الأربعاء , أكتوبر 21 2020

موسم الهجرة إلى الشمال : موسم الهجرة إلى الشمال ” لبابة ل” العربي اليوم

موسم الهجرة الى الشمال
الطيب الصالح

ولد الطيب صالح أحمد في مركز مروى، المديرية الشمالية السودان عام 1929، و تلقى تعليمه في وادي سيدنا و في كلية العلوم في الخرطوم، مارس التدريس ثم عمل في الإذاعة البريطانية في لندن، و نال شهادة في الشؤون الدولية في انجلترا، و شغل منصب ممثل اليونسكو في الفترة 1984/1989.

صدر حوله مؤلف بعنوان ” الطيب صالح عبقري الرواية العربية” لمجموعة من الباحثيـــــــــــن في بيروت عام 1976، و كان صدور روايته الثانية ” موسم الهجرة إلى الشمال” و النجاح الذي حققته سببا مباشرا في التعريف، و جعله في متناول القارئ العربي في كل مكان.

يمتاز الفن الروائي للطيب صالح بالالتصاق بالأجواء و المشاهد المحلية و رفعها إلى مستوى العالمية من خلال لغة تلامس الواقع خالية من الرتوش و الاستعارات، منجزا في هذا مساهمة جدية في تطور بناء الرواية العربية و دفعها إلى آفاق جديدة.
تبدأ الرواية بعودة الراوي، و هو طالب سوداني كان يدرس بلندن لمدة سبع سنوات. استقبله أهالي القرية و طالعه وجه غريب عنه اسمه مصطفى سعيد. و هو رجل من الخرطوم جاء إلى القرية منذ خمس سنوات حيث اشترى أرضا و تزوج بإحدى بنات القرية.

في جلسة حضرها الراوي، ردد مصطفى سعيد شعرا بالانجليزية تحت تأثير الخمر، مما أثار فضول الراوي، و في اليوم التالي كشف مصطفى سعيد للراوي السر و أخبره بكل شيء: قصته، حياته، رحلته باتجاه الشمال، مغامراته العاطفية، و تسببه بانتحار ثلاث نساء انجليزيات و قتله لزوجته الأنجليزية أيضا: عاش مصطفى سعيد يتيما، منعزلا عن العالم، دخل المدرسة و تفوق فيها خاصة في الا”نجليزية، حتى أن ناظر المدرسة قال له: ” هذه البلاد لا تتسع لذهنك، فسافر، اذهب إلى مصر أو لبنان أو انجلترا، ليس عندنا شيء نعطيك إياه بعد الآن”[2].

سافر مصطفى سعيد إلى القاهرة، دخل مدرسة مجانية، ثم غادر القاهرة إلى لندن، حيث تفوق و أصبح محاضرا في الاقتصاد بجامعات لندن.

أقام علاقات مع بريطانيات، حيث أذهلت بحكاياته عن الشرق، وتعلقت به النساء الانجليزيات إلى درجة الانتحار ( انتحار آن، شيلا، ايزابيلا) و قتله لزوجته جين.

حوكم مصطفى سعيد بتهمة القتل وقضى سبع سنوات في السجن، عاد بعدها ليستقر في قرية الراوي بالسودان.

رحل مصطفى سعيد غرقا في فياضانات النيل و ترك رسالة للراوي يوصيه بأهله و حاله، كما ترك مفتاح غرفته الخاصة للراوي. أما الراوي فهو يشتغل بالخرطوم، يزور بين الحين و الآخر القرية للسؤال عن أهلـــــه و عن شؤون زوجة مصطفى سعيد و ولديه.

زوجة مصطفى سعيد رفضت الزواج لأنها كانت متعلقة بزوجها السابق، لكنها تنهزم أمام إصــــــــــــرار (ولد الريس) في الزواج منها، لكن هذا الأمر يستقر عن مأساة قتلها لزوجها و لنفسها.

عند عودة الراوي من الخرطوم يعلم بالمأساة و يحمل نفسه مسؤولية الحادث، خاصة أن المرأة جاءت فطلبت منه في غيابه عقد القران لينقدها، و اكتشف أنه أحب (حسنه). و يذهب الراوي إلى غرفة مصطفى سعيد الخاصة، يجدها مليئة بالكتب المتنوعة، كما وجد صورا لنساء و مذكرات.

و تنتهي الرواية بمقاومة الراوي الغرق، حيث اختار أن يكمل الحياة، يقول:

” فكرت أنني أقرر الآن أني إذا مت في تلك اللحظة فإنني أكون قد مت كما ولدت، دون إرادتي طول حياتي لن أختبر و لم أقرر، أني أقرر الآن أنني اختار الحياة”

وقد جاء أسلوب الرواية ليمثل رشاقة السرد بجمله المسترسلة في بعض الأحيان، إضافة لبعض الصور الجميلة المدهشة.. مع التوظيف النسبي لتيار الوعي والذي أدخلنا من خلاله الراوي إلى ذاكرة مصطفى في بريطانيا منقباً عن ماضيه كي يظفر بالإجابات التي تفسر ما أحاط به من أسئلة ظلت تطوف بالراوي حتى آخرها.
ويحاول الروائي إثبات أنه مهما اختلفت طبائع الأمم فإنهم يتشابهون على صعيد الإنسان.
كذلك ليثبت أيضاً بمدى ذلك الفرق بين التقليد الأعمى للغرب الذي قاد مصطفى إلى المهالك‘ وبين أخذ زبدة الفائدة من ذلك المجتمع المتقدم لخدمة السودان كما فعل الراوي.. إنه كما وصفا الطيب صالح صراع الحضارات الذي ما فتئ الشغل الشاغل للمفكرين حتى عصرنا هذا..

اقتباسات
“ثمة آفاق كثيرة لابد أن تزار، ثمة ثمار يجب أن تقطف، كتب كثيرة تقرأ، وصفحات بيضاء في سجل العمر، سأكتب فيها جملاً واضحة بخط جريء”
“إنني أريد أن آخذ حقي من الحياة عنوة، أريد أن أعطي بسخاء، أريد أن يفيض الحب من قلبي فينبع ويثمر”
ونظرت إليهم, ثلاثة شيوخ وامرأة شيخة, ضحكوا برهة على حافة القبر, وفي غدٍ يرحلون. غداً يصير الحفيد أباً والأب جد, وتستمر القافلة.
إنني أقرر الآن أنني أختار الحياة. سأحيا لأن ثمة أناس قليلين أحب أن أبقى معهم أطول وقت ممكن ولأن علي واجبات يجب أن أؤديها , لا يعنيني إن كان للحياة معنى أو لم يكن لها معنى.

#لبابة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: