الجمعة , أكتوبر 30 2020

القصِيدةُ الوحِيدةُ النّاجِيةُ بقلم بله محمد الفاضل السودان

 


لم أنتَ حزِينٌ هكذا ظِلِّي؟
أبتهِج يا رفِيقِي، ها نحنُ معاً حتى في القبرِ


الشَّعبُ يُقاتِلُ بعضَهُ في الشَّارِعِ بينما ينتظِرُ الطَّاغِيةُ بقِصرِهِ نتِيجةَ المعركةِ


مشغُولُونَ حقًّا بِالطّحنِ
أفواهُهُمْ مغاراتٌ، وبُطُونُهُمْ هواءٌ
مشغُولُونَ ولن ينتبِهُوا البتّةَ لِلموتِ الآتِي من تحتِهِمْ


تأتِي الكِتابةُ عاصِفةً تكادُ تقتلِعُ رأسَ الميّتِ وتُعِيدَهُ لِدورةٍ جدِيدةٍ من المهالِكِ المُطّرِدةِ


أوشكتُ على إِغلاقِ الدّائِرةِ
لكِنّمَا الموتُ يا ولدِي وقفَ حائِلاً بين البدءِ والاِنتِهاءِ


أُرِيدُ أخذَ نُقطةٍ أخِرَ ما سطرتِهِ لِزِيارةِ رِفاقِيَّ الموتَى
فواصِلِي النّحِيبَ حتى أُرجِعُهَا


لا تدلِفَ إلى البيتِ يا ولدِي
إلا بعدَ أن تُضلِّلَ الأحزانُ في أزِقّةٍ ما.


سلِّطْ يا ولدِي كشّافَ الأملِ على بابِ أيّامِكَ التّالِيةِ، وأمسكْ بِأصابِعِ الحدسِ ما اِدّخرتَ من سالِفِ الزّمنِ


لا أصنعُ لحَزنَيّ الرِّيفيِّ نوافِذَ
يُمكِنهُ حقاً أن يهرعَ لريشتِهِ
ويرسُمَ مجراهُ كيف يشاءُ


زهرتانِ في خرائطِ أثِريِّ
اِمرأتِي واِبتِسامِي


هذا
والأملُ جوهرةُ الرُّوحِ الوثّابةَ


سأزُورُ قبرَكَ أيُّهَا الأملُ عمّا قريبَ وأضعُ فوقَهُ أوركيدةً ضاحِكةً


أزوِّرُ الوقتَ، شفرةَ اللُّغةِ، فضائحَ المرايا
ولكن
ما حيلتيّ إزاءَ سَفرِ الجسدِ؟


هذا التّوتُّرً لا ينفكَّ
يكِيلُ لكَ
من نبيذِهِ، وتشربُ


أن تُركِّبَ أوتاراً لِلحبِيبةِ
لِتزِنَ كُلَّ أوانٍ بينكُمَا
يومُ اللِّقاءِ، أولُ قُبلةٍ، الثّمرُ الرّبانيُّ، نهرُ العِناقِ الدّفاقِ….
تُرتِّبُ اللّحظةَ بالاِبتِسامِ والغِناءِ الدُّوارُ
بعطاءاتِ القنادِيلِ ونحيبِ الشّمعِ….
ثم تنطفِئُ كأوراقِ القصائدِ النّاجيةُ من مشانِقِ الشّارِعِ
……..
ما فعلتَ إزاءُ بعضِها بكُلِّكَ حينها من شيءٍ
فكُنْ لكُلِّها بكُلِّ آنٍ:
الأوتارُ، أولُ اللِّقاءِ، القُبلاتُ، العِناقُ، الاِبتِسامُ والأغنياتُ القناديلُ والقصيدةُ الوحيدةُ النّاجيةُ مِنكَ


الكمنجةُ وحشٌ
لا يهبُ اِنفلاتَهُ
إلا لِساحِرٍ
إلى الموسيقار الراحل محمدية


وعدتُ عُصفُورةَ الغيمِ
أن أُلوِّنَ أمانيها بالأريجِ
لما عمدتْ إلى سدِّ نوافِذِ المدى
في خافِقي
وجلجلتْ في جسدي الغواية..!!


لعينيها يتلصَّصُ الضوءُ
والأمنياتُ كسِربِ طيرٍ
في فضاءِ اللهِ
تقاطرتْ صوبَ عقيرتِها
فأغرقتِ المرايا بالألوان


ولقد أدارتِ الغوايةُ على الجِهاتِ
فاِستدانَ الوقتُ حُلتَها
والشّارِعُ
والقلوبُ الظامئةُ إلى عِناقِ الخطوِ
عِناقُ الرُّوحِ الممشوقةِ
الهارِبةِ إلى الأعالي

من خبأَ عن الجِهاتِ سِحرِها بالأصفرِ المُخاتِلِ؟


أمسُ رأيتُ النّهرَ المجنُونِ
النّابِعِ من شجرِ الضوءِ
رأيتُ رفيعَ السِّحرِ
.
.
.
رأيتُ مرايا ظلت تعرِفُكِ


برفقٍ، كشأنِكَ لكُلِّ شيءٍ
وكأتَ الثُّقبَ النّازِفَ للزّمنِ
خفّ دواري وتوارى تعبي
وراءَ الدّويَّ
لأرُدَ عليك


ارْتِعاش
——–

بَعيدٌ عن الضَوْضاءِ
تَفَضْحُ الضَوْءَ رَعَشتُكْ.
وأصابِعي بين بين…
أن تُعلِقَني بمَسامِ الضَوْءِ
أو
تُرتَّبَني بخَفَقِ خَواطِرِكْ.
لا غَرْوَ أن لي وُجْهتين
صَوْتي…
حين يَنَزعُني من خَيَالاتي الطَريقُ
وأَذْرُعي…
بينما اِلْتَمُّ برَوْنَقِكْ


مراسيمٌ أخيرةٌ لضوءٍ مُتكلِّسْ
إلى حنا حزبون قيدّ (طلاسم الرمل)…
————–

أنجعُ من تدبيرٍ يحرُسُ خُيُوطَهُ اللّيلُ.
وأحدُّ من حنايا كنستْ طيبَها الرّزايا.
تتكاتفُ أصقاعُ الدُّنى بوجهٍ غدا كالفُولاذِ
عافْهُ الدّمُ..
وتسمرتْ شفتاهُ بفريّةِ النّدمْ.
من أيِّ سماءٍ يهبطُ
والويلُ أثخنَ ريقَهُ بِاليباسِ
والظُّلمةُ اِستشرتْ بِالخُطى
والرّوحِ
والبصرْ.
من أيِّ مساءٍ ينغرزُ في الصّدى:
صوتُهُ المكتُومُ
جراء العتمةْ…
والزهرَ الذي داستْهُ أقدامُ البؤسِ
وما تشبعتْ به الخلايا من صلفِ الإرثِ
وخلفْهُ في جسدِ النّوايا بهيمُ الألمْ.
من أيِّ مدىً مُعشُوشِبُ السجايا
يُمطِرُ المرءُ أوراقَهُ بِربيعٍ وارِفٍ
يغضُّ الأوجاعَ بين المرايا
يبثُّ في النّفسِ العدمْ.
الحنينُ: بايعٌ لكُبسُولاتِ الرّوحِ، ومِعبرٌ لِلتدفقِ بأورِدةِ الذّاكِرةْ.
الرّيقُ: اِستِعدالٌ لِسِحنةِ الكلامْ.
الفولاذُ: ترقِيقٌ لِلطريقِ بِبصيصٍ من الضوءِ.
اللّيلُ: وحشةٌ غضتْ أعينَ الجُدرانْ.
الرّزايا: مُحاولاتٌ لِتفتيتٍ أكملْ، واِختبارٌ لِتشُوهاتِ الكائنْ.
البصرُ: وغدٌ يتمادى في تنحيةِ الأُفقِ، وتفتقٌ نبِيلٌ لِمسافاتٍ شحِيحةْ.
الرّبيعُ: شهوةٌ مُحتملةٌ لزهوِ الزّهرِ.
الفراغُ: ورطةُ الرّوحِ في الاِنفِضاضْ.
الصّمتُ: مقِياسٌ دقِيقٌ لِلمدى.
النّهارُ: وعدٌ مُنهارٌ لِلشمسِ.
الجوعُ: سلامٌ تشتهيه الأحشاءُ.
الفريّةُ: خباءٌ تتوارى بينه الحقِيقةْ.
نابِها هذا الحنِينُ
تُفرفِرُ مذبوحةً تحت أنامِلِهِ:
أوتارُ الناي..
يفردُّ الضّوءُ خُصلاتَهُ لِلحريقِ
يتمطى بِرعونةِ الوقتِ المُنفلِّتْ
يبثُّ من جُحُورِهِ:
ما يتجولّ في أرجاءِ الكونِ
-من حدّةِ الوضُوحِ-
شروخاً في اليقينِ
وجُرُوحاً في الصّدى
وحنِيناً باكِياً لِلعابِرينْ


الحياةُ ليست نُزهةً يا كِتابيَّ الوحيدَ (طريق منسي في يدي)
فأذهبْ عني بعيداً مُنفرِداً
ورُدّ لعُنقي اسمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: