الخميس , مارس 4 2021

كلمة عبد القادر بن صالح رئيس مجلس الامة الجزائري في الجلسة الإفتتاحية للمؤتمر الأول لرؤساء البرلمانات والمجالس العربية

كتب : إبراهيم جابر إبراهيم

أكد علي سعادته  بتواجده في حاضرة القاهرة بمقر الجامعة العربية.. العاصمة والمكان الذين شهدا إعلان تأسيس “البرلمان العربي” في ديسمبر 2005 بعد إقراره في قمة الجزائر في مارس 2005…لقد تم لنا ذلك منذ عشرية كاملة بفضل ما تشكل من بصيرة لدى القادة والقيادات العربية وما استشعر لدى شعوبها من رغبة أكيدة تتوق إلى غدٍ عربي أفضل يكرس الديمقراطية التشاركية ويتيح فرص النمو والنماء المستديم لشعوبها في إطار منظومة العمل العربي المشترك ووفقا لتوليفة توائم بين عمل الحكومات وتطلعات الشعوب.

أسمحوا لي أن أتقدم بأسمى آيات العرفان والتقدير لمصر “الكنانة”…ولفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس جمهورية مصر العربية، والرئيس الدوري للقمة العربية على تفضله برعايته السامية لهذا المحفل البرلماني .

وكل الشكر للسيد رئيس البرلمان العربي والسيدات والسادة أعضاء البرلمان العربي على هذا اللقاء التشاوري وفي هذا الظرف…

الشكر موصول إلى السيد الأمين العام لجامعة الدول العربية، الدكتور نبيل العربي الذي تفاعل مع المبادرة وساهم في إنجاح المبادرة… وكل الشكر موصول إلى السيد مرزوق علي الغانم، رئيس مجلس الأمة الكويتي ورئيس الإتحاد البرلماني العربي الذي رفع سقف التنسيق عاليا فيما بين الإتحاد البرلماني العربي والبرلمان العربي، كما لا يفوتني أن أبدي ارتياحي لعودة البرلمان المصري الى نشاطه المعهود على المستويين العربي والدولي.

 إن انعقاد هذا اللقاء التشاوري لرؤساء البرلمانات العربية تحت إشراف “البرلمان العربي” خطوة مستحبة لاستكمال والاستفادة من مؤتمرات سابقة دأب الإتحاد البرلماني العربي على تنظيمها تحضيرا وإشرافا… فلقاءنا هذا بادرة طيبة تسعى للإستفادة مما مضى ليشكل بالفعل سانحة فعلية يتفاعل فيها البرلمانيون العرب مع قضايا شعوبهم…

أتفق مع الجميع أن صيانة الأمن القومي العربي مسألة حيوية ومصيرية وتتطلب قرارات آنية وعاجلة خصوصا أمام تمدد الإرهاب ومظاهر الفتنة الفئوية في ربوع وطننا الكبير…

ما نتعرض له… استعمار جديد بأقنعة جديدة يحاول أن يقضي على الإنسان العربي في صميم هويته وموروثه ودينه…

إنّ تفشي مظاهر الفرقة في أوطاننا…وتمكن بعض الجماعات الإرهابية من رقعةِ أرضيةٍ (ما يُسمى بداعش) يضاف إليها امتلاكها إلى مساحات أوسع في العالم الافتراضي أدخلتنا في حالات من اللاّأمن واللاّاستقرار…

وإن موضوع “صيانة الأمن القومي العربي”… مسألة ضرورية غير أنها لا تقتصر على المجهود العسكري وعلى مفاهيم القوة… ولو أن امتلاك القوة يبقى ضروريا لخلق توازن يرعب العدو كيفما كان داخليًا وخارجيا… ويحفظ استقرار المنطقة العربية وسلامة شعوبها ويساهم في تحقيق الإجماع المرجو بين أبناء الأمة العربية.

وإن الجزائر برلمانًا وحكومة ستدعم كل ما من شأنه أن يفضي إلى إجماع عربي يحقِنُ الدماء ويحقق السلم والسلام ويوفر أدوات النمو والنماء ولكنها أيضا لن تُزَكِّي أيّ “مسلكية” تتخذ القوة أول أساليب الحلول، اعتقادًا منها بأن الحوار والتفاوض يفضي بالضرورة إلى نتائج أفضل من خيار الركون إلى القوة كأَوَّلِ الحُلول … وإذ كانت (الجزائر) تعتبر أن “القوة” تبقى دائما أحد ضمانات أساليب الحوار، والتشاور والتفاوض… وليس جديدًا القول أن عدونا لا يأتي فقط من حدودنا وإنما غالبا ما يأتي من عيوبنا…

ومن هذا المنظور فإن الجزائر تعمل على تجاوز الخلافات، ودرء الفتنة وتجنب النزاعات… فالجزائر تشجع كل أشكال التضامن العربي…

وعليه، فإن موقف الجزائر يبقى ثابتا في تبني المقاربة السلمية واعتماد لغة الحوار والتفاوض لحل أي خلاف، وذلك لتجنب تصدع جدار التضامن العربي…وفي هذا الإطار، تسعى الجزائر إلى تقاسم تجربتها ومقارباتها لحل كل أنواع النزاعات الإقليمية منها والدولية، باعتماد مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام السيادة الوطنية والتركيز على الخيار السلمي في معالجة النزاعات، وتكريس سياسة السلم والمصالحة الوطنية، وتحقيق الأهداف الكبرى للتنمية المستدامة بالموازاة مع تجنيد كافة الوسائل لمكافحة الإرهاب، وهو ما اعتمدته خلال وساطتها في الأزمة المَالِيَة، والتي توجت بالتوقيع على اتفاق السلم والمصالحة في مالي… وهذا ما تنادي به الجزائر لإنهاء أزمة الفرقاء في الشقيقة ليبيا من خلال إشراك كل الأطراف في العملية السياسية الجارية حاليا…

وإن الجزائر تتأسف للمنحى الخطير الذي يتخذه الوضع في سوريا، إنسانيا وأمنيا… وتجدد دعوتها إلى حل توافقي سياسي شامل، يضع حدًّا للصراع المسلح، ويفتح بابًا للحوار والتفاوض من أجل استتباب الأمن، حقنا لدماء الشعب السوري الشقيق، ودرءًا لتداعيات قد تَرْهَن مستقبل كل دول المنطقة… وعلى نفس المنوال، فالجزائر تُهيب بالفُرقاء في اليمن الشقيق تجنب الخلاف والفرقة والفتن، والجلوس على طاولة الحوار لإيجاد مخرج للأزمة اليمنية…

كما تؤكد الجزائر على موقفها الثابت والداعم للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني الشقيق في إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف وتدعو المجتمع الدولي إلى فك الحصار الذي يعيشه الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة… وهنا يبقى منوطا بالمجتمع الدولي العمل بكافة الوسائل الشرعية والمشروعة من أجل إلزام إسرائيل بتطبيق مقررات الشرعية الدولية والانسحاب من كافة الأراضي العربية المحتلة في فلسطين والجولان.

ونحن نتبادل وجهات النظر ونتدارس واقعنا العربي في جميع تجلياته بدءا بالقضية الفلسطينية قضيتنا المركزية وصولا إلى التهديدات الارهابية التي تطال الأرض والإنسان في ربوع وطننا الكبير…

إنّ تجربة الجزائر في مكافحة الإرهاب لوحدها طيلة عشرية كاملة وسط سكوت دولي غير مفهوم آنذاك وحصار غير معلن، أكسبتها مصداقية تخولها لِلحديث عن الآليات الكفيلة بالقضاء على الإرهاب… فظاهرة الارهاب تكاد تكون نظامًا دوليًا قائمًا بذاته بالنظر لتنظيماتها وتفرع قواعدها وتنوع مصادر تمويلها، على غرار دفع الفدية الذي سعت الجزائر بكل الوسائل لتجريمه، كخطوة أساسية ترمي إلى تجفيف منابعه…

لقد دفع الشعب الجزائري الثمن غاليا في معركته ضد الإرهاب… ولقد كَلَّفنا ذلك غاليًا على المستويين البشري والمادي… ولكن والحمد لله قَدَّرَ لنا الله سبحانه وتعالى الأدوات والإرادة من أجل الانتصار عليه…

لقد كانت معركة استعادة السلم ومعاودة النهوض باقتصادنا معركة تمت لنا تحت قيادة فخامة رئيس الجمهورية السيد عبدالعزيز بوتفليقة عبر سياسات الوئام المدني والمصالحة الوطنية وقبلهما سياسة “الرحمة”…

لقد انتهجت الجزائر – خارطة طريق- وفق برنامج مرحلي بدأ باستعادة الاستقرار ومصالحة الجزائريين مع أنفسهم ومضاعفة مجهود الدولة التنموي ومسار إصلاحي مؤسساتي دام لأزيد من عشرية بهدف استئصال كل أسباب الإرهاب عبر ترسيخ الديمقراطية التشاركية وتمكين الإنسان الجزائري من أسباب الفهم والانفتاح على المحيط والعالم… وقد توج فخامة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مسار الإصلاحات الاقتصادية، الاجتماعية والسياسية بتقديمه للبرلمان بغرفتيه المجتمعتين معًا، في السابع من الشهر الجاري، لتعديل دستوري كبير…

فبعد نجاح تجربتنا في عزل الإرهاب وتجفيف منابعه المادية والاجتماعية والقضاء على مسببات الفرقة بين ضحايا المأساة الوطنية وتدعيم قدرات القوى الأمنية المنوط بها محاربة الإرهاب… توج هذا الجهد بإعلان الدستور الجديد… دستور يوائم بين متطلبات الديمقراطية التشاركية والتنمية المستدامة وخصوصا الرغبة والطموح في بناء غد أفضل من خلال النص على تدابير حول أخلقة الممارسات والحوكمة الاقتصاديين، وحماية التكافل الاجتماعي، والحفاظ على الموارد الطبيعية وحمايتها للأجيال القادمة.

وإن لقاءنا اليوم… يلوح بتباشير رفع سقف التنسيق بين ممثلي الشعوب العربية ونخبة الدبلوماسية العربية… الرؤية البرلمانية للتعاون العربي في المجالات الأمنية والدفاعية والقضائية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية هي في النهاية رؤية مُحصِّلة لخبرات البرلمانات العربية ولكن التفعيل والتطبيق هو المشكلة… ويبقى منوطا بنا (كبرلمانيين) محاولة التدرج في العمل مع النظام الرسمي العربي ممثلا في جامعة الدول العربية بمسلكية المرحلية… وأعني المرافعة لما يمكن تفعيله آنيا والعمل سويا برلمانا وحكومات للتوصل إلى تفعيل كلي لاتفاقياتنا…وعدم إقصاء أي طرف مهما بلغت درجة النزاع عند البحث عن الحلول.

إن برلماننا العربي الموقّر، بصفته ممثلا للشعوب العربية، جامعا لصوت الحكمة والوحدة العربية، باستطاعته العمل في إطار المنظومة البرلمانية الإقليمية والدولية من أجل إعلاء كلمة السلم والمصالحة في العالم العربي. مع التأكيد مجددا على دور الجامعة العربية والبرلمان العربي والاتحاد البرلماني العربي في لمّ الشمل ولعب دور الطرف الجامع.

وفقنا الله لما فيه الخير لأمتنا العربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: