الثلاثاء , أكتوبر 20 2020

مترو تونس الرهيب بقلم عبيد العياشي تونس

 

أنا أعشق المترو منذ أن كنت مراهقا.. فقد ارتبط حبي له بالزيارات الثنائية التي كنا نؤديها كل نهاية أسبوع عندما كنا طلابا إلى متحف باردو: ذكريات طالبية لا تمحي من الذاكرة. وعندما زرت بلدانا أروبية مثل فرنسا وسويسرا والسويد وغيرهما توطد تعلقي بهذه الوسيلة الرومنسية الساحرة.
في حنين إلى ذكريات الماضي تلك قررت يوم الثلاثاء 2 ـ فيفري النزول إلى حي الخضراء عبر الميترو انطلاقا من منوبة ـ خط 4 ثم ساحة الجمهورية ـ خط 2 وذلك لتسديد حصة التأمين على سيارتي لدى مكتب ستار للتأمين الكائن في محطة حي الخضراء. انطلقت باكرا الساعة السابعة تلافيا للزحام فإذا بي في قلب الذروة، أكاد أختنق برائحة الشحم البشري والأنفاس الممزوجة بروائح الراقوتة والكفتاجي والبيض المقلي واللبلابي وكل ما تشتهي من أكلات تونسية منكّهة بما لذ وطاب من بهارات حتى كاد يغمى علي. ورغم ذلك لم يتخل أي شاب عن مقعده لي وبقيت أترنح بين المسافرين تتقاذفني الأمواج البشرية فضلا عما أسمعه من خصام وهرج بين المتدافعين حتى أنني سمعت سيدة تصرخ: لا تلامسني.. لا تجاسدني، ألا تستحي أنا في مقام أمك.
في الباساج كان علي ألا أستقل القاطرة رقم 2 لشدة التدافع حتى أن الأبواب لم تغلق إلا بعد جهد ووقت طويلين.. لذلك فضلت انتظار المركبة الثانية. وبعد طول انتظار و صلت قاطرتان في نفس الوقت وتمكنت من الصعود بعد أن جمعت ما بقي لدي من قوة وحيلة للإنزلاق كباقي إخواني التونسيين داخل العربة. وتحرك أخيرا المترو إلا أنه في الأثناء قامت حولي مشادة لفظية بين أكثر من شخصين سرعان ما تحولت إلى مشادة عنيفة وتشابك بالأيدي حصلت على نصيبي منها وأنا صاغر لان ذلك من طبيعة الأشياء في مثل هكذا ظروف ومن الحكمة أن أتقبل نصيبي بروح رياضية إذا أردت أن أتلافى الأسوأ. أنا إنسان ذكي ليس من السهولة الإيقاع بي!
بعد ثلاث محطات نزلت وصعدت إلى مكتب التأميم حيث رحبت بي السكرتيرة وشرعت في إجراء ما جئت من أجله.. وما إن حشرت يدي في جيبي حتى فجعت بأن المبلغ الذي كان تحتي قد سرق مني بالكامل. 490 دينارا تبخرت من جيوبي لا أعلم أين أو كيف ولم يبق لي منها سوى بضع قطع معدنية هي باقي عشرة دنانير اقتطعت منها تذاكري. ولأول مرة منذ عودتي إلى أرض الوطن أحسست بالمهانة بدرجة لا تطاق وأن كل التونسيين قد أهينوا حتما أو هم معرضون للمهانة بنفس القدر مثلي. لم يعنني المبلغ على أهميته ولكن حز في نفسي أنني لم أكن ذكيا بما يكفي وأنه على العكس من اعتقادي ليس من الصعوبة في شيء الإيقاع بي والضحك على ذقني ـ لقد أخذوا مني كل ما أرادوا بينما أنا أشاهد مسرحية أعدت بإتقان عن مشاجرة جماعية كان لي فيها الدور الرئيسي لبطل مهزوم منذ البداية.. لقد ألمني فقداني لجوالي الثمين المتطور وشعرت بعد أن فقدت أرقامي وما فيه من بيانات كأنني طائر بلا ريش!
وعندما وصلت إلى البيت استقبلتني زوجتي بشبه ابتسامة وبنبرة عراقية ساخرة لا تخلو في الظاهر من مساندة ورفع للمعنويات وفي الباطن من مرارة لا تحتمل: ” الحرامية.. زين عافولك البنطلون!! “.

الآن أنا حزين.. لأن صورة الميترو الجميلة الشاعرية قد تحطمت في نظري ولم يعد المترو بالنسبة لي رمزا للذكريات وأحلام العاشقين والرومنسية بل هو اليوم ليس أكثر من عربات موحشة تحمل العاطلين عن العمل واللصوص وعصابات التسليب والنشل والإجرام المنظمة أما الباقون من الركاب فليسوا في واقع الأمر سوى تونسيين بسطاء مثلي هم الفريسة اليومية وضحايا كل يوم لنظام حياتي قاس فرض نفسه على الجميع، في ظل حكم النهضة والغياب الكامل للدولة وأمننا الوطني في أبسط أشكاله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: