الأحد , مارس 7 2021

التشكيلي السوري نجيب جانبية ومحنة التفكير في زمن الكوليرا

 
السؤال الذي يمكنّنا الدخول في الموضوع وما نستطيع تمكين الحضور خلاله، هو: بماذا يفكر الفنان نجيب جانبيه؟ بل لماذا محنة التفكير تراوده، وما يجب عليه أن يفكر في زمن الكوليرا؟ إذن، التفكير بصورة عامة معرفيا هو سمة الفنان الإنسانية المحض، كما جاد بها على رصد كائنه وخارجه، بيد أننا سنقف لاطلاق التفكير وإن كنا سنترامى الاطراف بصيغة سردية حائرين أمام هذا الواقع الانسني، وهذا السن المرهون بسخاء العلاقة الطبيعية بينه وبين الزمن، بمداخلات ظرفية، لقراءة ما يملأ بين محاولة الجانب النظري، ومحاولة إستعادة التفكير، ورصده للمشهد التأويلي لتجربته الفنية، وما يلقاه من محن فكرية للمفهوم.
 
 يبدو أن إعادة القراءة المعرفية والهيكلة المشار إليها، من حيث الدلالة والغزارة في الشأن الفلسفي، تشهد تثبوتا في زمن الكوليرا. و دون شك، التي أدت إلى نوع من التأطير الزمني وفق ما يقتضيه التغيير ولتأويل، وما تمحورت حول زمنية التأويل ام التغيير في اكتشاف زمن اللاوعي للتاويل للمحنة في زمن الكوليرا. غير أن لفظة “الزمن” قد ارتبطت عموما بسياق ممهد بين الزمنين للتغيير باتجاه المستقبل كحتمية طبيعية للمحنة الناتجة. واخرى، عن خلق المعاني عبر التأويل، على ناصية زمن التغيير للمكان للخير والحق. 
 
في ظل ذلك القدرة على خلق الزمان والاتساق السببي لها، كيف ما نتفهمه حول مسألة اكتشاف اللاشعور الاخلاقي والشعور اللاخلاقي؟ بأي نوع من “دهشة الخرق للتفسير”، بما يتعلق الأمر بمصيره في البرهان والتأويل؟ حيث للتفكير عقلان حديان في تشكيل ثقافة المحنة، لا يمكن أن يلتقيا بالانتصار الا نظريا، مثلما التأويل والتفسير للتاريخ لوجهان الانفتاح على المتأول بـ(نعم) و(لا)، وما لهما من عذوبات في النفي والاثبات الكلامي على الفلسفي، و ليس بإمكانهما العيش معا في نفس الحين الا لصالح الوهم في حل المشاكل، على محنة الفنان-الإنسان. كما هي عدوى الاوبئة للبرأ والشفاء، و من ثمة هيمنتها ووضعيتها، وبقدر ما يساعدنا التفكير للفنان لحظات تنويرية، وتأويل، كرؤية، ومنهج على حل معضلاتنا، بقدر ما يعيدنا إلى تخلف كبير، في فصل الذات عن الموضوع، فنغدو معلقين بالعمل الفني بين الوجود الدلالي المتصل لا بالمنفصل، وما بينهما تكمن المحنة البرهانية، والتنويرية التأويلية لذريعتها، هو تدمير كل ما هو اخلاقي وجميل للانسان-الفنان، وما جنح تحتها في قدرة الذات وانخراطها بالميل والاعتراف في التيه والفراغ، هو تيه بالوجدان، والمعرفة، والوجود بلوازه المجازية والتشبيهية.
 
مما علينا الاكتفاء بالموجودات دون تجني على المحنة في الزمن التاويلي للكوليرا وطبيعتها، وهل هي منتمية للمحنة ام لعالم ما بعد المحنة؟ فهي حقيقة مواجهة  أوسع للفنان من تأويلية في الخيال، والتمثيل في البحث عن المعاني، والدلالات للتغير. اما  ما يتعارض بينهما  الفنان ما بين الشفافية والبرهان، وكيف يجمع بين العقل واللا عقل، وكيف عرّفها إلى لغة فنية، و كشف ما طويت عليها من اللبس والتراوح بين الظاهر والباطن في الحلم والاستعارة والتمثيل، فهذه محنة يستمكنها التأويل في ذاته المُفسرة. 
 
ولاجل نفهم من ذلك أن الفنان قد اتجه بعمق الحلم بذاته، إلى نوع من الاستعارات الجذرية للمعنى، والذي لم يتوقف على تاريخية الحلم بذاته كله، بل بعد ذلك بالاستجابة عليها، كتمثيل صامت بالاشارات او تمثيل مقارن بتحرك تلك الاشارات بألوان دلالية. حتى ابرزت حدود المفكر به، كمصّهر للواقع. ان جاز التعبير، فإن الاستعارة الناشئة للمحنة هي تحصيل حاصل. غير أنه ومن دون ادنى شك، كذلك، أن يكوّن كفيف الحلم بذاته –داخل زمن الكوليرا- التي قد أصبحت “محنة مُطبِقة”، نتيجة تعرضه لنقدها شيئا جائزا، بل عابرا للمكن المحتمل. ولكن من جهة أخرى فاللاوعي بالنسبة للفنان يمتلك بنية فنية عميقة بابداعها، فلا يجب أن ننسى ايضا، مع ذلك يبقى الفنان بموقع المفسر في التشكيل، وليس مصورا فوتوغرافيا. وايضا بموقف المؤول الفني، وليس نحويا في منح الاشارات المجردة، ومشكلته الفعلية ليست استعصاءات لونية، بل إشكاليته هو تفسير الرموز لتلك المحنة ووباء أنتشارها.
 
وكما نرى أن محنة الفنان نجيب جانبية كانت ولازالت نتيجة احراق القييم الإنسانية في داخل إنسنية لإنسان. و نتيجة لذلك الوباء من هشيم الصراعات بين القيمة الاخلاقية والمغذية لاجتثاثها أساساً، هبَّ بها هشيم الانتقام و لهيب عنف وتشرد، عابرة المحنة، والتي طويت على ما تعكس من صراعاً ذاتياً – جمعيا بالتشكيل، هادفة استحواذها موضوعا نقديا متناولا فيه القيم العقلية اللاغريزية بوجهيها الديني والسلطوي في الفراغ.
وأظهرت أعمال الفنان التشكيلية، وكما بينّا بدراسات منشورة على مواقع الكترونية ثقافية متعددة، باحثين في افاقها تحت مسمى كمحنة للفنان موسوما بـ”نجيب جانبية: مبدع في زمن الكوليرا”، أن مسألة هشيم محنة الوباء ينبغي “أن تبحث في ضوء صلاتها بكثير من المسائل الفنية التشكيلية لاعماله، التي ارتبطت به كصفات المحنة ورؤية المحنة في زمن الكوليرا، ولا ينبغي إغفال تلاقح هذه المساسات الفكرية والفنية وما صاحبها مع إشكاليات في الثقافة الابداعية، سواء في  الميل الابداعي الخلاق أو في أهم ارتكازاته التفسيرية العميقة في زمن الكوليرا بالالوان. 
وما قد نستنتج  أن حافزية أمثولة الذات لاجله وبعثرة الآخر اللامتفق، قد أثرت في النظرة التأملية إلى الآخر المخالف بتأملاته ايضا، مما عكس التشكيل نمطا تفسيريا وصراعا منطويا على الكثير من الأحيان في عمق اللوحة إلى انزياحات للمجسمات عن مركزها وابعاد اللوحة بمجسمها التكامل عن مقاصد وبعدية رسوخ إستفهام ذاته اللاوعيه بالتوجه العام نحو توزيعه لزوايا اللوحة وفضاءها كخلفية إشكالية، والتي تبتغي تحفير الدلالالة المساورة عنها تفسيراتها وتأويلها المحدث بين المستبق وإلغاء التفاضل بينهم على أساس الماضوية المسلحقة والاغراق بها خارج المعنى، ومما وأضحت المسوغات التشكيلية بتكرس الفراغ إلى فوارق زمنية الدلالة واجماع المؤولات، لكن مع هذا فإن المغابر الزمنية وإيمائية حركة الفرشاة الذي اعتبرت فقها ترميزيا للتغيير في اشارات اتجاهات الزمان والمكان لها مقوماً رئيساً يحدد الانتماء للوحة جامعة للمحنة، بحيث تظل ملتبسة بالتغير، بما اجهضت عليه حسب الظروف الزمني والسياق للمحنة والاجتهاد والارتجال المشخص بذاته  واجماعه الماضوي لاجله.
وهناك أشارات واضحة في اعمال الفنان إلى أن المحنة كانت بؤرة للتعدد الفكري واللوني، حتى مُثِلتْ بمثابة المرجل الذي يغلي بالبحث والمثاقفات الذاهبة بالتفسير والمعنى التأملي التي جمعت بزوايا والعزلة والاغتراب والتخريجات والتشابهات والتظاهرية والوزاعية التأويلية، و إقراره بوفرة مرجعياتها الصورية والتفسيرية والوضوحبة والسنة ضياعها ومراسها النحيب.
وعلى الرغم من ذلك يؤكد الفنان، أن مسألة خلق المحنة في العمل الفني كانت مسألة محورية تميز هوية نظرة الفنان الحقيقة عن هوية نظرة الفنان الواهمة، ويستدل على ذلك بتفنيد المبالغات السائرة على الواهم المستلب، بوصفه للمحنة أحد كبار المماحكة بالدفاع عن الاقوال بخلق الحقائق اللاراهنية لها، بل الحقيقة أفجع من التأويل المنمق على أشارات وتشكيل عابر.
وبدخول السطوة العقلانية على الخط تحولت مسألة خلق االاشارات والتشكيلات العابرة للتفسير، تحول الابداع إلى محنة لمتلقيين عامة وللفنان خاصة، وبحسب اعمال الفنان نجيب جانبيه، ضرب أمثلة عديدة لهذا التداخل، منها أن “الخيول” كانها إثارة “حُسن كبرٍ من نفسه لحركة واصالة المعنى،إلا مهابة أصلها في نفسه” يممرها بتشكيل سجالات بأصل خلق المحنة، ويمرر بقراءتها وتفسيرها على منابر ذهنية المتلقي وواقعية شرحها، ويحمل المشاهدة عليها، ولما يتولاه الأغلب في إمارة تحسسه وتاغمه المعرفي عنه، كما هو اضا بالنسبة “للحارة القديمة” التي تكون أشبه بمنادي من أعلى منابر الذاكرة، بأن المحنة مخلوقة في استعادته للجمالية المفقودة لواقع حالها. وكما بدأت محنة بعض الأعمال، حين الفنان يفر عنها او يعيش برموزها مع الذاكرة بعدد من الالوان والناس إلى أماكن الذاكرة ببعدها الانساني الظليل على وحدات مجسمات التشكيل والفرغات عن خلفياتها، وصولاً إلى المحنة الرقابية والواخزة في توريق دوامة الأغلبية في التنوع والاختلاف وما يمثلها من تماثلات، وقد تهكم هنا أقل حضورا هناك من سنون مضت وإن كان آخرها ليست أعلان عقم خلق المحنة، بل فتح مصراعيها. هذا يعنى بعمق الوباء وتنوع ما قد يراه الفنان عن ما يراه الاخر ويذهب إليه، أو محاولته في ان ينتحل القول بتشكيل “عابر” بخلق المحنة وكان ذلك ممعنا ينقمه على العامة في زمن الكوليرا.
وبين الفنان في أعماله الفنية في فقر التفسير وإجهاض المعنى من نصابه الوليد المحدث للتفسير من دراسات وعينات من مفاهيم الغلو والاعتدال والتسامح،  ليست من مكتسبات الحارة القديمة وهويتها المتأصلة في ثناءها بالمحبة والحديث كما يتبادر إلى الأذهان، ففي الحارة القديمة والوان أزقتها الضيقة وانوارها البهيجة، ينفث الفنان إلى قِدم الذاكرة كما كان وكانوا يدركون أصالتها بأن الاختلاف والصراع في المسائل الحياتية “الشر والخير” في فصل المحنة واوبئة مأثرها الفكرية لا يخرج عن حد الاعتدال عندما يظل الفنان في إطار الجدال والتصنيف لزوايا اللوحة والوانها وتدرج حسها، لكنه يخرج إلى حد نقد كل ما هو مثير للمحنة، بإخطاب العنف والغلو لزمن الكوليرا هذا، حينما يتحول إلى القتال وسفك الدماء والضرب طقس من طقوس الحارة بتفسير من يريد ا يضيف عليها التغيير او التجديد في رصف مكامن خزائن الوانها الثمينة المتنوعة بطبيعة اصل جماح “الخيول” وتناغم خطواتها للمعنى المتنور في جوهر تأويل المعنى خلال إشارات رماد زمن الكوليرا.
وعند تفحص الفنان نجيب جانبيه مستويي التعامل الفني التشكيلي في محنة خلق زمن الكوليرا بوجهيها العنيف والمتسامح الغثيث، فبيّن أن مستوى وباء العنف لم يختص به لون او تشكيل او فراغ دون آخر، فأحياناً يكون الاستلاب ممارساً لعمق العمل الابداعي الفني ايضا، وأحياناً أخرى يضحي هو المتعرض للمحنة بتفسيراتها الجاهزة والمركبة، وطوراً يكون المعنى هو المضطهد في التفسير، وطوراً آخر يكون هو الفنان المضطهد بين المعنى والتفسير والشرح . وبين أن ثمة تجليات الاحداث للمحنة تفرقع التأويل إلى الغلو والعميق وتعتبر محدودة التأمل في العمل قد يكون ذلك محدودية اعتماده ومربطه ببعض المساحات في العمل الفني التي شهدت تدخلاً تفسيريا وملمحا واضحا في هذه المسافات، وأن المحنة تشترك في نقدها العام مما تميز تأملها ظاهريا بنوع من الهدوء والاعتدال، عكس التبصر وفك الشفرات المانحة لعمق التفسير للمعنى الجوهري للحقيقة. 
 فهل هناك مناشدة تثير الغبطة واللامتوقع واللامحتب له والمستعجل والمثير المفاجأة والانفلات الذي لا تحكمة فكرة منطقية وعقل للمناشد. فما المناشدة إذن المتوخاة في نظر الفنان، هي فقط للتعبير عن قلة تبصرنا، بممحكات وملابسات المحنة الزمن بالضرورة؟ ام أن هناك كوامن للمحنة في الاشياء ذاتها ؟ ام إنها متلبسة بأحكامنا ضمنيا بديلا عنها في اللاوعي؟ في التشكيل للاشياء وللمتلقي في الفهم إزاءها؟ وما هي الاطر في توصيف وعيها الجمعي المحدد عنها؟ وكيف الفنان ينظر إليها فلسفيا، وكيف التجريب يرى المحنة كواقع حال، مستلبة التأويل والمعنى؟ وما العلاقة للدلالة التشكيلية والاسلوبية بهما؟ 
  عادة ما تقترن المناشدة عند الملتقي مع اسلوب الفنان وفلسفته بقدر وبفوضى عن مفهوم المحنة، إنها تصبح تعبير عن اللاتوازن لمنظومة اشارات ع الاشاياء او التشكيل لا يعرف  معظم (الملتقي) في المعلول والعلة وأسباب الاختلاله، و هي قوى معقدة مضافة، تحول بين ما للفنان من تطلعات وبين ما يرغب بتفعل مكامنها، إنها اشبه بتسطيح مجهوداته أو تحطيمها، كما لو أن المحنة بكينونتها تسخر من مكامن أهدافها! أن المناشدة لسيت المشافعة بموضوعها كي نتأملها تجادفيا، وخارج سياقها أخلاقيتها الفلسفية. وبأعمال الفنان (نجيب جانبيه) نلاحظ بأنها قد تظافرت عدة جهود فكرية لمجسماتها من أجل دراستها تشكيلياً، بتبلورها بحسب الاحتمالات الواقعة في التوزيع التشكيلي بلوحاته الفنية، وعلى الرغم من أن أغلب تفحصنا وتنقيبنا عن تلك التفسيرا او الشروحات الا انها جاءت بحملها، وكانت خاضعة للمناشدة والمناداة في عمق المحنة لتشكل نقدا تأمليا وواقعيا عن زمن الكوليرا، فقد سبقها اشارات مصحوبة بحشد من الاستعارات، والاستعدادت اللونية بتوزيع الفرشاة على مكامن صنع الفراغات المُفسرة، وما توقعها من فتح الاشارات، وعلى الرغم مما للمحنة من وهج واضطراب يتحكم في الطبيعة السوية للانفعال من قواعد، فلا زال نلاحظ العمق في داخله الفنان-الإنسان الذي يعجز عن التنبؤ بنتائج ما يفهمه المتلقي للمشاركة بالقراءة بتنوع الرؤى والتوقعات عن وباء المحنة لزمن الكوليرا، على نحو دقيق، بعدة ظواهر طبيعيتها الواقعية المضنية والمتعسفة. 
ولهذا وبتمييز ما لاحظناه من وقفات كبرى، مما أوقوفنا الانجاز (للا وعي)، بميزة ما يترك أثره على الفنان، وهو يحاول ان يزعزع يقين مشاغل الإنسان بمشاغبة برتقي شأنها وتنزل به في زوبعة بقراءته سياق مكون وجود المحنة واضظراب مسارب وباءها في زمن الكوليرا، وهكذا فقد حرصنا و أقصينا “انشغال اللون” في اعمال الفنان من مركز اللوحة، وأنزله “التشكيل التراتبي” في الاشارات إلى مرتبة السكونية المتحركة بالادراك لها، بل والتنبه لمحيطها الظرفي اللوني، واستكشاف (اللاوعي) نفسه ودورة في لعبة الابداع بمنتجه الناهض من اللاشعور.. فنلاحظ ما هو مخفي ومدمر لتلك التاويلات والتفسيرات لزمن الكوليرا، وناسفا ومسفها بذلك أسطورة قدرة التفسير والشرح في مليكة الفكر العقلاني الخالص لديه، بمفرده، هذا من جانب. ومن جانب أخر، فإن البقاؤ متأملا بقراءة “المحنة نفسها” قد أضيفت لها بيئة تعبيرية تشبعت ونمت على نحو غير مسبوق ، وما هيأت له مجموعة اشارات وبائية مستفيضة بتنوع اختلافاتها وتضاريسها الفكرية، غير آهلة للتوقع بطبيعة تلك المناشدة، من تراتبية مهولة للدلالة ومباحة بسردها المحض، وضمن مجسمات هائلة التكوين والاشكال من الترقبات الخالصة للمناشدة، كما هو في لقاءات الموضوعات بتشكيلات متعددة الرموز بين جُزيئات “الحارة القديمة وازقتها ومشربياتها وشبابيك والوان الجدران” مما نلاحظ اللوحة منها تضفر تفاعلات داخل المجسم الواحد لوزايا الحارة القديمة الطبيعية، وهكذا تسري على بعض اللوحات الفنية المضيئة على تجربة الحارة باعماله، مثلاً… ثم التلاقح واللقاء اللوني بين الجسم وبين المنظور البصري المُغذي له، وحالة حدوث هذا التلاقح البصري للمجسم التشكيلي واللقاء بين طبيعة اللون الممزوج بثقافة روحية الحارة القديمة التي تعيش على المحنة عن كلأ وجودها يتقاسمها مع إنسيابية الفرشاة بلقطها اللون التعبير الاقرب إلى أنتشالها من محنتها ليضعها بحوزات ما يتمناه ان يراها في ذاكرته او الماقبل – المحنة، كما هو ايضا ظاهرة ظاهرة، مثلما جرى اللقاء بين البيوت وبين خلاياها الجنسية للاشكال والالوان وطبيعتها المتجانسة الضرورية، فكان تخليد المكان وتنضيدا مباشر لتأبيد الذاكرة داخل الكائن الحيّ للحارة القديمة وتوليد أحيائيا لانسنية مشارفها، وتلك تخليدا لمجموعة من نتائج سلسلة سلالة من التشكيلات المتحركة والساكنة بصمتها والمتفاعلة بأجناسها، وكان ذلك مخاض لانشطة وفاعلية اللاوعي  الملازم في كينوة الفنان بأنتماءه وما لكائن الحارة القديمة من  أحياء بأحياءها الذي أتاح لها الفنان بأنسانيته ان يوظف لنا اللقاء وسعة رمزية الصراع ما بين المحنة وماضوية اندفاعها وصراع العقل والذاكرة على فصل الوباء بتقريب او تشخيص الملامح من خلال لوحاته  في “الخيول”، والتي التقى مع النصف الاخر من اصل الاستلاب المنتوف والمبعثر، وما لنصفه الموجود من “مناشدة”، هذا لربما تبسيطاً سريعا وعاما، فعلى مستوى المقطعي لجوانب اعمال الفنان هناك مسارد واسعة للتنقيب والتحليل، و التي يتوجب متابعتها ضمن تسلسل “أنزيمات تصنيفية معرفية” إن صح التعبير، وفتح الأغشية التأويلية لها، وابراز خصائص وسمات كل مقطع من العمل  للفنان ضمن بنيات لتنظم أ دق و أقصى  لتوجهات الفلسفية، ومعرفة خصائص ولقاءات تلك الاشارات التشكيلية المهمة، وكيفي تعمل على توظيف الاسلوب وتدبير المعالجات اللونية لها، وعلى كيفية إتاحة الفراغات بإحداث وأسباب تفاعل “المقاطع للعمل الفني المتكامل ضمن جزيئات اللوحة او العمل الفني بتكاملة الابداعي الرشيق مع شريك آخر محتمل به مع المتلقي. وكما إننا يمكننا التواجد مع الفنان مع اعماله التشكيلية الابداعية، ونفكر ليس ظاهريا من أجل الانفلات من تلك التي نعتبرها إشكاليات وعرة، وعوائق تحد من إرادة إنسانيته المبدعة، بل سعيا للتقدم الإيجابي الانساني في تصنيف وتحليل وكتابة تشكيلية نقدية هادفة لمنجزة الابداعي المتفاني، وفي نفس الوقت. كما هو واضح فيما أخذنا الفنان معه في هذا التفكير  بنقد الإرادات السلبية الساعية إلى الهيمنة واستعباد الآخرين في ظل المحنة في زمن الكوليرا هذه، وعليه فمن الواجب الأخذ بعين الاعتبار أن الفنان هو يجهش بإنسانيته ويتجه من الطبيعة الكامنة لوجوده، والحال هو أن هذا الاتجاه يجعلنا نقف أمام جوهر الفنان السوري المبدع (نجيب جانبيه) بكامل توجهه الإنساني المؤمن بالبقاء للمحبة والعدالة والحق رافضا المحن على المخلوقات ومعلنيها الجمالية الخالصة، وهذه المقالة المتواضعة هي باختصار تلخص محنة العلاقة بين الإنسان الفنان نجيب وعالمه الفني الانساني في ظل زمن الكوليرا، لكن بالتأكيد ماهو قائم لموقع الفنان بالتفكير من كل هذ، هو جديده القادم بابداع وثراء اكثر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: