السبت , أكتوبر 31 2020

“عجائب الأقدار_ والديكتاتور الأعمى”…بقلم محمد السني

(32) عجائب الأقدار – والديكتاتور الأعمى.. بقلم الكاتب والباحث: محمد السني
أوضحنا سابقًا كيف أدت مجمل سياسات السادات الاقتصادية غير المدروسة، وانحيازاته الاجتماعية للطبقات السائدة ولصوص الانفتاح ضد الفقراء والكادحين، وتحالفاته الداخلية مع الرجعية والوهابية التكفيرية، والخارجية مع السعودية الوهابية والأمريكان والصهاينة وأصدقائهم، وارتداده عن المشروع النهضوي المصري، واتجاهه للصلح المنفرد مع إسرائيل، ومقاطعة غالبية الدول العربية لنظامه بالقاهرة، وتزامن ذلك مع ديكور ديمقراطي كاذب. كيف أدت إلى إجتياح الفكر الوهابي التكفيري للأمة المصرية. كما تسببت قراراته الغوغائية في إيقاع الشعب المصري في فخ اختيار نائب رئيس غير مناسب وغير قابل للتأهيل لمنصب رئيس الجمهورية من كافة النواحي السياسية والذهنية والثقافية أو حتى النفسية .. حصل مبارك على بكالوريوس علوم الطيران من الكلية الجوية في عام 1950، في وقت كانت فيه مصر تموج بحركات سياسية وشعبية مناهضة للاحتلال البريطاني لمصر، ونشاط سياسي استثنائي، وخلافات عميقة بين البرلمان والملك والأحزاب السياسية التي كان من أهمها حزب الوفد، وكان تنظيم الإخوان المسلمين الوهابي قد أصبح طرفًا في المعادلة السياسية كما أوضحنا سابقًا بشيء من التفصيل. وتدرج مبارك في الوظائف العسكرية فور تخرجه، وعندما قامت حركة الجيش في 23 يوليو 1952، لم يذكر التاريخ أي مشاركة تُذكر لمبارك في هذه الثورة. ومع ذلك استمر في موقعه إلى بداية عام 1953، حيث نُقل إلى كلية الطيران ليعمل مدرسًا بها، فمساعدًا لأركان حرب الكلية، ثم أركان حرب الكلية، وقائد سرب في الوقت نفسه، إلى عام 1959 حيث خبر في ذلك الوقت أول حرب عملية تتعرض لها مصر في ذلك الوقت هي العدوان الثلاثي الذي قامت به كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل عام 1956. وعندما اجتاحت إسرائيل سيناء في يوم 5 يونيو 1967، كان حسني مبارك قائد قاعدة بني سويف الجوية. وبعد الهزيمة تم تعيينه مديرًا للكلية الجوية في نوفمبر عام 1967 حيث شهدت الفترة التالية حرب الاستنزاف التي ترقى مبارك خلالها عام 1969 إلى رتبة عميد. وفي بداية عام 1972 ترصد أجهزة السادات بعض الطيارين وهم يخططون للقيام بانقلاب عسكري، فيأتي السادات بابن بلدته اللواء حسني مبارك ويعينه في أبريل 1972 قائدًا للقوات الجوية، وكانت مهمة مبارك الأساسية هي حماية السادات من ضباط الطيران ومن وزير الحربية الفريق أحمد صادق، وقد قام مبارك بالمهمة على أفضل ما يكون. وكان الفريق صادق الشخصية الثانية التي احتمى بها السادات في انقلابه في 15 مايو 1971 وكان وقتها رئيسًا للأركان ثم عزله السادات في 26 أكتوبر 1972 ووضعه رهن الاعتقال المنزلي. وسرعان ما شغل مبارك منصب رئيس أركان حرب القوات الجوية ثم قائدًا للقوات الجوية في أبريل 1972، وفي العام نفسه عُين نائبًا لوزير الحربية. وعندما ساءت العلاقات المصرية السوفيتية كلف السادات مبارك الاستمرار في التعامل والتحدث والتوسط بين السادات والسوفييت، حيث كان مبارك يعرف اللغة الروسية جيدًا تحدثًا وكتابة، وكان يملك من الأصدقاء السوفييت في موسكو ما لم يكن متوافرًا للسادات نفسه. حيث فوجئ السادات بقوة علاقات وصداقات مبارك مع السوفييت، فعمل على استخدامه ضد السوفييت في تنفيذ المطالب الأمريكية الوهابية باستبعاد السوفييت من المعادلة السياسية في الصراع العربي الإسرائيلي، وذلك عندما أرسل السادات مبارك إلى موسكو ليخبرهم أن مصر لن تحارب دون الطائرات السوفيتية الحديثة والسلاح الجديد مما أوقع السوفييت تحت عجلة خداع السادات. وفي حرب أكتوبر عام 1973 قاد مبارك القوات الجوية المصرية، في الحرب مع إسرائيل، وإثر ذلك تمت ترقيتة من رتبة لواء إلى رتبة فريق عام 1974، وظهر في جلسة البرلمان وهو يتلقى الثناء من السادات، الذي اختاره في 15 إبريل عام 1975 نائبًا له.
تؤكد الوثائق البريطانية التي أُفرج عنها مؤخرًا والمتعلقة بهذا الشأن، أن مبارك أخبر بريطانيا بشكل غير مباشر في مناسبات خاصة بسرية تامة أنه على استعداد أن يكون صديقًا لبريطانيا والسلاح الجوي البريطاني بل أنه أخبرهم طبقا لما سجلته تلك الوثائق أنه على استعداد لشراء الطائرات البريطانية الصنع مع معداتها عندما يسمح له منصبه في القاهرة باتخاذ قرارات الشراء النهائية. وتشير الوثائق البريطانية، أنه بالرغم من أن بريطانيا قد حللت شخصية مبارك النائب، حيث أثبتت نتائج التحليل النفسي أنه غبيًا، فإن هذا ربما يكون مخطئًا، لأن الرجل لم يكن إلا مؤامرة تمشي على الأرض، أمضى أعوامه الست منذ أن عينه السادات نائبًا له في صباح الأربعاء الموافق 16 أبريل 1975 في تدبير المؤامرات لكل خصومه السياسيين. وفي النهاية وجد الطريق ممهدًا إلى عرش مصر، وتذكر الوثائق أن ذلك الرجل لم يكن كما قالوا عنه مجرد موظف كبير أو سكرتير للسادات، لأن الأدلة كلها تؤكد أنه وضع عينية نصب كرسي العرش منذ أن جاء نائبًا للرئيس. فقد جاء مبارك في منصب نائب الرئيس صدفة، وأن قرار تعيينه قد تسبب في حملة انتقادات سياسية داخلية كبيرة من منافسيه وعدد من ضباط الجيش الكبار غير إن السر وراء اختيار السادات لمبارك كان لسببين، السبب المعلن من قبل السادات لتهدئة الخصوم أن مبارك لن يقلق السياسيين المخضرمين بالنظام، وأن مبارك كما وعدهم السادات وطبقًا لما تهامس به في السر عشية تعيينه لمبارك كان مجرد سكرتير بدرجة نائب رئيس جمهورية. أما السبب الرئيسي والحقيقي وراء اختيار السادات لمبارك في منصب النائب دون غيره من الرجال الأكثر كفاءة كان لعلم السادات أن مبارك (ديكتاتور أعمى) يأكل المنافسين بشراهة وعنف، وأنه رجل المؤامرات الأول داخل القوات الجوية والجيش المصري، وهو ما أراده السادات حتى يأمن جانب الجيش المنتصر وحتى يكبح مبارك زمام الأمور وتطلعات الجنرالات الأقوياء في الجيش خاصة من كان لديه بينهم رغبات في السلطة، وأن السادات اختار مبارك حتى يقضي على كل هؤلاء في هدوء يمكنه من التفرغ لإتمام اتفاقيات السلام مع إسرائيل التي خطط لها منذ أول يوم أُعلنت فيه حرب أكتوبر 1973.. وتمضي الوثائق بالقول: عندما فكر السادات في تعيين نائب له فكر في شخصين اثنين، الأول هو الفريق (محمد عبد الغني الجمسي) الذي رقاه السادات بعد الحرب مباشرة إلى رتبة الفريق أول، أما الثاني محمد حسني مبارك. فقد حدثت معارك ضاربة جرت بين مبارك والفريق الجمسي خلف الكواليس السياسية بشكل مباشر أحيانًا وغير مباشر معظم الأحيان لأن مبارك كان يعلم أن الجمسي هو أخطر المنافسين على الساحة في هذا التوقيت فقد أثبتت الوثائق البريطانية أن مبارك وضع خطة مؤامرة محكمة نجح بواسطتها خلال عامين في القضاء على خصمه الشرس الفريق الجمسي، الذي كان كما سجلوا قاب قوسين أو أدنى من التعيين رسميًا في منصب نائب الرئيس بواسطة السادات (لكنهم لم يسجلوا في هذه النقطة كيفية نجاح مبارك في إقصاء الجمسي من المشهد). وكشفت أيضا الوثائق الرسمية أن السادات قد أخطر واشنطن بنيته تعيين الجمسي نائبًا له قبل أن يختار مبارك نهائيًا بأسابيع قليلة لكنهم في واشنطن لم يعطوا السادات الضوء الأخضر على الجمسي، وترددوا وتردد وراؤهم أصدقاء السادات في أوروبا، وكان من أهم الأسباب الأمريكية الأوروبية، لرفض تعيين الجمسي نائبًا للسادات أن الجمسي كان قائدًا شرسًا ورجل مبادئ يتمسك بقراراته ولا يتراجع سياسيًا أو عسكريًا لأحد، وهي ميزة وبخاصة أثناء مباحثات الكيلو 101 أثناء حرب أكتوبر 1973 كانت من وجهة نظر الدول الكبرى يمكن أن تصنع قائدًا عسكريًا تاريخيًا لكنها عيب يستحيل معه أن يجعل من الجمسي الشخص المناسب والثاني من حيث القرب من رئيس مصر. فقد كان هناك شخصين يستخدمهما الرئيس السادات في نظامه مثل المطهر للأعداء أولهم سكرتير السادات للمعلومات أشرف مروان والثاني حسني مبارك وأن الأول أطلقوا علية في أوروبا لقب (مستر ديث) أي سيد الموت أما مبارك فكان لقبه في أوروبا وأمريكا وفي تقارير مخابرات العالم يُذكر باسم (قاسي القلب) في إشارة واضحة على قسوة قلبه. وهو ما أكده التقرير البريطاني فيما بعد عندما سجل أن من بين أهم المميزات التي تجعل مبارك مناسبًا لحكم مصر أنه قاسي القلب لا يعرف الرحمة يمكنه سحق أي تمرد داخل الجيش المصري أو في الشارع المصري بعد السادات وكانت أهم مميزاته أنه مرن يمكن تشكيل قراراته لخدمة المصالح البريطانية العليا، وأن مبارك تمكن مع حلول عام 1978 من مفاصل النظام، ومن السيطرة على رجالات الحكم حول السادات بعد أن جندهم للعمل لصالحه بطرق مثيرة، فقد كان مبارك يختارهم بعناية ويسعى أولًا مثل ضابط المخابرات لكشف فسادهم ثم يسيطر عليهم، حيث لا يمكنهم الخروج من تحت سيطرته وسلطاته، وعندما فكر السادات في تأسيس الحزب الوطني الديمقراطي، الذي أعلن عن مولده في أكتوبر 1978 كبديل سياسي على أطلال الاتحاد الاشتراكي لم يجد أمامه للسيطرة على الحزب الجديد غير مبارك، لأنه فوجئ يومها بأنه يحمل في يده مفاتيح الرجال الذين شكلوا البنية البشرية والسياسية للحزب الوطني الديمقراطي، وكان السادات رئيسًا للدولة وللحزب ومبارك نائبًا له في الحزب والرئاسة. وكذلك كان مبارك غير مثقف ويمكن لأي شخص قوي السيطرة عليه.
لم يكن يتوقع مبارك أن يتم اختياره نائبًا للسادات، وأن كل أمانيه أن يعيش (إكسلانس) في لندن، وذلك حسب شهادات عديدة له. وأعقب تعيين السادات لمبارك نائبًا سنوات عصيبة اصطدم فيها السادات مع قوى المجتمع المصري بسبب سياسات اقتصادية وخارجية مثيرة للسخط كما أوضحنا سابقًا. ومن الأهمية بمكان أن نخوض قليلًا في هذه الشخصية التي استطاعت أن تحكم مصر لمدة ثلاثين عامًا وهي أطول مدة حكم في تاريخ مصر الحديث بعد محمد علي (42عامًا)، ونلقي بعض الضوء عليها. حيث تظل شخصية مبارك من أكثر الشخصيات غموضًا ليس في مصر فقط بل وفي العالم، وبالرغم من طول مدة حكمه إلا أنه حافظ على غموضه بالنسبة للكثيرين، وربما كان أفضل وصف له ما ذكرته جريدة (الواشنطن بوست) في يوم 7 أكتوبر 1981، أي عقب اغتيال السادات جملة تقول بالنص: “إنه حتى هؤلاء الذين يُقال إنهم يعرفون مبارك هم في الحقيقة لا يعرفون عنه شيئًا”. فقد اكتنفت شخصيته وعلاقاته الكثير من الغموض. وبهذا الصدد أورد الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل في كتابه (مبارك وزمانه – من المنصة إلى الميدان) بعض المعلومات عن مبارك وطباعه الشخصية فيقول: “وخلال سنوات طويلة سمعت دون قصد آراء كثيرين ممن عرفوه. بعض من عرفوا أسرته في (كفر المصيلحة)، وليس فيهم من يعرف عنه شخصيًا شيئًا محددًا، وقد سمعت كثيرًا عنه (كما أسلفت) من شقيقه (سامي مبارك)، لكنه كله مما أرد نفسي عن استعمال شيء منه، فهو خصوصية أسرة، ثم إنه يحوي بعضًا من عقدة قتل الأخ، وهو ما لا شأن لي فيه. وبعض زملائه في الكلية الحربية، وفي كلية الطيران، يجيبون إذا سُئلوا بأنه: لم يعط سره لأحد، على حد تعبير أحدهم، وهم يعرفون أنه يحب سماع الحكايات وروايتها، ويحب إطلاق النكات وتكرارها، لكنه وراء ذلك كتوم!! بعض هؤلاء أضافوا أنه رجل يثابر أكثر منه رجل يفكر، وهو مستعد بالنشاط العضلي يعوض ما يفوت عليه بالنشاط العقلي، وهو جاهز لذلك طول الوقت. وبعض هؤلاء يقولون إنه شديد الطاعة لرؤسائه، يكرس جهده دائمًا لإرضائهم مهما كانت المهام التي يطلبونها منه، وأثناء الدراسة في كلية الطيران لم يخرج في الإجازات، وإنما كان على استعداد باستمرار للبقاء في الكلية نوبتجيًا، بينما غيره ينتظر الإجازات ويتشوق لها. وبعض زملائه يروي أنه عندما تخرج والتحق بأحد المطارات كان يحاول التأثير بأن يلحق طابور الصباح كل يوم قفزًا من النافذة إلى ساحة التدريب أمام الناس، ليُظهر سرعة حركته. وبعض زملائه يقول إنه نال الحظوة لدى من عمل معهم من قادة الطيران، ثم دار من حولهم عندما وجد منفذًا إلى وزراء الدفاع، خصوصًا الفريق (محمد فوزي)، والفريق (محمد أحمد صادق)، وهو يحقق نفاذه إذا اطمأن إلى أن قادته المباشرين لا يعلمون، أو يعلمون ولا يقولون شيئًا، لأن مرؤوسهم وطد صلته بالمستويات الأعلى.. وبعض زملائه في قاعدة (بلبيس) يحكون كثيرًا عن أنه كان معهم وهم يشترون اللحم من سوق (بلبيس) لبيته ولأسرة قرينته، لأن أسعارها أوفر، مع حرصه على أن يأخذ ورقة بالسعر ليستوفي حقه (بلطافة) (على حد تعبير القائل) دون أن يطلب بنفسه (وذلك لا عيب فيه). وزميل آخر يحكي كيف كان غرامه شديدًا بالأرغفة الصغيرة المحشوة بـ (الفول المدمس) أو بـ (الطعمية)، وهو في السيارة من القاعدة إلى البيت أيام الإجازات يأكل معظمها. وبعيدًا عن زملائه القُدامى كلهم أو بعضهم، فإن من جاءوا في حياة (مبارك) بعدهم لا يعرفون ما هو أكثر، ففي ذكريات أحد معاونيه الذين خالطوه عن قرب في بعض مراحل عمره: أن انبهاره الأكبر كان بالغِنى وبالأغنياء، والثروة والأثرياء، وعندما يعرف أن أحد زملائه ينتمي إلى أسرة غنية، فإن سؤاله باستمرار كان طلب ترجمة الأوصاف إلى أرقام بسؤال: “يعنى يطلع عنده كام؟. وهو شغوف بكل ما يستطيع أن يسمع من تفاصيل عن حياة الآخرين، وتلك من خصاله، منذ كان ضابطًا صغيرًا حتى أصبح رئيسًا. ثم يضيف هذا المتحدث صيغة للتعامل مع (مبارك): (يا هنا) ذلك الذي يحتاج مبارك إليه، (ويا ويل) من يحتاج هو إلى مبارك!. وهو رجل لا ينسى مهما طال الزمن إساءة أو ما يعتبره إساءة من أحد، ولا يذكر مهما قصر الزمن فضلًا أو ما يعتبره فضلًا من أحد!! وأخيرًا هناك أحد الأدباء البارزين الذين اهتموا بحضور مؤتمراته وواظبوا عليها، وحاولوا تقييمه من وجهة نظر ثقافية: أنه ذلك الأديب حضر عشرات المؤتمرات لمبارك، ولم يشعر على طول ما سمع أن مبارك قرأ كتابًا، أو تذوق فنًا، أو استشهد ببيت شعر، أو أشار إلى قول مأثور شعرًا أو نثرًا!” .. كما يكشف هيكل في كتابه (مبارك وزمانه) عن اشتراك مبارك في عملية اغتيال الإمام المهدي قائد الثورة المهدية في السودان فيقول: وكانت المذكرة تسجيلا للنقط المهمة في محادثة تليفونية أجراها السيد أنور السادات (نائب الرئيس الجديد منذ ديسمبر 1969) مع سامي شرف (سكرتير الرئيس للمعلومات)، والمكالمة من العاصمة السودانية حيث كان، ومعه رئيس أركان حرب الطيران اللواء حسني مبارك لمساعدة الرئيس السوداني جعفر النميري على مواجهة ذلك التمرد على سلطته بقيادة الإمام الهادي المهدي (زعيم الأنصار) والذي كان متحصنًا في جزيرة (آبا)، يهدد بالخروج منها والزحف على مجرى النيل إلى الخرطوم. وكان الرئيس نميري قد طلب ضرب مواقع المهدي في جزيرة آبا بالطيران المصري، وعندما رُفض طلبه في القاهرة، لجأ الرئيس السوداني إلى السوفييت، وبالفعل فإن بعض خبرائهم قادوا ثلاث طائرات (ميج 17)، وحلَّقوا بها فوق جزيرة آبا في مظاهرة تخويف حققت الهدف دون قصف، فقد شعر المهدي بقلق أنصاره في الجزيرة، ومن أن يكون ظهور الطيران عملية استكشاف يعقبها سقوط القنابل، وهرول للخروج من آبا متجهًا إلى (كسلا) في الشرق (وفي الغالب بقصد الوصول إلى إثيوبيا). ثم حدث أن المخابرات السودانية استطاعت تحديد موقع المهدي، وهنا جرت محاولة اغتياله بسلة ملغومة وسط (هدية) من ثمار المانجو أُرسلت إليه، وفي تلك الظروف ثارت شكوك بأن حسني مبارك كان اليد الخفية التي دبرت إرسال الهدية الملغومة، وظهرت أصداء لهذه الشكوك في الصحف الموالية للمهدي في الخرطوم!، وتلقى الوفد المصري وفيه السادات ومبارك أمرًا من القاهرة بمغادرة الخرطوم، والعودة فورًا إلى القاهرة، وذلك طبقًا لمذكرة بخط يد السيد سامي شرف كما سجلها أثناء مكالمة بينه وبين نائب الرئيس أنور السادات في الخرطوم بتاريخ 1 إبريل 1970.
كما تطرق هيكل في كتابه “مبارك وزمانه.. من المنصة إلى الميدان” إلى لغز أشرف مروان الذي حير الكثيرين وسر علاقته بمبارك، فقال: “إن العلاقة بين الرئيس حسني مبارك والدكتور أشرف مروان وثيقة فيما بدا لي وكان ما لفت نظري مبكرًا إلى أن هذه العلاقة بين الاثنين أبعد من حدودها الطبيعية، هو مشهد في مكتبي في شهر مارس سنة 1974، وكان حسني مبارك قائد الطيران وأشرف مروان، مديرًا لمكتب الرئيس للمعلومات وكان أشرف مروان يزورني مثل آخرين غيره حاولوا تصفية الأجواء وإعاده العلاقات بين الرئيس السادات وبيني وكان الخلاف بيننا قد احتدم وابتعدت عن الأهرام بعد أن عارضت سياسته في مجموعة مقالات نُشرت في الأهرام ثم نشرتها فيما بعد في كتاب مستقل بعنوان (مفترق الطرق). وأضاف هيكل قائلًا: “وأثناء وجوده في مكتبى ذلك اليوم في مارس سنة 1974 قال لي أشرف مروان ضمن ما قال: إنه سوف يذهب غدًا إلى ليبيا لمقابلة القذافي وشرح لي داعيه للرحلة، ولم أتحمس لما سمعت فقد كان ملخصه أن الرئيس السابق أنور السادات يرغب أن يقوم الأخ العقيد بشراء طائرة للرئاسة المصرية، ولأنه يعتقد أن الوقت قد حان (بعد حرب أكتوبر) لتكون للرئاسة المصرية طائرة تليق بها كما هي الحال مع آخرين من رؤساء الدول العربية (بالذات ممالك ومشيخات النفط). وكان اعتماد أشرف في هذه المهمة على علاقة نشأت بينه وبين السيد عبد السلام جلود (رئيس وزراء ليبيا) وكذلك رأى أن يكون جلود مدخله إلى إقناع القذافي بتمويل شراء طائرة رئاسية مصرية، وفي مكتبي ذلك الوقت من سنة 1974 وأشرف مروان يحكي عن مهمته وجدته ينهض فجأه كمن تذكر أمرًا ويتصل بمبارك ويخاطبه باسمه الأول: حسني (هكذا بلا ألقاب) جهز طائرة من عندك للسفر غدًا إلى طرابلس وأريدك بنفسك على الطائرة، والذى حدث في شأن موضوع الطائرة الرئاسية أن علاقة القذافي بالرئيس السادات تدهورت فجأة كالعادة لأسباب يطول شرحها ورفض القذافي أن تقوم ليبيا بشراء طائرة رئاسية للسادات وعرف السيد كمال أدهم مدير المخابرات السعودية من أشرف مروان بالرفض الليبي، وقرر الملك فيصل وكمال أدهم وهو شقيق زوجته الملكة عفت أن يكون هو صاحب هدية الطائرة الرئاسية وقد كان… وفي تلك السنوات على طول السبعينيات توثقت العلاقة بين الرجلين حسني مبارك وأشرف مروان وزادت قربًا عندما أصبح أشرف مروان ضمن المسؤولين عن مشتريات السلاح بعد اعتماد سياسة تنويع مصادره ويُلاحظ حتى من قبل ذلك أن الرجلين معًا كانا قريبين بحكم الاختصاص من صفقة الميراج الليبية مع فرنسا (1970-1974) فقد كان مبارك باعتباره قائد الطيران هو الرجل المسؤول عما يجيء لمصر من تلك الصفقة، ثم إن عقد الصفقة قام به أساسًا ضباط من سلاحه قصدوا إلى باريس بجوازات سفر ليبية (لكن الفرنسيين كانوا يعرفون الحقيقة). وفي نفس الوقت فإن أشرف مروان في ذلك الوقت بحكم العلاقات الليبية لم يكن بعيداً عن التفاصيل، ويستوقف النظر في تلك الفترة أن دخول أشرف مروان في قضايا التسليح كان ظاهرًا على مستوى القمة فقد حضر اجتماعًا رسميًا للرئيس السادات مع وزير الخارجية الأمريكية هنري كيسنجر وكان الاجتماع في بيت الرئيس السادات في الجيزة يوم 10 أكتوبر 1974وترى وثيقة رسمية من الوثائق السرية لوزارة الخارجية عنوانها (مذكرة عن مناقشة) أن الاجتماع حضره من الجانب المصري مع الرئيس السادات كل من إسماعيل فهمي وزير الخارجية ومحمود عبد الغفار وكيل الوزراة وأشرف مروان ومن الجانب الأمريكي هنري كيسنجر وجوزيف سيسكو والسفير هيرمان إيلتس (سفير الولايات المتحدة في القاهرة) وبيتر رودمان (من هيئة الأمن القومي الأمريكي). وتحت عنوان فرعي (الأسلحة السعودية إلى مصر)، يتضح من المناقشة أن السعودية عقدت صفقة أسلحة أمريكية لمصر بقيمة سبعين مليون دولار، وأن هناك وفدًا سعوديًا يتعاون حول الصفقة موجود في واشنطن وفي الصفحة الثالثة من محضر المناقشة تقول المذكرة (حوار جانبي يدور بين كيسنجر وبين الرئيس السادات وأشرف مروان)، السادات: نحن نتحدث مع السعوديين عن صفقة الأسلحة التى يمولونها وأنت قلت لي إننا سوف نتحدث مع الملك في هذا الموضوع وأعتقد أن الصفقة يمكن توقيعها قبل شهر ديسيمبر ونحن على استعداد للتوقيع أيضاً في حدود سبعين مليون دولار في هذه السنة. كيسنجر: لن نجد صعوبة كبيرة من السعوديين ولا نستطيع أن ندفعهم إلى عمل شيء وقد أزعجوا سفيرنا البروتستانتي المتدين لأن كل مايطلبونه هو البنات والمال ولم يسألوا أنفسهم بعد ماذا عليهم أن يفعلوا؟ وهنا تدخل الدكتور أشرف مروان في المناقشة قائلًا: إن الملك سوف يحيل الموضوع إلى (سلطان) يقصد الأمير سلطان وزير الدفاع وسلطان ليس سعيدًا بمسأله الذخيرة التي يُقال لهم الآن إن تسليمها سوف يكون بعد أربعة عشر شهرًا. كيسنجر موجها الحديث إلى سيسكو: جو اهتم بهذا الموضوع. مروان: ألا يمكن قصر موضوع السلاح على شركات دون تدخل للحكومة، أى يجري التفاوض بين السعوديين وبين الشركات الأمريكية مباشرة دون تدخل رسمي. سيسكو: تلك مسالة صعبة لأن الأمر يحتاج إلى تصريحات من الحكومة الأمريكية ببيع السلاح. مروان: لكن نحن لا نريد أن يكون لوزارة الداخلية دور في موضوعات السلاح. كيسنجر: عليكم أن تعرفوا أن وزارة الدفاع يتعين عليها في مسألة السلاح أن تعمل على أساس أسعار مقررة. وبعد اختيار مبارك لمنصب نائب الرئيس سنة 1975 كانت أول مهمة كُلف بها أن يقوم بزيارة رسمية لباريس في يونية من تلك السنة 1975 والهدف منها الاتفاق على شراء وتصنيع صواريخ فرنسية في مصر وكان مروان مصاحبًا لمبارك ولم يكن قد تولى بعد مسؤولية هيئة التصنيع الحربي (والتفاصيل حول هذه الصفقة منشورة في المجلة المعتمدة لشؤون الطيران في العالم). ومرت السنين إلى أوائل الألفية الجديدة ومع حلول سنة 2000 وأشرف مروان مقيم في لندن بدأت الأخبار تتسرب في إسرائيل تلمح إلى أنه كان عميل إسرائيل الذي أخطر الموساد بتوقيت نشوب الحرب في أكتوبر 1973. ثم حدث في ذكرى اكتوبر 2005 وهي مناسبة يقوم فيها رئيس الدولة عادة “السادات” أو مبارك بعده بزيارة ضريح جمال عبد الناصر وعند خروجه كان مروان الأقرب إليه بين مودعيه. كانت التسريبات التى خرجت من لجنة الأمن والدفاع في الكنيست ومن مجالس عسكرية سرية خاصة تشكلت للتحقيق فيها شديدة الحساسية والخطورة وهي باختصار أثر من آثار الصدمة التى واجهتها إسرائيل في الأيام العشر الأولى من حرب أكتوبر1973 فقد حدث وقتها أن إسرائيل شكلت لجنة تحقيق خاصة رأسها القاضي آجرانات لكي تبحث أسباب ما وقع وتحدد المسؤولية عنه وكانت النقطة المركزية في التحقيق هي: هل فوجئت إسرائيل أو لم تفاجأ؟ وإذا كانت قد عرفت من مصدر سري فلماذا تأخرت في الاستعداد ساعة الحسم؟. وكانت لجنة التحقيق الخاصة وهي مشكلة بقرار من رئيسة الوزراء جولد مائير قد توصلت إلى نتائج أعلنت ملخصًا مقتضبًا جرى إعلانه مع إجراءات عقابية طالت عددًا من المسؤولين وبين ما اُتخذ من إجراءات توجيه لوم إلى وزير الدفاع موشيه ديان وإزاحة رئيس أركان الجيش الإسرائيلى الجنرال ديفيد بن أليعازر من منصبه وإحالة الجنرال إيلي زائيرا (مدير المخابرات العسكرية إلى التقاعد).
ويضيف هيكل: وربما كان أطرف ما سمعت فيما يمكن اعتباره (المأثورات) هو ما رواه لي خالد عبد الناصر بعد لقاء مع مبارك بعد عودة خالد من غيبة طويلة خارج مصر بسبب اتهامه في قضية (شباب مصر الأحرار)، والتى قيل عنها إنها دبرت اعتداءات على رعايا إسرائيل عند مجيئهم إلى مصر بعد اتفاقية السلام. وكان مبارك للإنصاف أيضا قد اتخذ في هذه القضية موقفًا كريمًا يُحسب له، وفي أثر ما شاع عن هذا الاتهام، فإنه ترك خالد عبد الناصر يسافر من مصر سنوات، وعندما عجز خالد عن تحمل الغيبة عاد ورأى مبارك أن يلتقيه لقاء أب بابنه. وكانت رواية خالد عبد الناصر عن نصيحة مبارك له وقد رواها خالد عنه بجد، ولم أستطع أن آخذها كذلك. كانت نصيحة مبارك قرب نهاية اللقاء قوله: اسمع يا ابنى: تبسبس آه تهلس آه لكن تسيِّس لأ!!. وترجمة القول: (تبسبس) من بيزنس – و(تهلس) مفهومة دون ترجمة – و(تسيِّس) من السياسة. وبالتالى فالحكمة المقصودة هي أن كل المجالات حلال، وأما مجال السياسة فهو الحرام شخصيًا!!.. كما يتعرض هيكل لجانب آخر من الصفات الشخصية لمبارك فيقول: كانت الصفة الأخرى التي ركز عليها هؤلاء الذين يعرفون مبارك عن قرب هو أنه لا يحب أن يسمع كلمة طيبة عن غيره هو، وقد لمحت هذه الخاصية من خلال موقف رواه لي رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، فقد تصادف أن رفيق الحريري في أول زيارة رسمية له إلى مصر بعد توليه منصب رئيس الوزراء، نزل في فندق شيراتون الجزيرة، وهو شبه ملاصق لمكتبي، واتصل بي رفيق الحريري في الساعة الثامنة صباحًا يقول لي إنه استيقظ مبكرًا ويسأل إذا كان يستطيع أن يجيء إلي الآن، ورحبت، وجاء رفيق الحريري، وأول ما بدأ به قوله أنه التقى مبارك بالأمس، وأن الرئيس وضعه في موقف شديد الحرج، فقد حضر وزير الخارجية المصري وقتها السيد عمرو موسى الدقائق الأخيرة من اللقاء، وبعد انتهائه مشى مبارك من حيث كان يجلس مع ضيفه إلى باب قاعة الاجتماع ووراءهما السيد عمرو موسى، وقال رفيق الحريري: “إنني أوقعت عمرو موسى، وأوقعت نفسي في حرج شديد”، وراح يحكي أنه أراد مجاملة الرئيس المصري بمدح وزير خارجيته، فقال له: “سيادة الرئيس اسمح لي أن أهنئك على نشاط وزير خارجيتك”. وتوقف مبارك في مكانه، وقد بدا عدم ارتياحه قائلًا لرفيق الحريري، وعمرو موسى يسمع: “إيه.. وزير الخارجية لا يرسم سياسة .. رئيس الدولة يرسمها”. ولم يكتف بذلك بل التفت إلى عمرو موسى قائلا له: “عمرو.. اشرح للأخ رفيق أن وزراء الخارجية لا يرسمون السياسة، ولكن ينفذونها فقط”. وكان تعليق رفيق الحريري أنه كان في (نص هدومه) من شدة ما أحس بالحرج لنفسه ولوزير الخارجية المصري، وقد ظن أنه يمدحه.
كما كشف محمود صبرة المدير العام السابق في مكتب مبارك، على برنامج الحياة اليوم، أن زكريا عزمي رئيس الديوان كان متحكمًا في عقل مبارك ويمنع أي شخص من الاقتراب منه وعرف كيف ينفذ ذلك منذ حضوره كمقدم في الحرس الجمهوري فراح يقوم بمتابعة أولاد مبارك وتقديم الخدمات إليهم منذ الصغر فاهتم بهم في المدارس وكان يقوم بقضاء أي احتياجات لابنية علاء وجمال. وأوضح صبرة أن الرئيس لم يكن يحب القراءة فكان لايقرأ الصحف ويستقي كل معلوماته من زكريا عزمي فيما يخص كل شؤون البلاد وأضاف أن زكريا كان مصدره الوحيد للثقة فيما يخص كل مؤسسات الدولة سواء كان مجلس الوزراء أو البرلمان أو أي جهة ووصف صبرة مبارك بأن أذنه كانت لعزمي فقط. وأن الرئيس كان يطلب اختصار كل المواضيع مهما كانت مهمة بشكل مقتضب وأوضح صبرة أن مكتب الرئيس لم يكن يهتم بما تنشره الصحف القومية لأنه يعرف مسبقًا ما بها وأكد صبرة أن مبارك لم يمسك ابدًا بجريدة بين يديه لقراءتها وأثناء سفر الرئيس للخارج كانت تصدر لنا تعليمات بإرسال مقالات المديح فقط. وكشف صبرة موقف يوضح عدم حب مبارك للقراءة عندما رمى تقريرًا من أربع صفحات في وجه سكرتير خاص وقال له “هو انا هقرا كشكول” وكان مبارك يطلب فقط تقاريرًا خارجية ويرفض الاطلاع على أي شأن داخلي .. ويكشف الصحفي مكرم محمد أحمد عن بعض الصفات الشخصية لمبارك فيقول له في حوار صحفي بجريدة الأهرام وعن بعض التفاصيل الخاصة بإشاعة أن السادات كان ينوي إقالته من منصب نائب الرئيس قبل اغتياله بفترة فيقول: كان المطروح وقتها أن يأتي منصور حسن بديلًا لمبارك. والبعض، ومنهم زكريا عزمي، صور لمبارك أن السادات سيصدر قرارات تحد من سلطاته كنائب، والحل أن يحاصروا منصور حسن، ليحولوا دون ذلك. ولا تنس أن ولاء مبارك الغريزي للرئيس الأعلى، وخروج منصور من حلبة السباق، وتفاقم الصراع بين السادات وسعد الدين الشاذلي، كل ذلك ثبت أقدام مبارك إلى أن ضربت الأقدار ضربتها الكبرى وأتت به إلى سدة الحكم ويضيف مكرم: هناك فروق كبيرة جدًا بينهما. السادات صاحب رؤية. كان يرى، على عكس عبد الناصر، أن مصر قطعة من أوروبا. وبالتالي عليها أن تولي وجهها ناحية الغرب. قد نختلف أو نتفق معه، لكن كانت له رؤية. أما مبارك فاعتمد بشكل كامل على رؤية السادات، حتي السداح مداح (الانفتاح الاقتصادي) اعتمده دون أن يعيد النظر في التجربة الساداتية، لينقيها ويؤصلها!. ويضيف مكرم: مبارك منضبط يحترم الأوامر وتسلسل الرتب، يؤمن بالعسكرية التقليدية. رغم أن السادات أعطاه كثيرًا من الفرص، لأنه كان يثق فيه ويطمئن إليه.. ومبارك لم يسع إلى تطوير موقفه، ليواكب التغييرات من حوله، وإذا كان صحيحًا أن السادات مشي على خط عبد الناصر بـ (أستيكة)، فإن مبارك مشي على خط السادات بـ (الكربون)، ما أعرفه أنه كان قاسيًا على أشقائه. وعن علاقة مبارك بالإخوان المسلمين يقول مكرم: كان يعتبرهم الخطر الأكبر على أمن مصر وعليه شخصيا. وكثيرًا ما سعى الإخوان إلى فتح حوار معه، لكنه رفض. وكانوا يحضرون كل المؤتمرات التي يعقدها صفوت الشريف، ورغم معرفتهم المسبقة بأن محاولاتهم هذه لن تسفر عن شيء، إلا أنهم كانوا يعاودون الكرة .. كما يكشف الكاتب الصحفي صلاح منتصر عن جانب من شخصية مبارك وكان أحد المقربين من دوائر صنع القرار فيقول منتصر عن مبارك: السادات هو الذي اختار مبارك وليس الشعب. اختاره لأنه الأصغر سنًا بين القادة العسكريين الجمسي وأبو ذكري وأحمد إسماعيل كلهم تجاوزوا الخمسين أما مبارك فقد كان عمره سبعة وأربعين عامًا فرأى السادات أن يدربه ويخضعه لفترة تدريبية. الغريب أن حسني مبارك نفسه اعترف أنه كان غير قادر وقال لأحد أصدقائه: لا أفهم في السياسة.. وكل علاقتي بالسياسة أنني أقرأ الأهرام.. أين أذهب مع عتاولة السادات؟.. سوف يضعوني تحت أسنانهم ويقرقشونني. الشاهد أن مبارك كان موظفًا بدرجة نائب رئيس جمهورية، وكان محظوظًا لأن الذين كان يخشاهم بدأوا يختفون واحدًا وراء الآخر ولم يعد أمامه سوى منصور حسن، وكان المقصود أنه الرجل القادم في مصر كما أطلقت عليه مجلة الحوادث اللبنانية في ذلك الوقت إلا أنه شاء القدر أن يختلف مع الرئيس السادات في قرارات سبتمبر حين تم القبض على ألف وخمسمائة شخص فلم يقبل منصور حسن أن يحدث ذلك وهو وزير إعلام إلى جانب أنه كان أقوى وزير لشؤون رئاسة الجمهورية، ضمير منصور لم يتحمل فقدم استقالته للسادات الذي كان يحبه. وروى منصور حسن بعد جنازة السادات أنه التقى بالسفير حسن أبو سعدة سفير مصر في لندن فقال له إن السادات طلب منه أن يكرمني كما كنت وزيرًا. السادات في رأيي كان يدخر منصور حسن لما بعد تحرير سيناء. ويشير صلاح منتصر إلى أن مبارك كان أنويًا جدًا مشيرًا إلى أن أيام عبد الناصر والسادات كان رئيس الوزراء عندما يؤدي القسم كان يقف بعدها على يمين رئيس الجمهورية ثم يتوالى دخول الوزراء لأداء اليمين الدستورية لكن حسني مبارك منع أي رئيس وزراء من الوقوف إلى جواره. وعن علاقته بعائلته يقول منتصر: ذات مرة أجريت حوارًا في مجلة أكتوبر مع شقيقه سامي الذي كان يستعد لتكوين حزب فاتصل بي مبارك وقال لي عن أخيه: ده راجل مجنون.. يبقي يدور على اللي هايخليه يعمل حزب.. في نفس الوقت كانت علاقته مع أهل سوزان جيدة جدًا وبصراحة لا أعرف لماذا” على حد قول منتصر.
كشف الدكتور محمود جامع مؤلف كتاب (عرفت السادات) عن أسرار خطيرة عن كيفية تولي مبارك لرئاسة الجمهورية حيث يقول: كان السادات قد أخبرني قبلها بأنه سيعين نائبًا مدنيًا لرئيس الجمهورية، مما جعلني أقبل رأسه، ولكن عندما أخبرني بأنه عين حسني مبارك، قلت: “يا نهار أسود”، وذكّرته بنيته بتعيين نائب مدني، لكنه أثنى على مبارك، مشيرًا إلى أن السادات كان يريد شخصًا يستطيع التحكم فيه، ولم يكن يريد شخصية قوية “تقرفه”. كما كشف عن أن السادات كان في آخر أيامه يرحل التقارير التي تأتي له من المخابرات الحربية والمخابرات العامة وأمن الدولة إلى مبارك، مما جعل الأخير يتغلغل في “مصارين الدولة”، وتجمع حوله مطاريد السادات، واستطاع أن يُكوِّن مركز قوة في الدولة بحذر دون أن يعي السادات. وأوضح أن رئاسة الجمهورية كانت تعاني صراعًا شديدًا في نهاية عصر السادات بعد تولي منصور حسن وزير الدولة لشئون رئاسة الجمهورية، وتم تسريب تقرير إلى المخابرات الإيطالية بإيعاز من كمال أدهم، مدير المخابرات السعودي يفيد بأنه إذا تم إزاحة السادات وتولى مبارك الرئاسة فسيكون التعاون الاقتصادي مع المملكة العربية السعودية أكثر، وسوف تشهد العلاقات تحسنًا ملموسًا، وهنا أحس السادات بالخطر، وقال: “فيه لعب”. وأصبح منصور حسن، وزير الإعلام أيضًا، متواجدًا في بيت السادات، حتى إن الإعلام وقتها كان في كل مقابلة يقوم بها السادات مع أي وفد أجنبي، يتم الإعلان عن حضور السيد منصور حسن، وهذا ما أزعج مبارك، ودخله الشك، وفي هذه الأثناء قرر منصور عمل تنظيم شبه سري بالحزب الوطني من أجل صنع كوادر حزبية تقوي جبهة السادات، وأحس بذلك النائب مبارك، ولكن قيل للسادات: إن ذلك التنظيم سيشبه التنظيم الطليعي، مما جعله يرفض الفكرة. وفي هذه الأثناء أصدر السادات القرار 119 بأن يتم عرض جميع (البوسطة) الخاصة برئاسة الجمهورية على السيد منصور حسن، وهنا بدأت الاحتكاكات، وأحس مبارك باللعبة فأقام في بيته وقدم استقالته. ونصح الفريق محمد سعيد الماحي السادات بأن ينزل إلى القوات المسلحة، ولكنه لما حضر إلى المنطقة الشمالية العسكرية سأله الضباط عن النائب، وهنا أحس السادات بالخوف، لأن القوات المسلحة بالنسبة له حساسة جدًا، وذهب إلى مبارك في بيته وطلب منه الرجوع، ولكن الأخير طلب إلغاء القرار 119 بأثر رجعي، وقال مبارك أثناء خروجه لمنصور: “ما تبقاش تلعب معايا تاني”. وكان ذلك قبل أحداث سبتمبر بحوالي أسبوعين، وفي هذا الوقت أصدر السادات قرارًا بتغيير وزاري يتم بمقتضاه إلغاء منصب وزير الدولة لشئون الرئاسة، ووعد منصور بمنصب نائب رئيس مجلس الأمة، لكنه رفض وسافر إلى لندن .. كما وصف الدكتور جامع مبارك بأنه “غيلاوي”، مستدلًا على ذلك بموقفه من عثمان أحمد عثمان، المقرب من السادات، والذي أراد أن يقدم لمبارك ورقة في احتفالية جامعة القاهرة، لكنه دفع يد عثمان الممدودة بالورقة وأغلق زجاج السيارة على يده حتى كادت تُقطع، وساعتها بكى عثمان أحمد عثمان.
لعل أبرز الكتب العالمية التي تحدثت عن مبارك في السنوات الأخيرة كتاب (كبار زعماء العالم) الصادر ضمن سلسلة أمريكية عن دار نشر (تشيسي هاوس)، والذي يرصد كيف كان حسني مبارك منذ بداية حياته المهنية حتى اختيار السادات له نائبًا بعيدًا تمامًا عن السياسة. ويقول مؤلفا الكتاب سوزان موادي دراج، وآرثر ميير سشليسنجر، إنهم ظلوا ينظرون إلى مبارك في الفترة التي قضاها نائبًا للسادات على أنه (مهرج القصر)، وكان يطيع رئيسه لدرجة أن وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كسينجر عندما رآه لأول مرة بجوار السادات لم يخطر بباله أن هذا هو الرجل الثاني في مصر، واعتقد أنه مجرد مساعد درجة ثانية للسادات. ويمضي هذا الكتاب الذي يركز على السنوات التي قضاها مبارك كنائب في القول إنه بعد أن خسر چيمي كارتر صديق السادات منصب رئاسة أمريكا قام السادات بإرسال مبارك للولايات المتحدة مرتين في عام 1980 لكي يودع كارتر ويحاول اللقاء مع الرئيس المنتظر رونالد ريجان، وفي هذه الزيارات ألح مبارك على أمريكا لإرسال أسلحة إلى السودان لأن مصر كانت تعتقد أن نظام حكم معمر القذافي الثوري، المكروه من السادات، يحاول الإطاحة بنظام حكم جعفر النميري. لكن مبارك في هذه الجولات الأمريكية بدأ يقوم بعمليات بيزنس خاصة به مع رجل الأعمال حسين سالم من وراء أنور السادات. وكاد السادات يقوم بعزل مبارك بعدما علم بهذه الوقائع واستبداله بالوزير منصور حسن لتولي منصب نائب الرئيس، لكن كون مبارك عسكريًا ينتمي للجيش إلى جانب صلته القوية بالسادات أبقيا عليه في منصبه، وكان مبارك يعرف الكثير عن السادات في ذلك الوقت ويعرف مدى ارتباطه بأمريكا والحماية الخاصة التي وفرتها المخابرات الأمريكية لحراسته .. وفي كتاب (الحجاب) الذي كتبه الصحفي الأمريكي المخضرم بوب ودوارد الذي فجر فضية ووتر جيت، يقول إن المخابرات الأمريكية كان لديها تسجيل مصور عن مبارك والقرية التي ولد فيها، وعن زوجته ذات الأصول الإنجليزية. وربما يكون للولايات المتحدة دور في اختيار السادات لمبارك نائبًا له، كما ذكر المؤرخ والمؤلف الأمريكي الشهير (بوب وودوورد) أن مبارك منح جواسيس الولايات المتحدة الحصانة خلال عملهم في مصر. وأوضح المؤرخ أن السي آي إيه زرعت الميكروفونات المتطورة في كل ركن من أركان القصر الجمهوري في مصر. وأكد أن مبارك وقع على بروتوكول تلك الاتفاقية في أول أيام له بالرئاسة يحمل رقم 166 لسنة 1981، حيث منح هذا البروتوكول جواسيس الولايات المتحدة الحصانة من جميع الأخطار خلال عملهم في مصر، مشيرًا إلى أنه بالفعل لم تلقي القاهرة القبض على أي متهم مصري بالتجسس لصالح واشنطن خلال حكم مبارك. كما كشفت ملفات سرية بريطانية أُفرج عنها بعد مرور ثلاثون عامًا أن المسؤولين بالخارجية البريطانية قيّموا الرئيس السابق حسني مبارك على أنه “شخص باهت عديم الحيوية وغير مثقف إلا أنه خال من الفساد” وذلك قبل توليه الرئاسة عام 1981. ونقلت صحيفة “ديلي تليجراف” البريطانية عن الوثائق السرية أن مسؤولي الخارجية البريطانية أبلغوا رئيسة الوزراء البريطانية آنذاك مارجريت تاتشر عن مبارك (قبل توليه السلطة) أن مبارك هو الرجل القادم في مصر، وأنه من المحتمل أن يتولى السلطة في حال حدوث شيء للرئيس أنور السادات الذي اُغتيل في السادس من أكتوبر من العام نفسه، لكنه ليس مثقفًا وباهتًا وعديم الحيوية، ولكنه غير ملوث بأي فساد. وأضافت المذكرة أن مبارك “لا يميل للتفكير، لكنه ودي ومرح ورحلاته المتكررة للخارج جعلته سياسيًا خبيرًا، على الرغم من أنه ليس عميق التفكير ويعبر عن وجهات نظر سطحية، ولا يعتقد أنه لديه الكثير من الأعداء”. وأضافت المذكرة: “إن مظهر مبارك الخارجي يخفي شخصية قاسية” ورجحت المذكرة وقتها أن يخوض مبارك مواجهات سياسية ناجحة للحفاظ على منصبه، نائب رئيس الجمهورية، بعد أن تمكن من الإطاحة بجميع الشخصيات الأخرى البارزة في الحكومة أو القوات المسلحة”. وأشارت الملفات إلى أنه قبل زيارة مبارك لبريطانيا، طلب مسؤولون بريطانيون من تاتشر عدم التطرق إلى موضوع والدة زوجته سوزان مبارك، الممرضة من ويلز، إلا إذا مبارك نفسه فتح الموضوع مشيرًا إلى أنهما يريدان أن يقللا من أهمية هذه الصلة. كما فجر تقرير سري للمخابرات الأمريكية عن الحالة النفسية لمبارك تم تسريبه ضمن 24 ألف مستند اعترف الجنرال وليام جي لين نائب وزير الدفاع الأمريكي بسرقتها تمتع بعدة صفات خصها علماء النفس المكلفون بتحليل شخصيته تلخصت في كونه عنيدًا، بليد الفهم ومنتفخ الشخصية يعشق الكذب، شكاكًا بطبيعته، ومتغطرسًا وفارغًا ونمامًا ويعشق اغتياب الغير، يشعر بالدونية وسهل الانقياد.. كما قام المحلل الألماني أرنست شموترز بتحليل شخصية مبارك معتمدًا على تقارير الصحف المصرية والتصريحات السابقة التي أدلى بها مبارك. وأشار إلى أن مبارك خلال رئاسته مصر مر بأربع مراحل والتى سماها بالتحولات الأربعة فمرحلة التحول الأول وهي المرحلة التي بدأت بتوليه منصب نائب الرئيس السادات وهي الفترة التي دخلها ولم يكن مستعدًا لها والاستعداد هنا يعني كم الاطلاع والثقافة والعلم الذي ينبغي لنائب الرئيس ان يتحلى به كسياسي. مشيرًا أيضًا إلى أن مبارك كان مسجونًا في ثكنته الجوية وردائه العسكري راضيًا بوضعه كمحارب ولم يكن على أي دراية حقيقية بمايحدث بخارج هذا الإطار وكان منصب نائب الرئيس بمثابة (الفخ) الذي وقع فيه الشعب المصري بعد اغتيال السادات حين أصبح مبارك بموجب الشرعية رئيسًا لمصر، مؤكدًا أن مبارك في رحلاته الخارجية الرسمية قبل توليه الرئاسة ليس إلا منفذًا وملتزمًا بسياسات السادات ولم يستطع أن يخرج عن الإطار الساداتي. وعن المرحلة الثانية فإن المحلل يقول إن هذه المرحلة بدأت بعد اغتيال السادات مباشرة واستمرت بعد ذلك بنحو خمسة أعوام وهي المرحلة الأنشط في فترة حكم مبارك والتي عمل فيها بمدد من عسكريته وصفاته الشخصية التي اتصفت بالعناد والاصرار وحاول التفوق فيها على السادات بإنشاء بنية تحتية وأساسية. وأضافت سكوبي (وفق الوثيقة) أن حسني مبارك لم يتعلم شيئًا من الرئيس السابق أنور السادات. الذي كان كما كتب الراحل أحمد بهاء الدين يرفض قراءة الصحف أو الاستماع للإذاعات، ويعتبر متابعة الأخبار سببًا في مقتل جمال عبد الناصر. ويفضل ملخصات التقارير، ويتخذ القرارات بناء عليها. مبارك جرب وصفة السادات وتوقف عن قراءة الصحف أو الاهتمام بها، وصدق التقارير الأمنية.
منذ بداية تعيينة نائبًا للرئيس، أمر الرئيس السادات مبارك بألا يتحدث رسميًا مع أي مسئول بالعالم خلال زياراته الخارجية، التي كان يحرص فيها السادات على إرسال (أسامة الباز) معه، إلا لو كان الباز معه على الهاتف، ويجلس بجانب مبارك، ويقوم بتصويب الحديث لمبارك بالقلم الرصاص، وأيضا كي يدون الملاحظات المهمة للسادات، وكان مبارك معتادًا على ذلك كأنه روتين. وبذلك لم يمارس مبارك أو يمتلك أي خـبرة سياسية قبل وصوله إلى الحكم، بعكس الرئيسين السابقين له جمال عبد الناصر وأنور السادات، اللذين مارسا السياسة وامتلكا خبرة وتكوينا سياسيًا قبل وصولهما للسلطة .. كان مبارك يجلس بجوار السادات في منصة للعرض العسكري في طريق النصر بالقاهرة، حين نزل تكفيريون إسلاميون، منهم ضباط في الجيش، وقاموا بمهاجمة المنصة في 6 أكتوبر 1981، وقُتل السادات وأُصيب مبارك بجروح طفيفة. وكانت المادة 76 من الدستور تحدد عملية اختيار الرئيس عن طريق تسمية مجلس الشعب لاسم من الأسماء وطرحه للاستفتاء على الشعب، وهي الطريقة التي انتقلت بها السلطة من عبد الناصر إلى السادات، ومن السادات إلى نائبه مبارك، حيث تولى الحكم فعليًا قبل نهاية عام 1981، حيث قال في ذلك الوقت إنه لن يبقى في الحكم أكثر من فترتين مدة كل منهما ست سنوات. ولكنه استمر في رئاسة مصر خمس دورات متتالية .. ويتضح مما سبق أن مبارك لم يكن مناسبًا لمنصب نائب رئيس الجمهورية، وأنه بطبيعته غير قابل للتأهيل لهذا المنصب، وأن وصوله إلى السلطة كان كارثة تاريخية بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ. وأن صفاته الشخصية ساهمت بشكل كبير في التجريف الشامل الفكري والثقافي والسياسي الذي حدث للأمة المصرية ربما للمرة الأولى في تاريخها، وهو الأمر الذي تزامن وتكامل مع الشبورة الثقافية الوهابية الظلامية والتكفيرية، كثقافة بديلة للأمة المصرية، ليمهد الطريق للهيمنة الثقافية الوهابية على الأمة المصرية. تلك الهيمنة التي مثلت تهديدًا حقيقيًا للهُوية المصرية ووجود الدولة المصرية ذاتها. مما استوجب إلقاء الضوء على مراحل تشكل تلك الهيمنة الثقافية الاستعمارية وملامحها وبيان أخطارها الكارثية بغية استئصالها وتجنب الوقوع في ضروبها ومثيلاتها مرة ثانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.