كتاب وشعراء

من سيرتي2/ كتبتُ علاقتي بالسلم الموسيقي..الشاعر// محيي الدين محجوب// ليبيا

من سيرتي 

كتبت علاقتي في السلم الموسيقي 2 

              حاملةُ اسم الماء

مدينةٌ تحمل اسم الماء الجليل، كأنّ قِربتها نهرُ الرّوح.

اسمها في مصادر شغــفي: صُرمان، هكذا رسمها التِّجّاني في رحلته (وهو أوّل دخولٍ لهذا الاسم في ذاكرة الكتابة)، وكذا رُسم في “رحلة السّادات المحاجيب”، غير أنّ الرّحّالة حسن الــوزّان كان قد تفرّد برسمها في كتابه: “وصفُ أفريقـية” بالسّين (سَرمان)، إلاّ أنّني أميلُ إلى رأي التِّجّاني ورحلة المحاجيب لسبقهما له.

ويذهب الباحث الأنثروبولوجي: يوسف الختّالي إلى رأي الوزّان مؤكّدًا لي ورود هذا المُسمّى في الوثائق الأمازيغية بالسّين، هكذا: (سُرمان). وإنْ كنتُ أعتقد أنّه أثر من الهيمنة الحفصيّة على المنطقة وجبل نفوسة.

يقول لسان العرب أنّ كلمة (سُرمان) تعني: الدّبّور الخبيث، وهو نوع من الزّنابير أصفر وأسود، ويُسمّى: الرّعاش، واليعسوب.

وقريبٌ منه، ثمّة في الشّام مُسمّى جغرافي: (سرمين)، حيث يمكننا أن نتحسّس علاقة لغويّة قويّة بين المُسمّيَيْن، فبحذف الزّوائد من كليهما (الألف والياء) يتبيّن لنا أنّه مُسمّى واحد عمل دخول (الألف والياء) عليه إلى اختلاف نطقه وبالتّالي تنوّع دلالاته.

ويُفسح التّاريخ الشّفوي حضورًا باذخًا لهذا السُّرمان: أنّه انتشر بالمنطقة لوجود سبخٍ بها يقتاتُ من ملحها، وأنّ انتشاره في زمن انبجاس النّور أعاق تحرّك الجيش اللاّئذ بسماحة فتوحاته الإسلاميّة.

وكأنّ هذا الاسم قابلٌ لتأويلاتٍ عديدةٍ، يمكن استدعاءه من ذاكراتٍ مختلفةٍ، زمنيّةٍ وثقافيّةٍ ولغويّةٍ، أسهمت في بناء نسيجه، كي يتسنّى لنا معرفة بنيته وبالتّالي فهم معناه.

بنائيًّا، يمكن اعتبار الاسم: (صُرمان)، وهو مُسمّى كنعاني ضالعٌ في عروبةٍ تتوضّأُ بوضوحها، مُركّبٌ من (صور + مان). صُور بمعنى: الصّخرة. ومان: الماء في الكنعانيّة العربيّة، وفي لغة قبيلة شمر بشبه الجزيرة العربيّة.

يترسّخ لدينا هذا المعنى حين نعرف أنّ من دلالات الماء ومعانيه في اللّسان العربي (الصَّوْرُ) وهو شطّ النّهر، فكان من تجلّيات تزاوج ومزج هاتين الكلمتين مُسمّى: (صورمان) أي صخرة الماء، ولهيمنة قانون الإدغام فقد محا الحضور المائي علّة “الواو” من الكلمة لتُنطق بكل سهولة صُرمان، بهيًا وناصعًا كيقينٍ يُبذر في جسدها الحياة.

وهو نفس الرّسم الإملائي الذي ورد بوثيقة صدرت من محكمة صرمان الشّرعيّة عام 1334ه.

ومن معاني (صُور) السّور، السّياج. ولتبيان هذه الدّلالة فقد حدّثني الحاج مفتاح قويدر: أنّها سُمّيت بذلك لوجود قلعة حصينة مُسوّرة بها.

ومن معانيها في اللّغة السّوريانيّة: (الصّور: الصّبر)، ألا يحيلنا هذا المُسمّى على مدينة صبراتة؟!

إذن تحمل هذه الكلمة (صُورمان) معنًى طبيعيًّا يتكشّف واضحًا في صلته بالماء، الماء الذي يُسوِّر المنطقة، أي يحيط بها، ولتوصيفها جغرافيًا، نلحظ أنّ البحر يُحدّها من الشّمال، ومن الغرب السّبخة العظيمة الممتدّة من شاطيء البحر باتّجاه الجنوب، ومن الجنوب سبخة صغيرة (بُحيرة مؤقّتة) تُسمّى الآن بالعين.

ومن المثير هنا ووفقًا للتّوصيف المكاني، يمكن قراءة المُسمّى (صرمان) بالشّكل التّالي: صَرَم: وهو بمعنى القطع والمنع، إذ القطع وظيفة الحجر. وآن: الماء، وفي القرآن الكريم: (تُسقى من عينٍ آنيةٍ)، (الغاشية: 5). حيث يشكّل الماء والسّبخة التي تُسوّر أكثر بقاع المنطقة حالة منعٍ وحصانةٍ. أي بمعنى: الماء المنيع والحصين، أيضًا فإنّ من معاني “أمِنَ” الاخفاء. ولعلّنا هنا نستدعي تلك الدّلالة الفخمة والمُهابة: المحروسة، التي طالما انتسبت إليها كثير من المدن.

ومن معاني “أمن” أيضًا: الغرب. ألا يعني هذا انقطاع المنطقة عمّا جاورها من جهة الغرب؟! مجرّد سؤال. ولا يفوتنا الإشارة هنا أنّ من رجالاتها القدماء من يتواشج اسمه مع هذه الغرابة “سِيدي غريب”.

ومن بين القبائل اللّيبيّة القديمة قبيلة “أمانت” كان قد أشار إليها “بليني الأكبر”.

وفي الميراث الورقي وثائق دولة أولاد امحمّد الفاسي ثمّة مُسمّى لمنطقة ساحليّة بـــ: “رشادة الماء”، فكأنّه ترجمة محليّة لــ: صورمان!!

فلعلّها كانت الصُّوى، (الصُّوة) في اللّيبيّة القديمة، العلامة (المنارة) التي تهتدي بها السّفن الفنيقيّة إلى السّاحل، حيث مدينتهم الجديدة (صُرمان) استطاعت أن تكون بوّابتهم الشّماليّة إلى أدغال أفريقيا.

وهنا يتجلّى الوضوح، فالصّخرة، الجزيرة “الدّزيرة” الرّابضة في شطّ عقبة، إنّما هي دلالة لهذا الاسم ورمزه المائيِّ/ الصّخريِّ.

تؤكد الحقيقة التّاريخيّة أنّ العرب الكنعانيّين عند خروجهم من موطنهم الأوّل، أطلقوا بعض أسماء قراهم ومدنهم على القرى والمدن الجديدة التي أسّسوها بعد هجرتهم، وكانت (صورمان) من بين هذه الأسماء والشّفرة التي تكشف عن الزّمن الكنعاني الجميل.

وأمام إقامة الوضوح وما أفصح عنه استنطاق هذا الرّمز الصّخري، وما أكّدته الاكتشافات الأثريّة في شمالها وجنوبها التي انجلتْ عن مواقع فنيقيّة هامّة، يمكن قراءة الاسم بمعنى (المدينة الجديدة)، المدينة الشّبيهة والتّوأم للمدينة الرّحم ذات الأصل والمنشأ الكنعاني (تل صُرمان) السّوريّة.

يتجلّى الاسم المكاني هنا مبرهنًا عن رغبة غابرة وغامضة تُفصح عن نقل العرب والكنعانيّين لأسماء المدن والقرى في ترحالهم الأسطوري الكبير حول اليابسة وإطلاقها على مواطنهم الجديدة، وكأنّهم بذلك ينقلون معهم المكان.

ومنذ تأسيس الكنعانيّين لها في القرن السّابع قبل الميلاد إلاّ أنّ اسمها ظلّ محافظًا على كنعانيّته مثل تميمةٍ تُقاوم البَلى، حاملاً هُويّتها المائيّة، كأنّه قَشْعَةُ برقٍ تستحلب السُّحبَ، لم يتبدّل على الرّغم من استيطان أقوامٍ أخرى لها كالبيزنطيّين.

ومن جميل اشتغالاتِ الذّاكرة الجمعيّة على هذا الاسم التجأ المعنى إلى رهافةٍ في كلمة “سِر في أمان”، فعل أمرٍ رافلٍ في الطّمأنينة، يُحيلنا هذا المُسمّى إلى “سُرَّ من رأى” (سامرّاء)، وإلى نشدان الأمن في زمن كثرتْ فيه الفتن والاضطرابات بين السّكان، حيث يعلن الاسم عن صفاءِ معناه.

هل صرمان مجرد نقطة عبور بين صبراتة غربًا وطرابلس شرقًا؟!

ألاَ يحتلُّ هذا المكان (المعبر) موقعًا في ذهن التّاريخ؟!

شعريًا هي الصّخرةُ التي تنزُّ ماءً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى