فقد حظي بواحد وعشرين صوتا مقابل خمسة أصوات ليجلس محل أستاذه ايمانويل دي روجيه, وهو بعد لم يتجاوز السادسة والعشرين, وشهد شهر فبراير 1874م بزوغا وضوءا من نوع خاص في سلسلة المحاضرات التي بدأ بها ماسبيرو دوره, واستطاع بزخم معرفته ووضوح أفكاره أن يحتل عقول وأفئدة تلاميذه, بل إن محاضراته ودروسه العلمية كانت تشهد نوعا من التزاحم والتدافع وهو يحلق بمستمعيه بحديثه عن دين المصريين القدماء وحضارتهم ولغتهم وثنايا حياتهم دون أن تكون قدماه قد وطأت أرض مصر بعد.

– الرحيل الى مصر:(الفترة الاولي من1881 إلي1889م) تذكر بعض المصادر ان هذه الفترة امتدت حتى عام 1892م.

في تلك الفترة كان الحضور الفرنسي في مصر ملحوظا سواء في القاهرة أو الاسكندرية, وكان من السهل أن يأتي فرنسيون, ويقيمون أو يزورون القاهرة أو الاسكندرية لوجود رحلات بحرية منظمة ،
أن ماسبيرو لم يكن عالم المصريات الوحيد الذي عشق مصر وتخصص فيها قبل أن تطأ قدماه أرضها.. فعلماء المصريات من جيله كانوا علي نفس المنوال أو علي الأقل أغلبهم.. بالنسبة لماسبيرو كان حادث وفاة زوجته وتركها لطفلين في رعايته, إضافة لولعه بالعمل عائقا حقيقيا يحول دون سفره, كما أن انشغاله بتأليف واحد من أهم كتبه التاريخ القديم لشعوب الشرق مبررا معقولا لتأخر سفره.
– أوجست مارييت يعاني من مرض الموت, وإذا لم تعد فرنسا عدتها وترتب من سوف يخلفه, فإن فرنسا سوف تفقد مساحة من نفوذها في مصر, في لحظة شديدة التوتر والحساسية بل والتنازع بينها وبين انجلترا علي مصر, من هنا ولدت استراتيجية فرنسية جديدة, تضمن استمرار اليد الطولي لفرنسا في قطاع الآثار.. حيث اتجهت فرنسا الى انشاء مدرسة أثرية للحفريات يكون مقرها القاهرة علي غرار مدرسة روما الموجودة في أثينا.و في حال حدوث ذلك سوف تضمن فرنسا إعداد جيل من علماء المصريات لا يكتفي فقط بالعلم النظري, لكنه سوف يمارس ما يتعلمه عمليا, وبدأ ماسبيرو أستاذ الكولاج دي فرانس الأكثر ملاءمة لمثل هذه المهمة, فمن بإمكانه تأسيس مثل هذه المدرسة غير ماسبير…
ومن هنا جاء طلب الحكومة الفرنسية وبالحاح الى ضرورة سفر ماسبير الى مصر.
وكان ذلك فى عام1880م ويصل مصر في يناير عام 1881،وقد اختار ماسبيرو العيش فوق عوامة علي حافة النيل وهي المعروفة باسم المنشية وهي إحدي ممتلكات ادارة خدمة الآثار،وقد امضى بها ماسبيرو كل فترة اقامته الاولى بمصر.
وتولى منصب مدير مصلحة الآثار وأمانة المتحف المصري ببولاق (دار الآثار القديمة -الانتكخانة) بعد وفاة مارييت، وكان عمره آنذاك أربعة وثلاثين عامًا.
– أنشأ ماسبيرو في القاهرة المعهد الفرنسي للآثار الشرقية (وكان مقره الاول عند قدوم ماسبيرو مبني تملكه الداية التي كانت مسئولة عن الولادات في الأسرة أو حريم الخديوية. ومقره الان منطقة المنيرة )وكان مديره الأول،لم تقتصرالدراسة فيه على الآثار الفرعونية بل أمتد لدراسة جميع الآثار المصرية سواء الإسلامية أو القبطية.

كما استطاع اكتشاف أكثر من أربعة آلاف نص بالهيروغليفية، واستكمل حفائر مارييت في معبدي إدفو وأبيدوس، واستكمل إزالة الرمال حول تمثال أبي الهول عام 1886، حيث أزال عنه أكثر من 20 مترا من الرمال محاولا إيجاد مقابر تحتها ولكن لم يجد ولكن حديثا عثر على عدد من المقابر في أماكن الحفر التي كان ينقب فيها ماسبيرو.

وقام بإعادة ترتيب المتحف المصري ببولاق،(وقد نقلت محتويات متحف بولاق الى قصر الجيزة عام 1890 بسبب زيادة الفيضان وضيق المتحف بالمقتنيات الجديدة)وساعد ماسبيرو فيما بعد فى نقل مجموعات متحف قصر الجيزة الى متحف قصر النيل الجديد عام 1902م.

– فى هذه الفترة قبض ماسبيرو على افراد من عائلة عبد الرسول وهم من أشهر تجار الآثار وأستطاع أجبارهم على الأعتراف بالسرقات وحصل منهم على معلومات عن أحد أهم أكتشافات ماسبيرو وهى خبيئة في الدير البحري عثر فيها على مومياوات الملوك سقنن رع وأحمس الأول وتحتمس الثالث وسيتي الأول ورمسيس الثاني وغيرهم (قدمها فيما بعد المخرج شادى عبدالسلام فى فيلمه الاشهر المومياء عام1975م).
– فى هذه الفترة حدث الاحتلال البريطانى على مصر ، ومن هذا جاء التنافس والاحتكاك بين الانجليز والفرنسيين على السيطرة على مجال الاثار مما اجبر فى النهاية ماسبير على تقديم استقالته عام 1886م عائدا الى باريس.

الفترة الثانية (1899م – 1914م).
طلب ممثل فرنسا فى من ماسبيرو بسرعة عودته الى مصر وبالفعل عاد فى عام 1899م ( وفى اثناء فترة غياب ماسبيرو عن مصر تراس المتحف المصرى العالم دى مورجان وخلفة العالم لوريه حتى عام 1899م ).

– طبقا لملف خدمة ماسبيرو فى دار المحفوظات العمومية، معلومات حول تاريخ مولده، ومرسوما خديويا بتعيينه مديرا للأنتكخانة “المتحف المصري” براتب قدره 1000 جنيه سنويا، وقرار تعيينه مديرا لمصلحة الآثار المصرية، وقرار الخديوي عباس حلمي الثاني بتعيينه مديرا لعموم المتاحف المصرية ومدير عموم الآثار التاريخية، ورصيد إجازاته خلال عمله بالجهاز الإداري للدولة، وكشوفا بمدة خدمته في مصلحة الأنتكخانة منذ سنة 1909 حتى مايو 1914، وأخيرا قرار إحالته إلى المعاش وهو فى سن الثامنة والستون. .

– مكافحة سرقة الاثار:
وتمكن ماسبيرو- بمساعدة عالم المصريات أحمد بك كمال- من إعادة الكثير من الآثار المسروقة إلى مخازن المتحف المصري، وقام في عام 1912 بسن قانون (القسمة) الذي ينظم عملية التنقيب عن الآثار بموافقة السلطات المختصة، و ينص هذا القانون على أن لا يسمح للأشخاص بالتنقيب ويقتصر التنقيب فقط على البعثات العلمية بعد الموافقة على مشروعها، ولم يصبح من حق الحفارين الحصول على نصف ما يعثرون عليه لكنهم يحصلون فقط على القطع التي لها مثيل مكرر بمتحف القاهرة، ولا يمنح القائم على الحفائر تأشيرة خروج من مصر إلا في حالة تركه الموقع الأثرى في صورة مُرضية، مما أثار عليه غيظ وحقد المهربون الأجانب وتجار الآثار، كما فرض مقابل لمشاهدة المناطق الآثرية لمواجهة النفقات التي يحتاجها للتنقيب وأعمال الصيانة.

– اما الحديث عن اعمال ماسبيرو وكتاباته فهى تحتاج الى الكثير و المجال لا يتسع لذكرها ، ولكن نكتفى هنا بذكر اشهر اكتشافاته وهى “متون الاهرام” و هى تعتبر أقدم نصوص دينية ليس فى مصر فقط , و انما فى تاريخ الانسانية كله ، وقد اكتشافها ماسبيرو فى عام 1881م حين عثر على نصوص هيروغليفية منقوش على الحوائط الداخلية لبعض أهرامات الدولة القديمة بسقارة . عندما رأى ماسبيرو النصوص لأول مرة افترض أنها نصوص جنائزية , و قام بتقسيمها الى ثلاثة أنواع :- (نصوص طقسية …. ابتهالات …… تعاويذ سحرية)

كذلك قانون حور محب والذى وجده ماسبيرو عند احد ابواب الكرنك عام 1882م، و من أهم مؤلفاته: «التاريخ القديم لشعوب الشرق ،و كتاب حكايات شعبية فرعونية.

– عاد ماسبيرو إلى باريس عام 1914م وعين في منصب المستشار الدائم لأكاديمية الفنون والآداب، وفى 30 يونيو من عام 1916م توفى ماسبيرو عن سبعين عاما .ودفن في فرنسا، وقد أطلق اسم ماسبيرو في مصر على شارع خلف مبنى الأذاعة والتلفيزيون بالقاهرة والذى اتخذ المبنى اسمهفيما بعد وذلك تكريما لأعماله الجليلة ومساهماته في البحث والمحافظة على الآثار المصرية القديمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: